آخر الأخبار

الأمم المتحدة تدافع عن ألبانيزي وتحذر من حملات تشويه

شارك

أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنيف عن "قلق بالغ" إزاء تصاعد الدعوات الأوروبية المطالبة باستقالة المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، فرانشيسكا ألبانيزي، معتبراً أن ما تتعرض له من هجمات شخصية وتهديدات وحملات تضليل لا يخدم النقاش الحقوقي، بل يهدف إلى صرف الانتباه عن جوهر القضية: الانتهاكات الجسيمة والمستمرة في الأرض الفلسطينية المحتلة.

وقالت المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، مارتا هورتادو يوم الجمعة، إن المفوضية تشعر بقلق متزايد من استهداف مسؤولي الأمم المتحدة والخبراء المستقلين والقضاة بهجمات شخصية وتهديدات ومعلومات مضللة. وأضافت أن هذا النمط بات يتكرر في أكثر من ملف، بما يعكس سعياً منظماً لإضعاف أدوات المساءلة الدولية، وإحلال المعركة الإعلامية مكان النقاش القانوني والحقوقي.

وتأتي هذه التطورات في وقت يذكّر فيه مسؤولون أمميون بأن المقررين الخاصين ليسوا موظفين تابعين للأمم المتحدة بالمعنى الإداري، بل خبراء مستقلون يكلّفهم مجلس حقوق الإنسان لرصد الأزمات وتوثيقها، ويتمتعون باستقلالية كاملة. كما أن عزل مقرر خاص خلال فترة ولايته لم يحدث كسابقة، رغم أن دبلوماسيين أشاروا إلى أن الدول الأعضاء في المجلس، المكون من 47 دولة، يمكنها نظرياً تقديم اقتراح بهذا الشأن. غير أن كثيرين يستبعدون تمرير أي قرار ضد ألبانيزي، نظراً لوجود كتلة معتبرة داخل المجلس ترى أن الدفاع عن الحقوق الفلسطينية جزء أساسي من التفويض الأممي.

وما يلفت في موقف مفوضية حقوق الإنسان ليس فقط دفاعها عن ألبانيزي كشخص، بل دفاعها عن فكرة "الخبير المستقل" نفسها. فحين تُستبدل تقارير الرصد القانوني بحملات تشهير، يصبح أي مقرر مستقبلي عرضة للإسكات بمجرد أن يقترب من خطوط سياسية حساسة. هذه ليست معركة حول مصطلح أو خطاب، بل حول من يملك حق تعريف "الشرعية" في النقاش الدولي: القانون الإنساني وحقوق الإنسان، أم ميزان القوة والتحالفات.

وتصاعدت الدعوات لاستقالة ألبانيزي بعد تصريحات أدلت بها عبر تقنية الفيديو في منتدى عقد في الدوحة، قالت فيها إن "عدواً مشتركاً" مكّن إسرائيل من ارتكاب "إبادة جماعية" في غزة، وهو توصيف ترفضه سلطات الاحتلال الإسرائيلي. وقد نشرت ألبانيزي لاحقاً مقطعاً غير مُعدّل لتصريحاتها على وسائل التواصل الاجتماعي، مرفقاً بتعليق يؤكد أن "العدو المشترك للبشرية هو النظام الذي مكّن من الإبادة الجماعية في فلسطين"، بما يشمل رأس المال الذي يمولها والخوارزميات التي تخفيها والأسلحة التي تُمكّنها.

غير أن وزراء خارجية أوروبيين اعتبروا هذه اللغة غير مقبولة، إذ نقل وزير خارجية التشيك بيتر ماسينكا عنها قولها إن إسرائيل "عدو مشترك للبشرية"، وهو ما لم تقله ألبانيزي بهذه الكلمات، ودعا إلى استقالتها. كما قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إن منصبها "لا يمكن الدفاع عنه"، بينما وصف وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو تصريحاتها بأنها "شائنة ومستهجنة". وذهبت النمسا وإيطاليا إلى اعتبار أن تصريحاتها تُظهر عدم أهليتها للاستمرار.

في المقابل، يرى المدافعون عن ألبانيزي أن جزءاً كبيراً من الهجوم لا يتصل بتقييم مهني لتقاريرها بقدر ما هو محاولة لإسكات صوت أممي يتحدث بوضوح عن مسؤوليات دولة الاحتلال، ويصر على إدخال الجرائم المحتملة ضمن الإطار القانوني الدولي. ويشير هؤلاء إلى أن ما يُقدَّم بوصفه "اعتراضاً أخلاقياً" غالباً ما يتحول إلى حملة سياسية تُستخدم فيها تهمة معاداة السامية كسلاح جاهز ضد أي خطاب يقترب من نقد إسرائيل أو من توصيف سلوكها في غزة والضفة الغربية.

