أثارت واقعة وفاة ملتمس اللجوء السوداني، مبارك قمر الدين مجذوب عبد الله، البالغ من العمر 67 عاماً، موجة من الانتقادات الحقوقية بعد مفارقته الحياة داخل قسم شرطة الشروق بمحافظة القاهرة. وجاءت الوفاة فجر الخميس الماضي بعد تسعة أيام من الاحتجاز، في وقت تشهد فيه البلاد حملات أمنية مكثفة تستهدف المهاجرين وطالبي اللجوء، مما يضع الوعود الرسمية بـ 'حسن الضيافة' على المحك.
وتشير الوثائق إلى أن المتوفى، وهو من مواليد الخرطوم عام 1959، كان يحمل بطاقة ملتمس لجوء رسمية صادرة عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وهي سارية المفعول حتى عام 2027. وبموجب قانون لجوء الأجانب رقم 164 لسنة 2024، فإن هذه الصفة تمنحه حصانة ضد الاحتجاز التعسفي، وتفرض على السلطات الالتزام بمبدأ عدم الإعادة القسرية وحظر التمييز.
وتعد هذه الحادثة هي الثانية من نوعها خلال أشهر قليلة، حيث سبقتها وفاة اللاجئ السوداني مجاهد عادل في أغسطس 2025 نتيجة الإهمال الطبي المتعمد. وتؤكد تقارير حقوقية أن هذه الممارسات ليست حوادث معزولة، بل تعكس نهجاً أمنياً يتعامل بخشونة مع الفئات الهشة قانونياً، سواء كانوا مواطنين أو أجانب يقيمون على الأراضي المصرية.
ويربط مراقبون بين تصاعد هذه الإجراءات القمعية وبين الشراكات الاستراتيجية التي عقدتها مصر مع الاتحاد الأوروبي، والتي تضمنت تدفق مليارات اليورو لدعم جهود مكافحة الهجرة. ويبدو أن هذه الأموال عززت من قبضة الأجهزة الأمنية في ملاحقة المهاجرين، حتى أولئك الذين يتخذون من مصر محطة مؤقتة أو ملاذاً آمناً من النزاعات المسلحة في بلادهم.
وعلى الرغم من التهليل الإعلامي لقانون اللجوء الجديد الصادر نهاية عام 2024، إلا أن الواقع العملي كشف عن زيادة في الأعباء المالية والقيود الإدارية. فقد واجه العديد من المقيمين المسجلين رسمياً صعوبات بالغة في تجديد إقاماتهم، مما دفعهم قسراً إلى وضع غير قانوني جعلهم عرضة للاعتقال والترحيل في أي لحظة.
وثقت مصادر حقوقية حالات ترحيل قسري للاجئين رغم امتلاكهم وثائق تسجيل رسمية لدى الأمم المتحدة، حيث يتم تجاهل هذه الأوراق أمام النيابة العامة. وفي بعض الحالات، يتم إجبار المحتجزين على التوقيع على مستندات تفيد برغبتهم في 'العودة الطوعية' تحت وطأة التهديد النفسي أو التعذيب الجسدي، مما يعد انتهاكاً صارخاً للمواثيق الدولية.
وتواجه الرواية الرسمية التي تتحدث عن تحمل الدولة أعباء اللاجئين تفنيداً واسعاً، حيث تؤكد الوقائع أن الحكومة لا تقدم إعانات مالية للمقيمين، بل تفرض عليهم رسوماً باهظة. وتتكفل مفوضية اللاجئين بتقديم مبالغ زهيدة للمسجلين لديها، بينما يواجه البقية صعوبات في الوصول إلى الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم بسبب الاشتراطات المعقدة.
كما يبرز غياب العدالة في القضايا التي يكون الأجانب طرفاً فيها، خاصة في حالات السرقة أو التحرش، حيث لا يُسمح لغير حاملي الوثائق الرسمية بالتقاضي. هذا الوضع القانوني المأزوم يحرم ضحايا الجرائم من حقوقهم الأساسية، ويجعل من الصعب على اللاجئين الفارين من الحروب في السودان وسوريا واليمن الحصول على حماية قانونية حقيقية.
وفي المقابل، يرى خبراء اقتصاديون أن الوجود الأجنبي، وخاصة السوري، ساهم في ضخ مليارات الدولارات في السوق المصرية وخلق فرص عمل لآلاف المصريين. فبدلاً من اعتبارهم عبئاً، شكلت هذه الجاليات رافداً تنموياً عبر إنشاء مؤسسات تجارية وصناعية ناجحة تساهم في الحصيلة الضريبية للدولة وتنشط الحركة الاستهلاكية.
وتتزامن هذه الإجراءات الميدانية مع حملات إعلامية ممنهجة تهدف إلى شيطنة اللاجئين وتحميلهم مسؤولية الأزمات الاقتصادية الداخلية. وتعتمد هذه الحملات على خطاب التحقير والازدراء، مدعية أن المهاجرين يزاحمون المواطنين في الوظائف، وهو ما يتناقض مع البيانات التي تظهر دورهم في توسيع رقعة النشاط الاقتصادي.
ويثير هذا التعامل القاسي تساؤلات حول مصير ملايين المصريين المغتربين في الخارج، وكيف سيكون شعور السلطات المصرية إذا عومل رعاياها بذات الطريقة في دول الاغتراب. إن انتهاك كرامة الإنسان، بغض النظر عن جنسيته، يمثل تراجعاً قيمياً وحقوقياً لا يمكن تبريره بالظروف الاقتصادية أو الضغوط السياسية.
إن مصر التي كانت تاريخياً مقصداً للمثقفين والعلماء من كافة أرجاء الوطن العربي، تجد نفسها اليوم أمام سياسات تضيق الخناق على طالبي الأمان. وبدلاً من الاستفادة من الكفاءات البشرية والخبرات المهنية التي يحملها النازحون، يتم التعامل معهم كملفات أمنية بحتة تفتقر إلى البعد الإنساني أو الرؤية الاستراتيجية.
ويشير مراقبون إلى أن الخطاب الرسمي الذي يشتكي من نقص الموارد وعدم القدرة على توفير الخدمات الأساسية، يتناقض مع القدرة على إدارة ملفات معقدة وتحويلها إلى نقاط قوة. فالدول الناجحة هي التي تستطيع دمج الطاقات الوافدة وتحويلها إلى محركات للنمو، بدلاً من استنزاف الجهود في ملاحقات أمنية لا طائل منها.
ختاماً، تظل واقعة وفاة مبارك قمر الدين صرخة في وجه المنظومة التي تتجاهل حقوق الإنسان الأساسية تحت مسميات إدارية وأمنية. إن تسهيل إجراءات اللجوء والعمل على دمج الوافدين هو السبيل الوحيد للحفاظ على صورة مصر كدولة حاضنة للتنوع الثقافي والإنساني، بعيداً عن سياسات القمع والترحيل القسري.
المصدر:
القدس