أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس قراراً رئاسياً يقضي بنشر المسودة الأولى لمشروع الدستور المؤقت لدولة فلسطين، في خطوة تهدف إلى إشراك الجمهور في صياغة الوثيقة القانونية العليا. وأوضحت مصادر رسمية أن القرار يدعو المواطنين ومؤسسات المجتمع المدني والقوى السياسية والأكاديميين لتقديم ملاحظاتهم ومقترحاتهم عبر منصة إلكترونية مخصصة لهذا الغرض.
وحدد القرار الرئاسي فترة زمنية تمتد لستين يوماً من تاريخ النشر لاستقبال الملاحظات، حيث ستتولى لجنة التنسيق والصياغة المنبثقة عن لجنة إعداد الدستور مهمة تسلم هذه المقترحات وتنظيمها. وستقوم اللجنة بتصنيف الملاحظات إلى جوانب جوهرية تتعلق بالمبادئ الدستورية وأخرى فنية مرتبطة بالصياغة، تمهيداً لإجراء التعديلات اللازمة بما يحقق التوافق الوطني.
وتؤكد ديباجة الدستور أن هذه الوثيقة تمثل امتداداً لمسيرة التحرر الوطني وجسراً للانتقال من مرحلة السلطة المؤقتة إلى الدولة الديمقراطية المستقلة. كما تشدد المسودة على التزام الدولة بقرارات الشرعية الدولية ومبادئ حقوق الإنسان، معتبرة أن الشعب الفلسطيني هو مصدر السلطات والشرعية في كافة أماكن تواجده.
وفيما يتعلق بهوية الدولة، تنص المادة الثالثة على أن القدس هي عاصمة دولة فلسطين ومركزها السياسي والروحي والثقافي، مع بطلان أي تغييرات يجريها الاحتلال على طابعها التاريخي. كما حددت المسودة الإسلام ديناً رسمياً للدولة، معتبرة مبادئ الشريعة الإسلامية مصدراً رئيسياً للتشريع، مع كفالة الاحترام الكامل للمسيحية وسائر الأديان.
ويتبنى مشروع الدستور نظام الحكم الجمهوري الديمقراطي النيابي، الذي يقوم على أساس الفصل بين السلطات والتداول السلمي للسلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة. وتشترط المادة 74 انتخاب رئيس الدولة لمدة خمس سنوات ميلادية، مع وضع قيد صارم يمنع تولي الرئاسة لأكثر من دورتين كاملتين سواء كانت متصلة أو منفصلة.
وتطرقت المسودة إلى مكانة منظمة التحرير الفلسطينية، حيث أكدت المادة 11 أن قيام الدولة لا ينتقص من مكانة المنظمة بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. وشددت الأحكام على أن المنظمة تظل المرجعية التمثيلية للفلسطينيين في الوطن والشتات إلى حين إنجاز الاستقلال الوطني الكامل وممارسة حق العودة.
وفي الجانب الاقتصادي، نصت المسودة على أن النظام الاقتصادي يقوم على مبادئ الاقتصاد المختلط والعدالة الاجتماعية، مع ضمان تكافؤ الفرص ومنع الاحتكار. كما اعتبرت الموارد الطبيعية ملكاً للشعب الفلسطيني، ملزمة الدولة بالحفاظ عليها وإدارتها بشفافية لضمان حقوق الأجيال القادمة وتحقيق التنمية المستدامة.
وبالنسبة للسلطة التشريعية، يمثل مجلس النواب السلطة المختصة بالتشريع والرقابة على أعمال الحكومة، وينتخب أعضاؤه لمدة خمس سنوات بالاقتراع العام السري. ويمنح الدستور المجلس صلاحيات واسعة تشمل إقرار الموازنة العامة وحجب الثقة عن الحكومة أو الوزراء، مع كفالة مكانة خاصة للمعارضة البرلمانية لممارسة دورها الرقابي.
أما السلطة القضائية، فقد وصفتها المسودة بأنها مستقلة وصاحبة الاختصاص الأصيل في الفصل في المنازعات والجرائم، مع حظر تحصين أي قرار إداري من رقابة القضاء. وينظم الدستور عمل مجلس القضاء الأعلى والمحاكم بمختلف درجاتها، بما في ذلك المحكمة الدستورية التي تتولى الرقابة على دستورية القوانين وتفسير النصوص الدستورية.
وفيما يخص قوى الأمن، أكدت المادة 153 أنها قوى نظامية تخضع للسلطة المدنية والرقابة الديمقراطية، وتنحصر وظيفتها في الدفاع عن الوطن وحماية المجتمع. ويحظر الدستور على أفراد الأجهزة الأمنية الانتماء لأي تنظيم سياسي أو ممارسة نشاط حزبي، كما يمنع إنشاء أي تشكيلات عسكرية خارج إطار قوى الأمن الرسمية.
وتناولت الأحكام الانتقالية استمرار العمل بالتشريعات الحالية بما لا يتعارض مع الدستور الجديد، إلى حين تعديلها أو إلغائها من قبل البرلمان المنتخب. كما نصت على بقاء رئيس الدولة الحالي في ممارسة مهامه حتى أداء الرئيس المنتخب لليمين القانونية، مع إلغاء القانون الأساسي لسنة 2003 فور سريان الدستور الجديد.
وتأتي هذه الخطوة القانونية في ظل ضغوط دولية وإقليمية لإجراء إصلاحات مؤسسية شاملة في بنية السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير. وتتزامن مع تزايد الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، حيث وصل عدد الدول المعترفة بها إلى 159 دولة، مما يعزز المسعى الفلسطيني لتثبيت الشخصية القانونية للدولة في المحافل الدولية.
ومن المقرر أن ترفع لجنة التنسيق والصياغة تقريراً مفصلاً بنتائج دراسة الملاحظات الشعبية إلى الرئيس عباس لمناقشته واعتماده قبل صياغة النسخة النهائية. وسيتم عرض الوثيقة الدستورية النهائية على استفتاء شعبي عام بقرار من رئيس الدولة، ليدخل الدستور حيز التنفيذ فور إعلان موافقة الشعب عليه ونشره في الجريدة الرسمية.
المصدر:
القدس