آخر الأخبار

أبعاد منع الاحتلال للجنة الوطنية من إدارة قطاع غزة

شارك

يأتي تأخر وصول اللجنة الوطنية المشكلة لإدارة قطاع غزة لاستلام مهام عملها كقرار سياسي إسرائيلي مدروس، وليس مجرد تفصيل إجرائي أو إداري روتيني. تندرج هذه العرقلة في سياق سياسة فرض الأمر الواقع التي تتبعها سلطات الاحتلال، بهدف إبقاء الأزمات قائمة ومستمرة بما يخدم رؤيتها لمستقبل القطاع المنهك.

تطرح التطورات الأخيرة تساؤلاً جوهرياً حول الجهة التي ستدير غزة في المرحلة المقبلة، خاصة في ظل ادعاء الاحتلال البحث عن بديل إداري. ومع ذلك، تشير الوقائع على الأرض إلى أن إسرائيل هي الطرف الأساسي الذي يعطل أي صيغة فلسطينية قادرة على تنظيم الشأن العام، حتى لو كانت لجنة مهنية مستقلة.

إن وجود لجنة تكنوقراط فلسطينية على الأرض يعني بالضرورة نهاية السردية الإسرائيلية التي تروج لغياب الإدارة في غزة. هذا المسار يعيد الاعتبار لإمكانية الحكم الفلسطيني وفرض استحقاقاته السياسية، وهو ما يتناقض جذرياً مع أهداف الاحتلال الرامية لإبقاء المنطقة غير قابلة للحكم.

يسعى الاحتلال من خلال منع اللجنة إلى تحويل غزة لمساحة مفتوحة على الفوضى الدائمة، مما يسهل تحقيق أهداف بعيدة المدى وفي مقدمتها تهجير الفلسطينيين. المنع الإسرائيلي لا يستهدف الأفراد بحد ذاتهم، بل يستهدف فكرة وجود مرجعية إدارية وطنية قادرة على تنظيم الإغاثة والخدمات الأساسية.

تعتبر الفوضى في المنظور الإسرائيلي أداة استراتيجية لإدامة السيطرة وتحقيق المكاسب السياسية، وليست مجرد نتيجة عرضية للعمليات العسكرية. تهدف هذه السياسة إلى دفع السكان نحو خيارات قسرية ومريرة، تبدأ بالقبول بإدارات مفروضة من الخارج وتنتهي بالتهجير القسري تحت وطأة الحاجة.

تمتد تداعيات هذا المنع لتطال العمق الإنساني، حيث يفتح غياب الإدارة المركزية الباب أمام تعثر وصول المساعدات الإنسانية بالكميات والنوعيات المطلوبة. يتهرب الاحتلال حتى اللحظة من تنفيذ الاستحقاقات المتفق عليها، مما يخلق حالة من التخبط في توزيع الأدوار بين المؤسسات الإغاثية الدولية والمحلية.

تتزامن هذه العرقلة مع خطة ممنهجة لتهميش وكالة الأونروا تمهيداً لإنهاء وجودها، بالإضافة إلى التضييق على أبرز المؤسسات الإنسانية الدولية العاملة في القطاع. هذا الفراغ يمنح الاحتلال وعصاباته المسلحة فرصة لاستغلال حاجة الناس وتحويل الإغاثة إلى وسيلة للنفوذ والتنافس غير المشروع.

الفوضى، من منظور الاحتلال الإسرائيلي، ليست نتيجة عرضية للحرب؛ بل أداة لإدامة السيطرة وتحقيق الأهداف، ورافعة لدفع السكان نحو خيارات قسرية.

يؤدي غياب الناظم الإداري الوطني إلى خلق فراغ أمني ومجتمعي خطير، يتبعه نشوب صراعات محلية على الموارد المحدودة المتاحة. هذه الحالة تساهم في تآكل الثقة بأي مشروع وطني جامع، وتخدم بشكل مباشر مساعي تدويل إدارة غزة من منظور إنساني بحت بعيداً عن الحقوق الوطنية.

إن تحويل الصراع إلى مجرد أزمة إنسانية يهدف لنزع القرار السياسي من أصحابه الفلسطينيين وتقديم الوصاية الخارجية كحل وحيد ومحتوم. هذا التجاهل المتعمد لحق السكان في إدارة حياتهم ومستقبلهم يتطلب تحركاً وطنياً ودولياً عاجلاً لكسر القيود الإسرائيلية المفروضة على اللجنة الإدارية.

يتطلب تجاوز هذه العقبات فرض رؤية سياسية وطنية بآليات تواصل فعالة مع الوسطاء والدول الراعية للاتفاقيات. يجب على اللجنة التمسك بحقها الأصيل في الوصول إلى قطاع غزة وممارسة مهامها من داخل الأراضي الفلسطينية، مع تحويل قضية منعها إلى ملف قانوني في المحافل الدولية.

يعتبر منع وصول اللجنة خرقاً صريحاً لاتفاقيات جنيف التي تضمن حرية العمل الإنساني والإداري للسكان تحت الاحتلال. إن الصمت على هذه التجاوزات يمنح الاحتلال ضوءاً أخضر للاستمرار في سياسة التجهيل الإداري وتدمير البنى التحتية للمجتمع الفلسطيني في غزة.

لا تقع المسؤولية على عاتق الاحتلال وحده، بل يتطلب النجاح في تمكين اللجنة موقفاً وطنياً موحداً يبتعد عن ازدواجية الخطاب أو التنازع على الشرعيات. الغطاء الشعبي الواضح يعد ركيزة أساسية لتحويل وصول اللجنة إلى مطلب مجتمعي ملح لا يمكن لأي طرف تجاوزه أو الالتفاف عليه.

يبرز هنا الدور العربي الفاعل، وتحديداً دور جمهورية مصر العربية، في الضغط على الاحتلال لإلزامه بتسهيل دخول اللجنة وفتح المعابر بشكل دائم. التنسيق العربي يجب أن يصب في اتجاه تمكين الإدارة الفلسطينية من الإشراف الكامل على ملف الإغاثة بعيداً عن القنوات التي يحاول الاحتلال فرضها.

في الختام، تمثل معركة وصول اللجنة الإدارية فصلاً جديداً من الصراع على هوية الحكم ومستقبل قطاع غزة بعد الحرب. الخيار اليوم يقع بين إدارة فلسطينية منظمة تحفظ كرامة الإنسان وحقوقه، أو فوضى مقصودة تخدم المشاريع السياسية للاحتلال، والرهان يبقى على الإرادة الوطنية الصلبة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا