آخر الأخبار

إعادة فتح معبر رفح: انفراجة إنسانية مشروطة أم إعادة إنتاج للسيطرة الإسرائيلية؟!

شارك

تحليل إخباري

أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، عبر منسق أعمال الحكومه، التوصل إلى صيغة لإعادة فتح معبر رفح الحدودي اعتبارًا من صباح يوم الاثنين ، في خطوة بدت للوهلة الأولى استجابة لضغوط إنسانية متراكمة، لكنها سرعان ما تكشف، عند التدقيق، عن نمط إسرائيلي مألوف يقوم على منح التسهيلات بيد، وسحب جوهرها باليد الأخرى. فإعادة الفتح المعلنة لا تتجاوز كونها فتحًا جزئيًا ومقيّدًا، يقتصر على حركة الأشخاص فقط، ويخضع لرقابة أمنية إسرائيلية مباشرة، ما يُفرغ الإجراء من مضمونه السيادي والإنساني.

وبحسب الإعلان، فإن عمليات الدخول والخروج ستتم وفق آلية تنسيق دقيقة مع الجانب المصري، مع إسناد مهام الإشراف الميداني إلى طرف أوروبي. غير أن هذا الغلاف "الدولي" لا يغيّر من حقيقة أن القرار النهائي يظل بيد الاحتلال، الذي اشترط موافقة أمنية مسبقة على كل حالة عبور. هكذا، يتحول المعبر من بوابة سيادية فلسطينية–مصرية إلى نقطة فحص أمني متقدمة تخضع للإرادة العسكرية الإسرائيلية، ولو جرى ذلك بوساطة أطراف ثالثة.

وفيما تسمح الترتيبات بعودة فلسطينيين من مصر إلى قطاع غزة، خاصة ممن غادروه خلال الحرب، فإن هذه العودة مشروطة بسلسلة من إجراءات "التدقيق الإسرائيلي" الصارمة. وتُقدَّم هذه الإجراءات، كالعادة، تحت ذريعة "منع التهديدات الأمنية"، وهي ذريعة فضفاضة استخدمها الاحتلال تاريخيًا لتكريس سياسة العقاب الجماعي، وإدامة التحكم بحركة السكان، وتحويل الحق الطبيعي في التنقل إلى امتياز أمني قابل للمنح أو المنع.

تأتي هذه الخطوة في سياق ضغوط دبلوماسية تقودها الإدارة الأميركية، حيث تسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى تسويق ما تسميه "حلولًا لوجستية" تخفف من حدة الكارثة الإنسانية في غزة، دون الاقتراب من جذور الأزمة أو المساس بتفوق الاحتلال الأمني. فالمطلوب أميركيًا ليس إنهاء الحصار، بل إعادة تنظيمه بصورة أقل فجاجة، وأكثر قابلية للتسويق السياسي والإعلامي.

ويرى ترمب أن إخضاع معابر غزة لإشراف دولي، وخصوصًا أوروبي، يندرج ضمن صفقة أوسع تستهدف تقليص نفوذ الفصائل الفلسطينية، وتعزيز منظومة الرقابة على حركة الأفراد، بما يحوّل المعابر إلى أدوات ضبط أمني لا إلى شرايين حياة. وفي هذا الإطار، يُقدَّم التنسيق المصري–الأميركي كعامل حاسم في "انتزاع" القرار، لكنه في جوهره يعكس ضغوطًا مركبة تُمارَس على القاهرة لإدارة الملف بما يراعي أولويات واشنطن وتل أبيب أكثر مما يستجيب للحقوق الفلسطينية.

وفي هذا السياق، لا بد من تسليط الضوء على النقاط الخمس التالية:

1. المراوغة الإسرائيلية بصيغة إنسانية: تعكس إعادة فتح معبر رفح المحدودة نموذجًا إسرائيليًا متكررًا يقوم على الالتفاف على الضغوط الدولية عبر خطوات شكلية. فالاحتلال لا يرفض التسهيلات علنًا، لكنه يعيد تعريفها بطريقة تُبقي السيطرة بيده. استخدام العناوين الإنسانية لإخفاء جوهر أمني–عسكري هو جزء من هذه المراوغة، حيث يُسوَّق الإجراء كاختراق، بينما يُكرَّس عمليًا كأداة جديدة للتحكم بالسكان وحركتهم.

2. هل الإشراف الأوروبي غطاء أم شراكة؟: إقحام طرف أوروبي في الإشراف الميداني لا يعني تدويلًا حقيقيًا للمعبر، بقدر ما يوفر غطاء سياسيًا وأخلاقيًا للترتيبات الإسرائيلية. التجارب السابقة تشير إلى أن هذا الدور غالبًا ما يكون تقنيًا ورقابيًا، بلا قدرة على تحدي القرار الإسرائيلي. وبدل أن يشكل الإشراف الأوروبي ضمانة للفلسطينيين، قد يتحول إلى شريك صامت في إدارة الحصار بصيغة "ناعمة".

3. التدقيق الأمني كسلاح سياسي: ما يُسمى "التدقيق الإسرائيلي" ليس إجراءً أمنيًا محايدًا، بل أداة سياسية بامتياز. فمن خلاله، يحتفظ الاحتلال بحق الفيتو على عودة الأفراد، ويعيد تصنيف الفلسطينيين وفق معايير أمنية غامضة. هذا النهج لا يستهدف الأمن بقدر ما يهدف إلى إعادة هندسة المجتمع الفلسطيني، والتحكم بتركيبته البشرية، ومعاقبة غزة جماعيًا تحت لافتة الوقاية.

4. الدور الأميركي: إدارة الأزمة لا حلّها: المقاربة الأميركية، كما تعكسها ضغوط إدارة ترمب، تنطلق من مبدأ إدارة الأزمة بدل حلّها. المطلوب هو تخفيف حدة الانفجار الإنساني بما يمنع الإحراج السياسي، لا إنهاء الحصار أو معالجة أسبابه البنيوية. بذلك، تتحول "الحلول اللوجستية" إلى مسكنات مؤقتة، تُبقي جوهر السيطرة الإسرائيلية قائمًا، وتؤجل الانفجار بدل معالجته.

5. معبر رفح بين السيادة والوظيفة الأمنية: القضية الجوهرية ليست فتح المعبر أو إغلاقه، بل السؤال: من يملك السيادة عليه؟ الصيغة المطروحة تُفرغ معبر رفح من معناه كمنفذ سيادي، وتحوله إلى وظيفة أمنية ضمن منظومة إقليمية–دولية لإدارة غزة. ما لم يُفك هذا الارتباط، سيبقى كل فتحٍ مؤقتًا، وكل انفراجة مشروطة، وكل أمل قابلًا للانتكاس.

إن إعادة فتح معبر رفح، بصيغته الحالية، ليست كسرًا للحصار بقدر ما هي إعادة تنظيم له. وبين الضغوط الأميركية، والمراوغة الإسرائيلية، والإشراف الدولي المحدود، يبقى الفلسطيني هو الحلقة الأضعف، يُمنَح حقه الطبيعي مشروطًا، ويُطالَب بالشكر على ما يفترض أنه حق لا منة.


القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا أمريكا دونالد ترامب إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا