متابعة الحدث
لطالما عُرفت الساحة السياسية الأمريكية بصرامتها تجاه الحركات الفلسطينية ، غير أن التحولات الأخيرة في خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب كشفت عن مشهد مغاير تماماً، حيث لم يجد ترامب بداً من الإشادة المتكررة بحركة حماس. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل كان ثمرة لنجاح الحركة في ملف شائك ومعقد تمثل في إعادة جميع المحتجزين الإسرائيليين، سواء من الأحياء أو الأموات، وهو الأمر الذي جعل ترمب يثني على قدرة الحركة في إدارة هذا الملف اللوجستي والأمني فائق الخطورة، وصولاً إلى استعادة جثة آخر محتجز، رغم التعقيدات الهائلة التي أحاطت بعملية العثور على جثمانه وتأمينه.
مفاجأة التقديرات الاستخباراتية وتحدي الميدان
عند النظر في مسار الحرب التي استمرت لعامين، نجد أن تصريحات ترمب عكست حالة من الذهول سادت أروقة الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية على حد سواء. فقد كانت التقديرات الأكثر تفاؤلاً في واشنطن وتل أبيب تشير إلى استحالة الوصول إلى جميع المحتجزين في ظل القصف المكثف والعمليات العسكرية التي لم تبقِ ولم تذر في قطاع غزة. كانت المخاوف تتركز حول فقدان أثر أربع جثث على الأقل، لكن قدرة الحركة على الاحتفاظ بسلامة "الأصول التفاوضية" البشرية وسط الركام، قلبت موازين التوقعات الاستخباراتية التي كانت ترجح ضياع العديد من الجثامين تحت وطأة التدمير الشامل الذي طال كل شبر في القطاع.
كواليس الإدارة الميدانية والتنسيق الفصائلي
تؤكد مصادر مطلعة من داخل الحركة وفصائل فلسطينية أخرى لـ "الحدث" أن الحفاظ على حياة المحتجزين وضمان عدم فقدان جثامين الموتى منهم كان يمثل المهمة الأكثر مشقة في تاريخ العمل الميداني الفلسطيني. فقد صدرت تعليمات صارمة من الصف الأول في القيادتين السياسية والعسكرية بضرورة بذل جهود استثنائية لحماية هذا الملف. ومنذ الأيام الأولى التي تلت هجوم السابع من أكتوبر، شرعت كتائب القسام في بناء شبكة اتصالات معقدة مع فصائل أخرى كانت تحتجز إسرائيليين، لترتيب عمليات الحصر والتوثيق، ونقل بعض المحتجزين إلى مراكز حماية مركزية تحت إشراف القسام وسرايا القدس، لضمان أعلى مستويات التأمين والسرية.
ممرات السرية وعبور الخطوط الإسرائيلية
لم تكن عملية التأمين مجرد احتجاز في مكان ثابت، بل كانت عملية ديناميكية بامتياز؛ إذ تكشف المصادر أن المحتجزين الأحياء كانوا في حالة تنقل دائم بين الأنفاق والشقق السكنية المموجهة وسط الأحياء المكتظة، وتحت حراسة مشددة لا تثير الانتباه. وفي مفارقة درامية، تشير المعلومات إلى أن قوات الجيش الإسرائيلي كانت في بعض اللحظات على بعد أمتار قليلة من أماكن تواجد المحتجزين، لكن وحدات الحماية نجحت في التضليل أو الإخلاء في اللحظات الأخيرة عبر ممرات سرية، بل إن بعض المحتجزين كانوا يقبعون في أنفاق تقع مباشرة أسفل نقاط تمركز القوات الإسرائيلية دون أن يتم اكتشافهم، وهو ما عزز لاحقاً موقف الحركة التفاوضي.
صفقة النهاية وانتصار النفس الطويل
على الرغم من نجاح إسرائيل في استعادة بعض الجثامين خلال عمليات عسكرية محدودة أو عن طريق المصادفة، إلا أن الغالبية العظمى من المحتجزين عادوا عبر قنوات التفاوض والتبادل. لقد أثبتت التجربة الميدانية أن الاعتماد على القوة العسكرية وحدها لم يكن كافياً لحل هذا الملف المعقد، وهو ما تجلى بوضوح بعد اتفاق وقف إطلاق النار الشامل في أكتوبر 2025. إن النجاح في تسليم ران غويلي كآخر حلقة في هذا الملف، أغلق دائرة الشكوك وأجبر المتابعين، بمن فيهم دونالد ترمب، على الاعتراف بقدرة الحركة على إدارة أزمة بهذا الحجم تحت ضغط عسكري غير مسبوق، مما أعاد صياغة قواعد اللعبة السياسية في المنطقة.
المصدر: الحدث/ وكالات
المصدر:
الحدث