يعيش العالم اليوم حالة من الانشغال غير المسبوق بتداعيات الإفراج عن جزء من وثائق جيفري إبستين، والتي يقدر عددها بنحو ثلاثة ملايين وثيقة. وتؤكد هذه الفضائح الشكوك الدائمة حول شبكات النخب واللوبيات في الولايات المتحدة، مبرزةً تأثير عالم المال والأعمال على مفاصل السياسة والثقافة والأكاديميا والطب.
تثبت الوثائق المسربة حجم التواطؤ المؤسسي وإفلات النخب من العقاب، مما كشف عن تصدعات عميقة في هياكل السلطة الأمريكية. وقد أدى هذا النفاق الأخلاقي إلى إضعاف صورة الولايات المتحدة المتآكلة أصلاً في الخارج، حيث تظهر النخب كطبقة تحمي نفسها عبر النفوذ والابتزاز والسيطرة على المؤسسات.
سلطت الوثائق الضوء على فشل مؤسسي ذريع وتستر متعمد من قبل مسؤولين رسميين على الشخصيات النافذة المتورطة. وتشير التقارير إلى أن وزارة العدل الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة المخابرات المركزية أعادت تشكيل الرأي العام حولها كأدوات للنفوذ السري بدلاً من حماية القانون.
اتُهمت وزارة العدل على وجه التحديد بالقيام بعمليات تحرير انتقائية للوثائق المنشورة لضمان حماية النافذين. كما تم تجاهل التحذيرات المتكررة بشأن العديد من المتورطين وإغلاق ملفاتهم، مما عرض الضحايا لمزيد من المخاطر وغيب العدالة والمساءلة القانونية.
تكشف المراسلات المسربة عن طبقة مختلة تعتبر الانحراف أمراً طبيعياً في ظل غياب الرقابة الحقيقية. ويظهر في هذه الوثائق تجاهل متعمد لحقوق الضحايا وتنميط لانتهاكاتهم، مما يعكس عيوباً هيكلية في النظام الأمريكي تعطي الأولوية لمصالح الأقوياء على حساب المبادئ الإنسانية.
تبرز الوثائق مدى النفوذ الذي تتمتع به أقلية دينية ولوبيات ضغط داخل الولايات المتحدة على الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية. هذا النفوذ يوفر حماية كاملة من العقوبات حتى في حالات الانتهاكات الصارخة ضد المواطنين الأمريكيين، مما يثير تساؤلات حول سيادة الدولة.
أعادت الفضيحة النقاش حول سيطرة اللوبي الصهيوني على القرار في واشنطن وتجيير قدرات أمريكا لخدمة مصالح إسرائيل. وتظهر الروابط الوثيقة بين أفراد هذه الحلقات تجاوزاً للمصالح الوطنية الأمريكية لصالح أطراف خارجية، وهو ما يضعف الموقف الأمريكي الدولي.
على الصعيد الأكاديمي، وسعت جامعة هارفرد تحقيقاتها الداخلية لتشمل كبار المانحين والأساتذة الذين وردت أسماؤهم في الوثائق. ومن أبرز الأسماء المرتبطة بإبستين أندرو فاركاس وليزلي ويكسنر وجيرالد تشان، الذين قدموا تبرعات ضخمة للجامعة ومراكزها البحثية.
كشفت التقارير أن إبستين تبرع بمبلغ 375 ألف دولار لمعهد هاستي بودينغ، بالإضافة إلى تمويل برنامج 'ديناميكيات التطور' بمبلغ 6.5 مليون دولار. كما واجه لورانس سامرز، رئيس هارفرد السابق، تداعيات مهنية قاسية بسبب مراسلاته الحميمة مع إبستين التي كشفتها الوثائق.
في جامعة كولومبيا، أقرت الإدارة بوجود عمليات قبول غير منتظمة في كلية طب الأسنان مرتبطة بشبكة إبستين. واستجابة لهذه الفضيحة، قررت الجامعة التبرع بمبلغ 210 آلاف دولار لمنظمات تدعم ضحايا الاعتداء الجنسي في محاولة لترميم سمعتها الأكاديمية.
امتدت التداعيات لتشمل جامعة ييل، حيث تم إيقاف أستاذ علوم الحاسوب ديفيد غيلرنتر عن التدريس مؤقتاً لمراجعة علاقاته. كما أدت الفضيحة إلى إغلاق مراكز بحثية في جامعة ديوك وإلغاء فعاليات علمية في جامعة أريزونا كانت مرتبطة بتمويلات مشبوهة.
في أوروبا، سيطرت فضائح إبستين على العناوين الرئيسية وأدت إلى سقوط شخصيات سياسية بارزة وفتح تحقيقات قضائية موسعة. أما في الشرق الأوسط، فقد تركزت الوثائق على علاقات إبستين مع سياسيين ونافذين في إسرائيل والإمارات، مما أحرج العديد من الدوائر الرسمية.
تقوض هذه الوثائق السردية الأمريكية القائمة على تصدر القيادة العالمية في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان ومكافحة الفساد. ويساهم هذا الانهيار الأخلاقي في تعزيز موقع خصوم واشنطن الدوليين، لا سيما الصين، التي تستفيد من تراجع الثقة في المنظومة الغربية.
يتوقع المراقبون أن يستمر تفاعل هذه الوثائق لفترة طويلة، خاصة مع ترقب نشر ثلاثة ملايين وثيقة إضافية في مراحل لاحقة. وسيشكل هذا النشر المتوقع 'زلزالاً' داخلياً وخارجياً قد يعيد رسم خارطة النفوذ والسياسة في الولايات المتحدة والعالم.
المصدر:
القدس