وجد عرب الداخل الفلسطيني أنفسهم في دوامة عنف غير مسبوقة حصدت أكثر من 252 ضحية خلال عام 2025، في ظل معدل جرائم قتل يفوق نظيره في الأوساط اليهودية بـ15 ضعفاً، مما أشعل احتجاجات واسعة تطرح تساؤلات جوهرية حول سبل المواجهة ومسؤولية السلطات الإسرائيلية في هذه الأزمة المتفاقمة. وتكشف الإحصائيات عن تحول درامي في واقع الأمن، حيث انخفض معدل ضحايا جرائم العنف بين العرب إلى 120 لكل مليون العام الماضي، بينما انخفض المعدل بين اليهود إلى 8 فقط لكل مليون، وهو تفاوت يعكس واقعاً أليماً يعيشه أكثر من ثلاثة أرباع السكان العرب الذين يشعرون بالخوف على حياتهم وفق استطلاعات أكاديمية.
وأكد رئيس لجنة المتابعة لفلسطينيي الداخل جمال زحالقة أن هذا الارتفاع المريع ليس عشوائياً، بل يرتبط مباشرة بتولي حكومة بنيامين نتنياهو الحالية وإمساك الوزير إيتمار بن غفير بحقيبة الأمن القومي، حيث قفز عدد الضحايا في العام الأول من ولايته إلى أكثر من الضعف مقارنة بعام 2022 الذي سجل 108 ضحايا فقط. وأشار زحالقة إلى وجود اتفاق غير مكتوب بين عصابات الإجرام والشرطة الإسرائيلية، يقضي بامتناع العصابات عن دخول المدن اليهودية مقابل تقاعس الشرطة عن ملاحقتهم في البلدات العربية.
وتدعم هذه الاتهامات تقارير إسرائيلية رسمية، حيث كشفت مصادر إعلامية أن مسؤولاً في الشرطة أقر بأن معظم المتورطين في الجرائم الخطيرة هم متعاونون مع جهاز الأمن العام (الشاباك) ويتمتعون بالحصانة. كما تشير المؤسسات المدنية إلى أن جيش الاحتلال يشكل مصدر نحو 80% من الأسلحة المستخدمة، في ظل انتشار مئات الآلاف من قطع السلاح غير المرخصة. وأوضح الباحث القانوني رضا جابر أن نسبة نجاح الشرطة في حل جرائم العرب لا تتجاوز 15%، مقابل 60% في جرائم اليهود، حيث لم يفك لغز سوى 38 جريمة من أصل 250 العام الماضي.
ودفعت هذه الأوضاع المأساوية الفلسطينيين إلى تحركات احتجاجية واسعة، تصدرتها مظاهرات حاشدة شارك فيها أكثر من 100 ألف متظاهر وصلت إلى قلب تل أبيب. وانطلقت الشرارة من صرخة صاحب محل تجاري في سخنين رفض دفع الإتاوات للعصابات، ليتحول إضرابه الفردي إلى حراك جماعي. ورغم زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هيرتسوغ الرمزية للمحل، إلا أن السياسات الأمنية لم تشهد تغييراً حقيقياً على الأرض.
وتحمل هذه الجرائم أبعاداً إنسانية يجسدها فقدان عائلات لأبنائها، مثل الشاب نبيل صفية (17 عاماً) الذي قتل في عكا. ويؤكد ذوو الضحايا أن المجتمع العربي الذي يضم نسبة عالية من المتعلمين لا يستحق أن يترك نهباً لعصابات تشكل 2% فقط من السكان. وتدرس لجنة المتابعة حالياً خطوات تصعيدية قد تصل إلى عصيان مدني شامل وإضراب عام يشل حركة الدولة، خاصة أن العرب يشكلون 40% من الطواقم الطبية وقطاعات حيوية أخرى.
من جهتها، انتقلت وسائل إعلام محلية إلى دور محوري في كشف السياسات الممنهجة وراء الجرائم، بينما يبقى الإعلام العبري متحفظاً ومحصوراً في قلق النخب من وصول العنف للمجتمع اليهودي. وشدد خبراء قانونيون على ضرورة الانتقال إلى عقلية التنظيم المجتمعي العميق وتعزيز الهوية الوطنية، محذرين من أرقام أكثر هولاً في المستقبل، خاصة أن الشهر الأول من العام الحالي 2026 سجل بالفعل 35 ضحية.
المصدر:
القدس