كما استُحضرت ضد ألبانيزي سلسلة اتهامات تتعلق بتصريحات سابقة اعتُبرت معادية للسامية أو متطرفة ضد إسرائيل أو متساهلة مع حماس. ومن بين ذلك تشكيكها في 11 تشرين الأول 2023 في تقارير عن الاغتصاب والعنف الجنسي (وهو ما ثبت في ما بعد أن ألبانيزي كانت على حق)، وقولها إن الولايات المتحدة وإسرائيل تستخدمان تلك الادعاءات لتصعيد التوتر. كما نُقل عنها أنها اعتبرت إسرائيل غير مخوّلة بالحديث عن "الدفاع عن النفس" فور هجوم حماس، ودعت إلى التعامل مع الإسرائيليين كمشتبه بهم عند سفرهم، وإلى وقف صادرات أدوية إلى إسرائيل، ووصفها بأنها "مجتمع إبادة جماعية" وعائق أمام العدالة العالمية.

وتضمنت الانتقادات أيضاً موقفها من اتهامات طالت موظفين في الأونروا بالمشاركة في أحداث 7 تشرين الأول، واعتبارها تلك الاتهامات "مضللة"، فضلاً عن نشرها رسماً كاريكاتورياً قيل إنه يعكس صوراً نمطية معادية للسامية. كما فرضت الحكومة الأميركية عليها عقوبات العام الماضي بسبب "معاداة السامية الصريحة"، ضمن حملة أوسع استهدفت شخصيات قانونية دولية تنتقد إسرائيل.

وزادت الضغوط بعد رسالة وجهتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في حزيران إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، طالبت فيها بإقالة ألبانيزي، واعتبرت أنها متورطة في “معاداة سامية حادة ودعم للإرهاب”. وتلقفت عواصم أوروبية هذه الرسالة بوصفها سنداً سياسياً، في وقت يقرأ فيه مراقبون أن أوروبا تحاول ضبط خطاب المؤسسات الأممية بما لا يحرج مواقفها الداخلية أو تحالفاتها التقليدية.

وردت ألبانيزي على الهجوم بلهجة حادة، معتبرة أن حكومات أوروبية تتهمها "استناداً إلى تصريحات لم تقلها قط"، وبـ"شراسة وقناعة" لم تستخدمها ضد من "ذبحوا أكثر من 20 ألف طفل خلال 858 يوماً" منذ هجوم 7 تشرين الأول 2023. واستندت في ذلك إلى أرقام وزارة الصحة في غزة التي تقول إن عدد القتلى تجاوز 72 ألفاً، من بينهم أكثر من 500 منذ وقف إطلاق النار في تشرين الأول 2025، وهي الأرقام التي أقرت بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي الأسبوع الماضي .

ويعتقد الخبراء أن المفارقة أن جزءاً من أوروبا يتعامل مع ألبانيزي كخطر على "الخطاب المعتدل"، بينما يتجاهل أن اللغة القاسية غالباً ما تكون انعكاساً لواقع قاسٍ. فحين تتضخم أعداد القتلى ويُغلق أفق المساءلة، يصبح الصدام بين القانون والسياسة أكثر حدة. استقالة المقررة لن تغيّر الوقائع على الأرض، لكنها قد تغيّر شيئاً أخطر: سقف ما يمكن أن يقوله أي مسؤول أممي عن إسرائيل دون أن يتعرض للتجريم. كما أن السجال حول ألبانيزي يعكس صراعاً أوسع: هل تُترك المؤسسات الحقوقية لتقوم بدورها الطبيعي في النقد والمساءلة، أم تُحاصر سياسياً كلما اقتربت من ملفات تعتبرها دول نافذة "محظورة"؟

وبين دفاع مفوضية حقوق الإنسان عن المقررين المستقلين، وتصاعد حملة أوروبية ضد ألبانيزي، تبدو المعركة أبعد من شخص واحد. إنها اختبار مباشر لقدرة منظومة حقوق الإنسان الدولية على حماية أدواتها من الابتزاز السياسي، وإبقاء النقاش مركزاً على الضحايا والوقائع، لا على حملات التشهير والاتهامات الجاهزة بحسب الخبراء.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا