شهدت السياسة الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية تحولاً جذرياً عقب مصادقة الحكومة على نقل صلاحيات واسعة كانت تاريخياً حكراً على جيش الاحتلال إلى وزارات مدنية يقودها وزراء من تيار المستوطنين. هذا الإجراء لا يمثل مجرد زيادة في النشاط الاستيطاني، بل يهدف إلى مأسسة 'الضم الإداري' عبر دمج إدارة الضفة في الهيكل المدني لدولة الاحتلال.
وتسعى سلطات الاحتلال من خلال هذا الانقلاب الإداري إلى تقليل الانخراط العسكري المباشر في حياة السكان، في محاولة للالتفاف على الضغوط الدولية والملاحقات القانونية في المحاكم الدولية. وتراهن إسرائيل على تقديم الواقع الجديد كنزاع تنظيمي أو إداري بدلاً من كونه احتلالاً عسكرياً مباشراً يخضع للقانون الدولي.
وتتضمن القرارات الجديدة تمكين المجالس الاستيطانية من الحصول على تمويل ضخم ومباشر من ميزانيات الوزارات الإسرائيلية، مثل وزارات المواصلات والإسكان والمالية. هذا التدفق المالي يهدف إلى تطوير البنية التحتية للمستوطنات دون الحاجة للمرور عبر القنوات العسكرية المعقدة التي كانت متبعة سابقاً.
وتهدف هذه الاستراتيجية الاقتصادية إلى خفض تكلفة المعيشة في المستوطنات وجعل السكن في الضفة الغربية خياراً جذاباً للإسرائيليين عبر الدعم الحكومي الهائل. وتسعى إسرائيل بذلك إلى تحقيق 'تطبيع اقتصادي' يجعل من الاستيطان مشروعاً استثمارياً مربحاً ومدعوماً من خزينة الدولة بشكل علني.
وفي خطوة وصفت بأنها الأخطر، ألغت الحكومة الإسرائيلية القيود الإدارية التي كانت تعرقل نقل ملكية الأراضي للمستوطنين، محولة الضفة إلى ما يشبه 'سوق عقارات' مفتوح. هذا التغيير يتيح للأفراد والشركات الوسيطة شراء الأراضي مباشرة، مما يحول الأرض من مورد استراتيجي في صراع وطني إلى سلعة تخضع لقوانين العرض والطلب.
وتاريخياً، كانت الأراضي في الضفة تخضع لقوانين أردنية وموافقات عسكرية معقدة تمنع البيع لغير العرب، إلا أن القوانين الجديدة نسفت هذه القواعد. وتأمل إسرائيل من خلال هذه الخطوة فرض واقع ديمغرافي يصعب التراجع عنه، حيث يصبح التوسع الاستيطاني مرتبطاً بملكية خاصة محمية بالقانون المدني الإسرائيلي.
وبموجب هذه القرارات، تم إنشاء نظام قانوني موازٍ يطبق القوانين الإسرائيلية بالكامل داخل المستوطنات، مما يكرس نظام 'الفصل العنصري الإداري'. فبينما يتمتع المستوطن بحقوق المواطنة كاملة ويخضع للمحاكم المدنية، يظل الفلسطيني المجاور له خاضعاً للأحكام العسكرية العرفية وقوانين الهدم الإداري.
هذا الانفصال القانوني يثبت سيادة المستوطن بقوة القانون المدني، في حين يرسخ قمع الفلسطيني عبر القوة العسكرية، مما يوجد نظامين قضائيين مختلفين على ذات الرقعة الجغرافية. وتعتبر هذه الخطوة انتهاكاً صارخاً للمواثيق الدولية التي تمنع تغيير القوانين السائدة في الأراضي المحتلة بما يخدم القوة القائمة بالاحتلال.
ووفر هذا التحول غطاءً قانونياً لما بات يعرف بـ 'الاستيطان الرعوي'، حيث تمنح صلاحيات واسعة للمستوطنين للسيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي. ويتم ذلك تحت ذرائع مختلفة مثل حماية الآثار أو ممارسة الرعي، وهي وسيلة فعالة لمصادرة آلاف الدونمات دون الحاجة لقرارات عسكرية رسمية.
ومن التداعيات الميدانية الخطيرة، قررت الحكومة بدء عمل أجهزة إنفاذ القانون التابعة للإدارة المدنية في المنطقتين (أ) و(ب). هذه المناطق كانت تخضع إدارياً للسلطة الفلسطينية وفق اتفاقية 'أوسلو 2'، مما يعني أن الاحتلال سيبدأ بتنفيذ عمليات هدم ومنع للتنمية الفلسطينية في قلب مراكز المدن والقرى.
ويرى مراقبون أن هذا التمدد الإداري الإسرائيلي يمثل الانهيار الفعلي لاتفاقيات أوسلو على أرض الواقع قبل إعلان انهيارها سياسياً. فالتدخل المباشر في المناطق (أ) و(ب) يسحب ما تبقى من صلاحيات سيادية للسلطة الفلسطينية ويجعلها مجرد هيكل إداري بلا سلطة حقيقية على الأرض.
إن تحويل الضفة إلى سوق عقارات وإلغاء القيود على شراء الأراضي يهدف أيضاً إلى التأثير على سوق العقارات داخل إسرائيل عبر زيادة المعروض من الوحدات الاستيطانية. هذا الربط الاقتصادي يعزز من تبعية الاقتصاد الاستيطاني للمنظومة الإسرائيلية الشاملة ويجعل من فكرة الانفصال مستقبلاً أمراً شبه مستحيل.
وتؤكد هذه الإجراءات أن الحكومة الإسرائيلية الحالية قد انتقلت من مرحلة 'إدارة الصراع' إلى مرحلة 'حسم الصراع' عبر أدوات مدنية وقانونية. فالسيطرة على الأرض لم تعد تتطلب دبابات وجنوداً فقط، بل أصبحت تتم عبر مكاتب التسجيل العقاري والمحاكم المدنية والتمويل الوزاري المباشر.
وفي الختام، تمثل هذه القرارات نقطة تحول استراتيجية تهدف إلى إيجاد وقائع لا رجعة عنها في الضفة الغربية تمهيداً للضم الفعلي. إن هذا الانقلاب الإداري يضع المجتمع الدولي أمام تحدٍ جديد، حيث تسعى إسرائيل لشرعنة احتلالها عبر تحويله إلى نظام إداري وقانوني متكامل يتجاوز كل الاتفاقيات الموقعة.
المصدر:
القدس