يستعد القضاء الجزائري، غداً الاثنين، لفتح واحد من أكثر ملفات التجسس تعقيداً وخطورة في السنوات الأخيرة، والذي يمس بشكل مباشر الأمن الاقتصادي للبلاد. وتجري المحاكمة في محكمة الجنايات الابتدائية بالدار البيضاء، حيث يواجه مسؤولون في فرع شركة فرنسية تهماً ثقيلة تتعلق بجمع وتسليم معلومات سرية لجهات أجنبية.
وتتركز القضية حول نشاط شركة 'أورل أمارونت أنترناسيونال الجزائر'، وهي فرع للمؤسسة الأم الفرنسية 'أمارونت إنترناسيونال SAS'. وحسب التحقيقات، فإن هذه الشركة استغلت ترخيصها للعمل في مجال الحراسة والأمن الخاص لتنفيذ أجندات استخباراتية تتجاوز حدود نشاطها التجاري المعلن.
بدأت خيوط هذه القضية في التكشف منذ مارس 2024، حين باشرت فرقة مكافحة الجرائم الاقتصادية والمالية تحقيقات موسعة حول أنشطة الشركة. وأظهرت النتائج الأولية أن المؤسسة كانت تعمل كواجهة لجمع تقارير استخباراتية مفصلة حول الوضع الأمني والاقتصادي العام في الجزائر، ثم إرسالها بشكل دوري إلى الخارج.
ومن أبرز التهم الموجهة للمتهمين، تسريب خرائط أمنية دقيقة تصنف المناطق الجزائرية من حيث مستويات الأمان. ووفقاً لمصادر قضائية، فإن الهدف من هذه التقارير كان دفع الشركات الأجنبية للعزوف عن الاستثمار في الجزائر عبر تصوير البيئة المحلية كمنطقة غير مستقرة أو خطرة.
ولم تتوقف التجاوزات عند جمع المعلومات، بل امتدت لتشمل خروقات أمنية جسيمة داخل منشآت سيادية وحساسة. فقد كشفت التحقيقات عن استخدام الشركة لأجهزة ومعدات اتصال سرية وغير مرخصة داخل مطاري هواري بومدين الدولي ووهران، مما شكل تهديداً مباشراً لأمن الطيران والمرافق الجوية.
كما تورطت الشركة في تنفيذ مهام غير قانونية لا تدخل ضمن صلاحيات الشركات الأمنية الخاصة في الجزائر، مثل حراسة طائرات فرنسية وفحص أمتعة المسافرين. هذه الأنشطة تمت بعيداً عن أعين الرقابة الرسمية وفي تجاوز صريح للقوانين المنظمة لعمل شركات الأمن والحماية.
وأشارت التقارير إلى أن الشركة كانت تراقب عن كثب نشاطات شركات دولية كبرى تعمل في الجزائر، ومن بينها شركة 'ألستوم' بمستغانم وشركة 'أندرا' الإسبانية، بالإضافة إلى بنك 'نيبتون'. وكان يتم توثيق تحركات هذه المؤسسات وتفاصيل عملياتها في تقارير ترفع مباشرة إلى الإدارة في فرنسا.
التحقيقات القضائية كشفت أيضاً عن جانب من الفساد الإداري والتحايل على القانون، حيث استمرت الشركة في ممارسة نشاطها رغم صدور قرار غلق إداري سابق بحقها. وعمد القائمون عليها إلى تغيير موضوع السجل التجاري بشكل غير قانوني للالتفاف على العقوبات الإدارية المفروضة.
وتعتبر السلطات الجزائرية أن هذا الملف يمثل سابقة في كيفية استغلال الاستثمارات الأجنبية في قطاع الخدمات لغرض التجسس الاقتصادي. ومن المتوقع أن تشهد جلسات المحاكمة الكشف عن المزيد من التفاصيل حول هوية الجهات الأجنبية التي كانت تستقبل هذه المعلومات الحساسة ومدى تأثيرها على الصفقات الدولية.
ويواجه المسؤولون المتورطون في القضية عقوبات جنائية مشددة، بالنظر إلى طبيعة التهم التي تندرج ضمن الجنايات الماسة بأمن الدولة والاقتصاد الوطني. وتأتي هذه المحاكمة في وقت تسعى فيه الجزائر لتعزيز الرقابة على الشركات الأجنبية وضمان شفافية أنشطتها الأمنية والخدماتية.
ويرى مراقبون أن هذه القضية ستعيد فتح النقاش حول معايير منح التراخيص لشركات الأمن الخاصة، خاصة تلك التي تمتلك ارتباطات خارجية. فالقدرة على الوصول إلى المطارات والمصانع الكبرى مكنت هذه الشركة من بناء قاعدة بيانات أمنية لا تتوفر إلا للجهات الرسمية.
إن تسريب التقارير الأمنية المضللة كان يهدف، حسب لائحة الاتهام، إلى ضرب جهود الدولة في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. فمن خلال تصنيف مناطق معينة كـ 'خطيرة' في الخرائط المسربة، كانت الشركة تساهم في رفع تكاليف التأمين والمخاطر على المشاريع الحيوية.
وستركز المحكمة غداً على مواجهة المتهمين بالأدلة التقنية والمعدات المصادرة، بالإضافة إلى المراسلات الإلكترونية التي تم اعتراضها. وتعد هذه الجلسة حاسمة في تحديد حجم الضرر الذي لحق بالخزينة العمومية وبالسمعة الاستثمارية للبلاد نتيجة هذه الأنشطة المشبوهة.
ختاماً، يترقب الشارع الجزائري والأوساط الاقتصادية نتائج هذه المحاكمة التي تضع السيادة الاقتصادية في كفة، والعلاقات مع الشركات الأجنبية في كفة أخرى. وتؤكد هذه القضية على يقظة الأجهزة الأمنية في تتبع الجرائم العابرة للحدود التي تتخذ من الغطاء التجاري وسيلة لها.
المصدر:
القدس