آخر الأخبار

إسرائيل تسحب صلاحيات البلديات الفلسطينية في محاولة لفرض الهو

شارك


د. خليل تفكجي: هدم منازل في مناطق "أ" لذرائع مختلفة يشير إلى غياب أي سيادة فعلية للسلطة الفلسطينية حتى في المناطق الخاضعة لإدارتها

صلاح الخواجا: من أخطر الخطوات المطروحة التعامل مع آلاف المواقع الأثرية في الضفة باعتبارها مواقع توراتية وما يرافقها من مشاريع تهويد

د. حسن بريجية: إسرائيل تسعى للتخلص من اتفاقية أوسلو ولصعوبة ذلك تتجه إلى فرض وقائع ميدانية عبر التوسع الاستيطاني والضم التدريجي

عبد الهادي حنتش: سحب صلاحيات الخدمات من بلدية الخليل ووضعها تحت سيادة بلدية "كريات أربع" جاء لمنع أي إدارة فلسطينية في مناطق H2

د. عبد الناصر مكي: فتح ملفات سجلات الأراضي خطير ويتيح الشراء المباشر للعقارات من الفلسطينيين ويفتح المجال لتوسيع النفوذ الاستيطاني

سهيل خليلية: السماح للمستوطنين بالتملك في الضفة يمهد لعمليات تزوير واسعة تزامناً مع طلب إثباتات ملكية للفلسطينيين بشروط تعجيزية

رام الله - خاص بـ"القدس"-

تتزايد المخاوف من انعكاسات القرارات الإسرائيلية الأخيرة المتعلقة بسحب صلاحيات بلديتي الخليل وبيت لحم والتوسع في التدخل داخل المناطق المصنفة "أ" وتسجيل ملكيات الأراضي للمستوطنين بشكل فردي، باعتبارها مؤشراً على مرحلة جديدة من إعادة ترتيب السيطرة في الضفة الغربية وضمها تدريجياً.

وتشمل هذه الإجراءات نقل مسؤوليات إدارية ودينية عن مواقع حساسة مثل الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة من مدينة الخليل وكذلك مسجد بلال بن رباح "قبة راحيل" في بيت لحم، ما يُنظر إليه كخطوة تسهم في تقليص دور المؤسسات الفلسطينية في إدارة شؤون تلك المناطق، بحسب خبراء ومختصون ومسؤولون في شؤون الاستيطان في أحاديث منفصلة مع"القدس".

ويرى الخبراء والمختصون والمسؤولون أن هذه التطورات تُظهر اتجاهاً نحو إخضاع مناطق ومواقع دينية وأثرية لإشراف مباشر من الإدارة المدنية الإسرائيلية، بالتوازي مع طرح خطط توسع استيطاني، كما تثير مسألة هدم المباني وفتح سجلات الأراضي مخاوف من تغييرات قانونية قد تؤثر في ملكية الأراضي وتضعف حضور السلطة الفلسطينية حتى في المناطق الخاضعة لإدارتها.

ويشيرون إلى أن هذه السياسات تندرج ضمن مسار أوسع لفرض وقائع ميدانية جديدة تمهّد لضم تدريجي، مستفيدة من سياق سياسي إقليمي ودولي معقد.







تقويض أوسلو وانتزاع الصلاحيات الفلسطينية


يرى الخبير في شؤون الاستيطان د. خليل تفكجي أن الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة المتعلقة بسحب الصلاحيات من البلديات والتدخل في المناطق المصنفة "أ" وفق اتفاقية أوسلو تمثل مرحلة متقدمة في تقويض الاتفاقية، وتشكّل "المسمار الأخير في نعش أوسلو"، عبر تقليص صلاحيات المؤسسات الفلسطينية وإعادة فرض السيطرة الإسرائيلية التدريجية على هذه المناطق.

ويوضح تفكجي أن سحب الصلاحيات من بلدية الخليل، بما يشمل الحرم الإبراهيمي، يعني عملياً انتزاع صلاحيات من الحكومة الفلسطينية ممثلة بوزارة الأوقاف، ونقلها إلى الجهات الإسرائيلية.

ويشير تفكجي إلى أن مناطق التخطيط الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، مثل منطقة الحرم الإبراهيمي ومحطة الحافلات وتل الرميدة، ستخضع لخطط توسع استيطاني بإشراف الإدارة المدنية الإسرائيلية، من دون أي دور للسلطة الفلسطينية أو لبلدية الخليل في إدارة هذه المناطق.


نحو قوننة الضم التدريجي


ويؤكد تفكجي أن القرارات الإسرائيلية الأخيرة تعكس توجهاً نحو قوننة وشرعنة عملية الضم التدريجي، لافتاً إلى أن إقرار القوانين في الكنيست بالقراءة الأولى والأخيرة يمنحها صفة الإلزام ويصعّب التراجع عنها.

ويرى تفكجي أن هذه الخطوات، بما فيها الحديث عن هدم منازل في مناطق "أ" تحت ذرائع تخطيطية أو بيئية أو أثرية، تشير إلى غياب أي سيادة فعلية للسلطة الفلسطينية حتى في المناطق المصنفة خاضعة لإدارتها.

ويتطرق تفكجي إلى قرار توسيع حدود موقع مسجد بلال بن رباح "قبة راحيل" قبل أسابيع، معتبراً أنه يمثل مثالاً إضافياً على التغلغل داخل مناطق "أ" وفرض سيطرة كاملة على مواقع دينية، مثل مسجد بلال بن رباح، وسحب صلاحيات من المؤسسات الفلسطينية.


توظيف للدين لتحقيق أهداف سياسية


ويعتبر تفكجي أن استخدام المواقع الدينية، بدءاً من الحرم الإبراهيمي وصولاً إلى مسجد بلال بن رباح، يعكس توظيفاً للدين لتحقيق أهداف سياسية في إطار استراتيجية أوسع لإعادة بسط السيطرة الإسرائيلية تدريجياً.

ويشير تفكجي إلى أن ملف الآثار يشكل محوراً آخر في هذه السياسة، مستشهداً بوضع مناطق أثرية مثل سبسطية وهيروديون تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، بما يشمل نحو 1800 دونم في سبسطية ونحو 70 دونماً في تقوع.

ويوضح تفكجي أن الأمر يمتد إلى المحميات الطبيعية ومواقع أخرى، حيث تُستخدم اعتبارات بيئية ودينية وتاريخية كذرائع لإعادة وضع اليد على مناطق كانت خاضعة للسيطرة الفلسطينية بموجب أوسلو، بما فيها مواقع مثل النبي موسى التي باتت تحت سيطرة إسرائيلية كاملة.


استراتيجية فرض الاحتلال على مناطق "أ"


ويرى تفكجي أن مجمل هذه الإجراءات تشير إلى وجود استراتيجية واضحة لإعادة فرض الاحتلال على مناطق "أ" بشكل تدريجي ومنهجي، معتبراً أن التوقيت، في ظل التحركات السياسية الإسرائيلية الأخيرة وزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى واشنطن، يوحي بوجود توافق أو دعم أمريكي لهذه السياسات في الضفة الغربية.


تغييرات جوهرية في مكانة وهوية الأراضي الفلسطينية


يؤكد مدير مكتب الوسط في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان والخبير في شؤون الاستيطان صلاح الخواجا أن القرارات والتشريعات الأخيرة الصادرة عن المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر "الكابينت" تعكس إصرار حكومة بنيامين نتنياهو ووزرائها على إحداث تغييرات جوهرية في مكانة وهوية الأراضي الفلسطينية، في سياق مشروع طويل الأمد لفرض وقائع سياسية وجغرافية جديدة تقوّض إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.


مسار تاريخي من التوسع الإسرائيلي


ويوضح الخواجا أن ما يجري حالياً يأتي امتداداً لمسار تاريخي من التوسع الإسرائيلي، مشيراً إلى أن المجتمع الدولي لم يتخذ، منذ عام 1948، مواقف حازمة لوقف سلسلة من المجازر وعمليات التهجير التي طالت مئات القرى والبلدات الفلسطينية، ولاحقاً التوسع الذي رسخ سيطرة إسرائيل على معظم أراضي فلسطين التاريخية.

ويشير الخواجا إلى أن الأراضي المحتلة بعد عام 1967 ومنذ أسابيع الاحتلال الأولى، تبعه تهجيراً قسرياً لحي المغاربة في القدس، ثم تسارعت عمليات تهويد المقدسات، بما فيها الاعتداءات المتكررة على المسجد الأقصى، من دون ردع دولي فعّال.

ويشير الخواجا إلى أن ضم القدس شكّل واحدة من أخطر خطوات الضم المبكرة، تلاه تبني مشاريع هدفت إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية عبر تقسيم الأراضي المحتلة إلى كانتونات منفصلة، تشمل عزل قطاع غزة والقدس والأغوار، وتحويل ما تبقى من الضفة الغربية إلى مناطق مجزأة، في إطار سعي لإضعاف أي مقومات لدولة فلسطينية متصلة جغرافياً.

ويرى الخواجا أن تجربة اتفاقية أوسلو كانت محاولة فلسطينية لإيجاد مسار نحو الدولة، إلا أن السياسات الإسرائيلية اللاحقة أظهرت غياب شريك إسرائيلي حقيقي للسلام، واستمرار تحدي الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة للمنظومة الدولية والاكتفاء العالمي بمواقف التنديد والإدانة.


المساس باتفاق الخليل


ويتوقف الخواجا عند القرارات الأخيرة المتعلقة بالسيطرة وسحب صلاحيات بلديتي الخليل وبيت لحم، معتبراً أنها من أخطر ما صدر عن "الكابينت" خاصة في الخليل.

ويؤكد الخواجا أنها تمس الترتيبات التي نص عليها اتفاق الخليل وتقسيم المدينة إلى منطقتي H1 وH2.

ويشير الخواجا إلى أن المنطقة المصنفة H1، التي تشكل نحو 75% من البلدة القديمة في مدينة الخليل، شهدت منذ سنوات عمليات إغلاق وحصار وتهويد تدريجي، شملت الاستيلاء على منازل وإغلاق نحو 1200 محل تجاري منذ عام 2002، إضافة إلى فرض تقسيم زماني ومكاني في الحرم الإبراهيمي والسيطرة على معظم مساحته.


تطوير الرواية الإسرائيلية بشأن الضفة


ويرى الخواجا أن الطروحات الجديدة تتضمن تطوير الرواية الإسرائيلية بشأن الضفة من الاحتلال العسكري إلى"أراضٍ متنازع عليها"، إلى اعتبار الضفة مناطق "يهودا والسامرة"، بالتوازي مع برامج تربوية استيطانية في عدد من المستوطنات لتعزيز خطاب أكثر تطرفاً، في ظل نشاط عشرات المجموعات الاستيطانية التي تنفذ اعتداءات متكررة ضد الفلسطينيين.

ويشير الخواجا إلى أن من أخطر الخطوات المطروحة أيضاً التعامل مع آلاف المواقع الأثرية في الضفة الغربية باعتبارها مواقع توراتية، وما يرافق ذلك من مشاريع تهويد، إضافة إلى شق طرق جديدة إلى مواقع دينية، مثل قبر يوسف، من دون تنسيق مع الجانب الفلسطيني.

ويعتبر الخواجا أن الحديث عن إمكانية تنفيذ عمليات هدم في مناطق مصنفة (أ) و(ب) بحجة التغييرات التخطيطية أو الأثرية يمثل تجاوزاً مباشراً للاتفاقيات القائمة ومحاولة لفرض سيطرة أوسع حتى في المناطق الخاضعة إدارياً للسلطة الفلسطينية.


تداعيات رفع السرية عن ملكيات الأراضي


ويحذر الخواجا من تداعيات رفع السرية عن ملكيات الأراضي في هذه المناطق، معتبراً أنها قد تفتح الباب أمام صفقات استيلاء مزورة، في ظل تقديرات تشير إلى أن نسبة كبيرة من صفقات الأراضي في الضفة يشوبها التزوير. ورغم ذلك، يلفت الخواجا إلى وجود تحولات دولية متزايدة في الاعتراف بالحقوق الفلسطينية، مدفوعة بحراك شعبي عالمي وبعض المواقف الحكومية، خاصة في أوروبا وأمريكا اللاتينية.

ويدعو الخواجا إلى تعزيز الوحدة الداخلية وتبني استراتيجيات مواجهة عملية، مستشهداً بتجربة الانتفاضة الأولى كنموذج للعمل الشعبي المنظم، بما في ذلك أدوات مثل العصيان المدني، والاستفادة من حركة التضامن الدولية وحملات المقاطعة للضغط على المؤسسات الدولية، ولا سيما محكمة الجنايات الدولية، لفتح ملفات تتعلق بالاستيطان واعتبارها جرائم حرب، إضافة إلى منظومة واسعة من الانتهاكات المرتبطة بالحواجز والبنية الاستيطانية.


تكريس لسياسات الضم الزاحف


يؤكد الباحث في شؤون الاستيطان د. حسن بريجية أن إجراءات نزع الصلاحيات من بلديتي الخليل وبيت لحم والتوسع نحو مناطق مصنفة "أ"، وما يرافقها من شرعنة السيطرة على الأراضي والمنازل وتنفيذ عمليات هدم داخل تلك المناطق، تمثل تكريساً لسياسات الضم الزاحف، وتشكل خرقاً واضحاً لقواعد القانون الدولي الناظمة لعلاقة قوة الاحتلال بالشعب الواقع تحت الاحتلال.

ويوضح بريجية أن الاحتلال، بوصفه قوة احتلال، لا يملك حق التملك أو الاستملاك وفق اتفاقية جنيف الرابعة واتفاقية روما ولائحة لاهاي لعام 1908، معتبراً أن قرارات المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر "الكابينت" المتعلقة بالاستملاك ونزع الصلاحيات تثبت أن الحكومة الإسرائيلية تقود بشكل مباشر سياسات ممنهجة تشمل الإبادة الجماعية في غزة والتهجير القسري في الضفة الغربية.

ويوضح بريجية أن هذه الإجراءات تأتي ضمن استراتيجية مخططة، تسعى من خلالها الحكومة الإسرائيلية إلى إحداث تغييرات ميدانية واسعة تعكس توجهاً نحو إنهاء الإطار السياسي القائم منذ عقود.


التخلص العملي من اتفاقية أوسلو


ويشير بريجية إلى أن إسرائيل تسعى عملياً إلى التخلص من اتفاقية أوسلو، لكنها تواجه صعوبة قانونية في إلغائها رسمياً، لذلك تتجه إلى فرض وقائع ميدانية عبر التوسع الاستيطاني والضم التدريجي.

ويرى بريجية أن هذه المرحلة تمثل، من منظور الحكومة الإسرائيلية، "فترة ذهبية", للاستفادة من الدعم الأمريكي، الشريك في سياسات التهجير القسري، إضافة إلى الحياد الأوروبي والضعف العربي والانقسام الفلسطيني، وهي عوامل مجتمعة تشجع على تسريع هذه السياسات.

ويحذر بريجية من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى انفجار واسع ستكون تداعياته كارثية على الفلسطينيين، معتبراً أن الحكومة الإسرائيلية تدفع باتجاه توسيع نطاق العنف في الضفة الغربية على نحو أكثر دموية.

ويوضح بريجية أن الفلسطينيين ظلوا شعباً تحت الاحتلال حتى في ظل اتفاقية أوسلو، التي نظمت العلاقة الفلسطينية الإسرائيلية، مشيراً إلى أن استفادة الفلسطينيين منها كانت محدودة مقارنة بما حققته إسرائيل، التي باتت ترى فيها حالياً عائقاً أمام مشاريعها الاستيطانية والاستعمارية، رغم صعوبة إلغائها قانونياً بعد ما نتج عنها من ترتيبات إقليمية.


مأسسة السياسات الإسرائيلية


وفي ما يتعلق بمناطق الآثار والأوقاف، بما فيها الحرم الإبراهيمي، يشدد بريجية على أنها تعد منشآت وأعياناً محمية بموجب القانون الدولي، وأن واجب قوة الاحتلال يقتضي الحفاظ عليها لا مصادرتها أو استغلالها سياحياً.

ويعتبر بريجية أن الإعلانات الصادرة عن وزراء في الحكومة الإسرائيلية بشأن إنهاء الصلاحيات للبلديات وإلغاء قوانين معمول بها، تعكس طبيعة حكومة يمينية متطرفة تعمل على مأسسة هذه السياسات وتحويلها إلى نهج منظم.


تمكين المستوطنين من السيطرة على مواقع إستراتيجية


يؤكد الخبير المختص في شؤون الأراضي والاستيطان عبد الهادي حنتش أن القرارات الأخيرة الصادرة عن الكابينت الإسرائيلي بشأن سحب أو تقييد صلاحيات بلديتي الخليل وبيت لحم تشكل جزءًا من مشروع أوسع للسيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، وتهدف إلى تمكين المستوطنين من السيطرة الكاملة على مواقع استراتيجية ودينية، بما في ذلك الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال بن رباح الذي تسميه إسرائيل "قبة راحيل".

ويوضح حنتش أن الاحتلال الإسرائيلي منذ عدة سنوات أدرج نحو 400 هدف على ما أسماه "التراث اليهودي"، وبدأت عمليات السيطرة على الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال بشكل تدريجي، حيث تم رفع العلم الإسرائيلي على كلا الموقعين، ما منح الضوء الأخضر للمستوطنين للسيطرة على هذه المناطق وتوسيع نفوذهم في أحياء الفلسطينيين المحيطة بها.


فرض الهيمنة على المناطق الفلسطينية


ويشير حنتش إلى أن الهدف من هذه الإجراءات ليس مجرد السيطرة على المواقع الدينية، بل فرض الهيمنة المدنية والإدارية على المناطق الفلسطينية، وفرض قوانين وسياسات تخدم التوسع الاستيطاني بشكل مباشر.

ويؤكد حنتش أن سحب صلاحيات الخدمات من بلدية الخليل ووضعها تحت سيادة بلدية "كريات أربع" جاء لمنع أي إدارة فلسطينية في مناطق H2، التي تضم البؤر الاستيطانية في قلب المدينة ومستوطنة "خارصينا" المقامة شمال كريات أربع.

ويوضح حنتش أن هذه الخطوة تمثل ضغطًا متعمّدًا على المواطنين الفلسطينيين في البلدة القديمة من مدينة الخليل، من خلال فرض ضرائب وصلاحيات جديدة يصعب استيعابها، قد تدفع بعض السكان لمغادرة منازلهم، ما يعد جزءًا من سياسة تهدف إلى تفريغ المدينة تدريجيًا من سكانها الأصليين.


ضم الضفة الغربية أمراً واقعاً


ويشير حنتش إلى أن الاحتلال الإسرائيلي استغل اتفاقية أوسلو لتوسيع المستوطنات وفرض وقائع على الأرض، مؤكداً أن الضم الفعلي للضفة الغربية أصبح اليوم أمرًا واقعًا، إذ يتم تطبيق القانون المدني الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية، وهو ما ينقل الضفة الغربية من كونها أراضي محتلة وفق القانون الدولي إلى وضع قانوني مشابه للمدن الإسرائيلية مثل تل أبيب، ما يشكل تغييرًا جذريًا في الواقع السياسي والقانوني للمنطقة.

ويبيّن حنتش أن هذه الإجراءات ساهمت في تزايد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين بشكل يومي، تشمل عمليات قتل ونهب واستيلاء على أراضٍ وقطع أشجار وهدم مبانٍ، مع تنفيذ مشاريع استيطانية دون أي حاجة للرجوع إلى بلديات فلسطينية، كما حدث في سوق الحسبة في البلدة القديمة بالخليل، حيث تم تنفيذ مشروع استيطاني كبير بعد أن كانت البلدية تشكل عائقًا قانونيًا أمام التنفيذ.

ويرى حنتش أن اللقاء المرتقب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد لا يغير تلك القرارات على الواقع الفلسطيني، نظرًا للضغوط الإسرائيلية الداخلية والخارجية، مشيرًا إلى أن إسرائيل تمارس ضغوطًا استراتيجية مستغلة قضايا دولية مثل ملف إبستين وغيره لتحقيق أهدافها في الضفة الغربية.


ضرورة تجاوز بيانات الإدانة التقليدية


ويحث حنتش المواطنين الفلسطينيين على الصمود أمام هذه السياسات، مؤكدًا أن الرد الفعلي يجب أن يتجاوز بيانات الإدانة التقليدية، ويشمل تحركًا سياسيًا ودوليًا فعليًا، من خلال الضغط على السلطة الفلسطينية لتعزيز وجودها القانوني والدبلوماسي، وشرح القضية الفلسطينية للأطراف الدولية لمنع الاحتلال من تنفيذ مخططاته التهويدية، والتأكيد على أن ما يجري يمثل تهديدًا وجوديًا للمدن الفلسطينية وسكانها في الخليل وبيت لحم ومختلف مناطق الضفة الغربية.

وبحسب حنتش، فإن المرحلة الحالية تتطلب توحيد الجهود الفلسطينية والدولية لمواجهة السيطرة الإسرائيلية المتزايدة على الضفة، والعمل على حماية الحقوق الفلسطينية ومنع التوسع الاستيطاني الذي أصبح يشكل تهديدًا مباشرًا للوجود الفلسطيني على الأرض.


تعزيز سيطرة المستوطنين في الخليل


يحذّر الباحث في شؤون الاستيطان والأغوار د. عبد الناصر مكي من خطورة القرارات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية بشأن تحويل أجزاء من الضفة الغربية إلى مناطق خاضعة للإدارة المدنية الإسرائيلية، ولا سيما ما يتعلق بنقل صلاحيات بلدية الخليل وكذلك إدارة الحرم الإبراهيمي في الخليل وتحويل مسؤوليتها إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، إضافة إلى تكثيف البوابات والحواجز والإجراءات التهويدية في البلدة القديمة من الخليل.

ويعتبر مكي أن هذه الخطوات تهدف إلى تعزيز سيطرة المستوطنين في الخليل، وتشكل ضربة مباشرة لمفهوم السلام ولأسس اتفاقية أوسلو، وصولاً إلى إضعاف السلطة الوطنية الفلسطينية.

ويوضح مكي أن هذه القرارات تتعارض مع ترتيبات اتفاق الخليل عام 1997، الذي منح بلدية الخليل مسؤوليات مرتبطة بالحرم الإبراهيمي ومحيطه، مشيراً إلى أن سحب هذه الصلاحيات سيؤدي إلى تغيير شامل في واقع المنطقة، ويمنح المستوطنين حرية حركة وسيطرة أوسع دون تدخل أي جهة أخرى، ما يكرّس واقعاً تتحكم فيه سلطة المستوطنين.


فتح سجلات الأراضي لتوسيع النفوذ الاستيطاني


ويؤكد مكي أن فتح ملفات سجلات الأراضي في الضفة الغربية أمام الإسرائيليين يمثل تطوراً خطيراً، لأنه يتيح عمليات شراء مباشرة للأراضي والعقارات من الفلسطينيين، ويفتح المجال لتوسيع النفوذ الاستيطاني على حساب صلاحيات السلطة.

ويرى مكي أن المصادقة النهائية على هذه الإجراءات تعني عملياً إنهاء مرحلة أوسلو والدفع نحو واقع الكانتونات الفلسطينية، بما يشير إلى بدء تنفيذ مشروع الضم.

ويلفت مكي إلى أن الحكومة الإسرائيلية تمضي في هذه السياسات رغم تحذيرات أمريكية سابقة بشأن الضم، معتبراً أن هناك تقاسماً للأدوار داخل الحكومة الإسرائيلية في توقيت تنفيذ هذه القرارات قبيل زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة.


الضم لإبقاء السلطة الفلسطينية ضعيفة


ويبيّن مكي أن إسرائيل تسعى إلى ضم الضفة الغربية تدريجياً مع الإبقاء على سلطة فلسطينية ضعيفة تؤدي وظائف إدارية محدودة، مشيراً إلى أن نفوذ الإدارة المدنية الإسرائيلية بات يمتد فعلياً من مناطق (ج) و(ب) ويطال جوانب من مناطق (أ)، بما في ذلك قضايا المياه والآثار وهدم المباني، ما يعني توسع السيطرة الإسرائيلية خارج التصنيفات التقليدية للمناطق.

ويدعو مكي إلى انتقال الموقفين الفلسطيني والعربي من مرحلة التنديد إلى تحرك عملي، عبر عقد اجتماع عربي طارئ لمواجهة هذه السياسات، إلى جانب ضرورة صدور موقف أمريكي واضح يمنع المضي فيها لما لها من تداعيات على الاستقرار الإقليمي.

فلسطينياً، يشدد مكي على أهمية عقد اجتماع شامل للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بمشاركة جميع الفصائل بما فيها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، بهدف توحيد الصف في مواجهة تحديات تهدد مستقبل الأرض والدولة الفلسطينية.


فتح الباب أمام عمليات تزوير واسعة


يحذّر الباحث في شؤون الاستيطان سهيل خليلية من أن القرارات الإسرائيلية الأخيرة بسحب صلاحيات بلديتي الخليل وبيت لحم، وفتح المجال أمام المستوطنين لتملك الأراضي في الضفة الغربية، تمثل تحولاً خطيراً يهدف إلى تكريس السيطرة الاستيطانية على مساحات واسعة، خصوصاً في المناطق المصنفة (ج)، مع تداعيات مباشرة على الواقعين القانوني والجغرافي في الأراضي الفلسطينية.

ويوضح خليلية أن القرار المتعلق بالسماح للمستوطنين الأفراد بشراء الأراضي بشكل مباشر في مختلف مناطق الضفة، بما فيها المناطق المصنفة وفق اتفاقية أوسلو (أ) و(ب) و(ج)، يستهدف عملياً المناطق (ج) على وجه الخصوص، نظراً لاتساع مساحتها وأهميتها الاستراتيجية.

ويبيّن خليلية أن خطورة هذه الخطوة تكمن في فتح الباب أمام عمليات تزوير واسعة، بالتزامن مع خطط إسرائيلية لتسجيل الأراضي في تلك المناطق، حيث يُطلب من أصحاب الأراضي تقديم إثباتات ملكية بشروط وصفها بالتعجيزية بالنسبة للفلسطينيين.

ويشير خليلية إلى أن إسرائيل أوقفت منذ عام 1967 معظم عمليات تسجيل ونقل الملكيات خارج حدود البلديات، ما أبقى مساحات شاسعة مسجلة بأسماء مالكين منذ الحقبة الأردنية، توفي كثير منهم منذ عقود، ونتيجة لذلك، تضاعف عدد الورثة في كثير من الحالات إلى عشرات أو مئات الأشخاص، الأمر الذي يسهّل تمرير صفقات مشبوهة.

ويؤكد خليلية أن عجز المالكين عن تقديم الوثائق المطلوبة يفتح المجال لتصنيف هذه الأراضي كـ"أملاك دولة"، ما يمنح الجهات الإسرائيلية المختصة صلاحية التصرف بها وتحويلها لصالح المستوطنات أو المستوطنين، مع إصدار سندات ملكية رسمية لهم على حساب الفلسطينيين، لافتاً إلى أن هذه الإجراءات تدلل أنها مخطط لها منذ احتلال الضفة الغربية.


نحو إعادة رسم خريطة الضفة الغربية


وفي ما يتعلق بسحب الصلاحيات من بلدية الخليل، يوضح خليلية أن الهدف يتمثل في تفريغ اتفاق الخليل من مضمونه، عبر نقل صلاحيات البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، تمهيداً لمنح منطقة (H2) وضعاً إدارياً مستقلاً كمجلس مستوطنات يملك صلاحيات التخطيط والبناء.

ويلفت خليلية إلى أن ذلك يعني تمكين نحو 800 مستوطن من السيطرة على المنطقة المحاطة بأكثر من 120 حاجزاً، بعد سنوات من إضعاف النشاط الاقتصادي وتهجير عائلات فلسطينية وتوسيع نفوذ المستوطنين.

ويشير خليلية إلى أن السيناريو ذاته ينطبق على منطقة مسجد بلال بن رباح "قبة راحيل" في بيت لحم، حيث يُتوقع منحها إدارة استيطانية ذاتية تمهيداً لضمها إلى مخطط "القدس الكبرى" وإلحاقها ببلدية القدس الإسرائيلية.

ويعتبر خليلية أن هذه الإجراءات تتجاوز كونها قرارات إدارية منفصلة، وتشكل جزءاً من مشروع سياسي شامل لإعادة رسم الخريطة في الضفة الغربية.

ويشدد خليلية على أن مواجهة هذه التطورات تتطلب معالجة سياسية شاملة بتدخل دولي لأنها قضية سياسية، معتبراً أن الأدوات القانونية والقرارات الدولية بات تأثيرها محدوداً في ظل السياسات الإسرائيلية الراهنة.

ويدعو خليلية إلى إطلاق تحرك سياسي جدي يقود إلى مؤتمر دولي يعيد طرح القضايا العالقة ضمن إطار اتفاق واضح وواقعي، مؤكداً أن التعامل مع كل ملف على حدة لم يعد مجدياً في مواجهة مشروع واسع يستهدف مستقبل الأراضي الفلسطينية.

القدس المصدر: القدس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا