آخر الأخبار

لاءات نتنياهو... محاولة لتأبيد الاحتلال وإجهاض حلم الدولة

شارك

د. أحمد رفيق عوض: ما يُطرح ليس سياقاً انتخابياً وفي جوهره يعكس قناعة إسرائيلية راسخة برفض الدولة الفلسطينية وترجمة ذلك عملياً

خليل شاهين: التلاقي الاستراتيجي بين نتنياهو وترمب يتمثل بقطع الطريق على تمكين الفلسطينيين من تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة

د. ولاء قديمات: نتنياهو ملتزم سياسياً بعرقلة قيام الدولة الفلسطينية ضمن استراتيجية ثابتة ترى في قيامها تهديداً مباشراً للمشروع الإسرائيلي

محمد الرجوب: لاءات نتنياهو تشكل أداة لتعطيل "الزمن السياسي" بما يسمح لإسرائيل بفرض الوقائع وإبقاء المجتمع الدولي منشغلاً بإدارة الأزمة

د. أمجد بشكار: تصريحات نتنياهو لا يمكن قراءتها كخارطة طريق حتمية بل كورقة ضغط ورسالة ردع موجهة للفلسطينيين في الدرجة الأولى

سليمان بشارات: نتنياهو يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الزعيم الأكثر تمسكاً بما يسمى "يهودية الدولة" ورفض أي تنازل سياسي للفلسطينيين



رام الله - خاص ب"القدس"- تعود "لاءات" رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى الواجهة مجدداً، بوصفها تعبيراً مكثفاً عن موقف إسرائيلي متجذر يرفض بشكل قاطع قيام دولة فلسطينية، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، بالتزامن مع رفعه شعار " إسرائيل من النهر إلى البحر".

ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع"القدس"، أن تصريحات نتنياهو الأخيرة حول رفض الدولة الفلسطينية والتأكيد على احتلال كامل الأراضي الفلسطينية لا تبدو مجرد خطاب سياسي عابر، بل تعكس توجّهاً استراتيجياً راسخاً بات يشكّل أحد أعمدة الإجماع الإسرائيلي، ويتجاوز حدود المناكفات الانتخابية إلى سياسات ممنهجة تُترجم ميدانياً على الأرض.

وتكشف القراءة المتأنية لهذه التصريحات أن "لاءات" نتنياهو لم تعد مقتصرة على تيار إسرائيلي بعينه، بل تحولت إلى قناعة جامعة داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية، تعززت في السنوات الأخيرة، وخصوصاً بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

هذا التحول وفق الكتاب والمحللين والمختصين وأساتذة الجامعات، ترافق مع تآكل فعلي لمسار حل الدولتين، في ظل توسّع استيطاني متسارع في الضفة الغربية، وترتيبات مفروضة في قطاع غزة تهدف إلى إدارة السكان دون منحهم أي أفق سيادي أو سياسي، بما يفرغ فكرة الدولة الفلسطينية من مضمونها.

ويرون أن "لاءات" نتنياهو تؤدي وظائف متعددة؛ فهي أداة لتوحيد الداخل الإسرائيلي وضمان تماسك الائتلاف اليميني، ورسالة ضغط وردع موجهة للفلسطينيين، فضلاً عن كونها ورقة تفاوضية تُستخدم خارجياً تبعاً لموازين القوى، ولا سيما في العلاقة مع الولايات المتحدة، رغم أن هذه "اللاءات" تبقى قابلة للتآكل متى فُرضت كلفة سياسية أو دولية مرتفعة.



إستراتيجية "الإجماع القومي الإسرائيلي"


يرى الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض أن تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، التي شدد فيها على عدم إقامة دولة فلسطينية وعلى أن "إسرائيل من النهر إلى البحر"، لا يمكن قراءتها بوصفها مواقف انتخابية عابرة، بل تمثل رؤية استراتيجية مبدئية تشكّل جوهر ما يُعرف بـ"الإجماع القومي الإسرائيلي" الذي تبلور منذ نحو عام 2004 مع نهاية عهد أريئيل شارون.

ويوضح عوض أن رفض إقامة دولة فلسطينية لم يعد موقفاً خاصاً باليمين الإسرائيلي، بل بات محل توافق واسع بين مختلف أطياف الأحزاب الإسرائيلية، بما فيها اليسار، وتعزز هذا الإجماع بشكل أكبر بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.

ويلفت عوض إلى أن نتنياهو عبّر عن هذه المواقف بصورة متواصلة منذ تسعينيات القرن الماضي، سواء في كتاباته أو في مواقفه السياسية، ولا سيما معارضته الصريحة لاتفاق أوسلو، وسلوكه العملي خلال فترات توليه رئاسة الحكومة حتى اليوم.


قناعة تُترجم ميدانياً


ويبيّن عوض أن ما يُطرح اليوم من تصريحات سياسية يجري في سياق انتخابي، لكنه في جوهره يعكس قناعة إسرائيلية راسخة برفض الدولة الفلسطينية، وهي قناعة تُترجم ميدانياً عبر تفكيك كامل لفكرة إقامة الدولة، من خلال الضم الواسع للضفة الغربية، وفرض ترتيبات في قطاع غزة تُشبه الوصاية الدولية أو الاحتلال المقنّع، إلى جانب تهميش دور السلطة الفلسطينية وإضعافها سياسياً واقتصادياً.

ويشير عوض إلى أن إسرائيل باتت تطرح بدائل جديدة لإدارة شؤون الفلسطينيين، مثل الحكم الذاتي أو الحكم العشائري أو الإداري، معتبراً أن الأخطر من ذلك هو التحول في الموقف الأمريكي، إذ لم تعد الإدارات الأمريكية، بما فيها الحالية، متمسكة بحل الدولتين باعتباره الخيار الوحيد.


التخلي الأمريكي والأوروبي عن حل الدولتين


ويلفت عوض إلى أن إدارة ترمب أعلنت صراحة أنها لا ترى في حل الدولتين السيناريو الأوحد، وهو ما انعكس في عدم تفاوضها مع السلطة الفلسطينية، وعدم الاعتراف بها، والإبقاء على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس بعد ضمها، في خطوة تعزز الرؤية الإسرائيلية.

ويشير عوض إلى أن هذا التراجع لا يقتصر على الولايات المتحدة، بل يمتد إلى الاتحاد الأوروبي الذي لم يعد يرى في حل الدولتين الشكل الأمثل للحل، وبدأ بفرض شروط تعجيزية على السلطة الفلسطينية تحت عنوان الإصلاح، كما دعم قرارات دولية لا تتضمن نصاً صريحاً بشأن إقامة دولة فلسطينية.

ويرى عوض أن حل الدولتين جرى التخلي عنه عملياً بعد ثلاثة عقود من المماطلة والتسويف منذ عام 1994، مؤكداً أن أحداً لم يعمل بجدية لإنجازه، سواء على الصعيد الدولي أو العربي والإسلامي، ما استدعى البحث عن خيارات وحلول سياسية أخرى في ظل سقوط هذا المسار بشكل كامل.


قناعات أيديولوجية راسخة


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين أن تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الرافضة لإقامة دولة فلسطينية لا تمثل موقفاً جديداً، بل هي إعادة تأكيد لموقف تاريخي عبّر عنه مراراً، بل وتفاخر سابقاً بأن له الفضل في منع قيام دولة فلسطينية مستقلة. ويوضح شاهين أن هذا الرفض لا يرتبط فقط بحسابات انتخابية آنية، رغم حضورها، وإنما يستند بالأساس إلى قناعات أيديولوجية راسخة تبناها نتنياهو منذ معارضته لاتفاق أوسلو وخطة الانسحاب وإعادة الانتشار من قطاع غزة.

ويبيّن شاهين أن نتنياهو يستند في هذا الموقف إلى قاعدة إسرائيلية واسعة، تعززت بشكل خاص بعد السابع من أكتوبر / تشرين الأول 2023، مشيراً إلى أن هذا التوجه تُرجم عملياً بقرارات رسمية، أبرزها قرار الكنيست في يوليو/ تموز 2024، الذي صوّت عليه 68 عضواً، واعتبر قيام دولة فلسطينية "تهديداً وجودياً" لإسرائيل، ورفض أي مسار سياسي تفاوضي مرتبط بإقامة الدولة الفلسطينية.

ويلفت شاهين إلى أن هذا القرار جاء في عهد إدارة بايدن وقبل عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، ما يعكس إجماعاً إسرائيلياً عابراً للائتلاف والمعارضة.

ويشير شاهين إلى أن خطورة هذا القرار لا تكمن فقط في مضمونه، بل في حجم التأييد الذي حظي به، إذ لم يقتصر على أحزاب الائتلاف، بل دعمته قوى من المعارضة، وعلى رأسها حزب غانتس، فيما انسحبت أحزاب أخرى مثل "يش عتيد" و"العمل" من الجلسة، وامتنع معظمها عن التصويت ضد القرار، بينما لم يعارضه سوى تسعة أعضاء كنيست، ما يؤكد وجود شبه إجماع إسرائيلي على رفض الدولة الفلسطينية.

ويؤكد شاهين أن التركيز على تصريحات نتنياهو وحدها يغفل جوهر السياسات الجارية على الأرض، والتي تستهدف تقويض أي فرصة لقيام دولة فلسطينية، بل وتعمل على إضعاف السلطة الفلسطينية وتحويلها تدريجياً إلى ما يشبه "اتحاد بلديات" في الضفة الغربية، في وقت ترفض فيه إسرائيل عودة السلطة إلى قطاع غزة بأي صيغة.


تفتيت الكيانية السياسية الفلسطينية


ويعتبر شاهين أن المخطط الإسرائيلي، المتناغم في جوانب منه مع الطروحات الأمريكية، يهدف إلى تفتيت الكيانية السياسية الفلسطينية، سواء عبر تعميق الانقسام بين الضفة وغزة، أو عبر تفكيك السلطة المركزية في الضفة نفسها.

ويوضح شاهين أن نتنياهو تبنى منذ سنوات استراتيجية تقوم على تعزيز الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ماضٍ في تعميق هذا الفصل، مع السعي لإضعاف السلطة في الضفة، وربما استلهام نماذج إدارة بديلة، مثل لجان تكنوقراط أو إدارات محلية قائمة على العشائر والعائلات، في إطار مشاريع جرى تداولها إسرائيلياً، من بينها ما يُعرف بخطة "الإمارات السبع" في الضفة الغربية.

وفي ما يتعلق بقطاع غزة، يرى شاهين أن ما يُعرف بخطة "العشرين بنداً" التي طرحها الرئيس ترمب تتقاطع إلى حد بعيد مع رؤية نتنياهو، إذ لا تقدم التزاماً واضحاً بقيام دولة فلسطينية، بل تتعامل مع ذلك كاحتمال مؤجل مرتبط بمفاوضات طويلة، بعد استكمال إعادة إعمار غزة وفق نموذج اقتصادي استثماري. ويشير شاهين إلى أن هذه الخطة، كما الخطط الاقتصادية التي تحدث عنها اقتصاديون أمريكيون، تتجاهل حق تقرير المصير، وتسعى لتحويل غزة إلى منطقة استثمار طويلة الأمد، مع تغييب البعد السياسي والوطني للقضية الفلسطينية.

ويؤكد شاهين أن هذه الطروحات تقوم على نزع الملكية الخاصة، وفتح المجال أمام استثمارات بعقود طويلة قد تمتد لعقود، مع تهجير أعداد كبيرة من سكان القطاع، وهو ما وصفه بعض واضعي هذه الخطط أنفسهم بأنه يحمل طابعاً استعمارياً.

ويلفت شاهين إلى أن هذه النماذج طُرحت أيضاً كقابلة للتطبيق في الضفة الغربية، عبر مقاربات اقتصادية تفصل الفلسطينيين عن مشروعهم الوطني.

ويؤكد شاهين أن التلاقي الاستراتيجي بين حكومة نتنياهو وإدارة ترمب يتمثل في قطع الطريق على تمكين الفلسطينيين من ممارسة حقهم في تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة، بما يشمل القدس الشرقية، حتى وإن وُجدت تباينات تكتيكية حول سرعة التنفيذ وإيقاعه، خاصة في قطاع غزة.


وقائع تقضي على مشروع الدولة الفلسطينية


ويوضح شاهين أن نتنياهو يوظف هذا التشدد أيضاً في سياق البازار الانتخابي الإسرائيلي، سعياً للحفاظ على تماسك ائتلافه في ظل أزمات داخلية تتعلق بالموازنة وقانون التجنيد، ولتفادي الضغوط المتزايدة لتشكيل لجنة تحقيق في أحداث السابع من أكتوبر 2023.

ويشدد شاهين على أن ما يجري على الأرض من توسع استيطاني، وهدم، واعتداءات للمستوطنين، وتصعيد أمني متواصل، يعكس سياسة ممنهجة تتجاوز الخطاب، وتهدف إلى فرض وقائع نهائية تقضي عملياً على مشروع الدولة الفلسطينية.


تقويض إمكانية قيام الدولة الفلسطينية


تشدد الكاتبة والباحثة السياسية د. ولاء قديمات على أن الدولة الفلسطينية تمثل استحقاقاً سياسياً وتاريخياً للشعب الفلسطيني وليست منحة من أي طرف، معتبرة أن تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الأخيرة تأتي في سياق ترجمة عملية للسياسات التي انتهجتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بهدف تقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.

وتوضح قديمات أن نتنياهو ملتزم سياسياً وبشكل واضح بعرقلة قيام الدولة الفلسطينية، وأن موقفه لا يُعدّ ظرفياً أو مرتبطاً بمرحلة معينة، بل يندرج ضمن استراتيجية إسرائيلية ثابتة ترى في قيام دولة فلسطينية تهديداً مباشراً للمشروع الإسرائيلي في المنطقة، وفق الرؤية الأيديولوجية لتياره السياسي.

وتشير قديمات إلى أن هذا الالتزام يظهر في مختلف السياسات الإسرائيلية التي تعمل على إضعاف مقومات الدولة الفلسطينية على المستويات الجغرافية والسياسية والاقتصادية.


الدفع باتجاه التطبيع دون أثمان سياسية


وتبيّن قديمات أن نتنياهو يوظف مجمل التطورات الجارية على الساحتين الإقليمية والدولية من أجل الدفع باتجاه تطبيع دون شروط، ولا سيما تجاوز شرط إقامة الدولة الفلسطينية مقابل التطبيع، مشيرة إلى أن محاولاته المتواصلة لاستثمار المتغيرات الإقليمية تعكس سعياً إسرائيلياً لفرض وقائع سياسية جديدة تتجاهل الحقوق الوطنية الفلسطينية.


خلق ظروف لاستحالة إقامة الدولة الفلسطينية


وتوضح قديمات أن المشروع الفلسطيني يُقرأ داخل إسرائيل على أنه تقويض مباشر للمشروع الصهيوني، ما يدفع الحكومات الإسرائيلية إلى تكريس جهودها لخلق ظروف تجعل إقامة الدولة الفلسطينية أمراً مستحيلاً، سواء من خلال تفتيت الجغرافيا الفلسطينية أو إضعاف البنية السياسية والمؤسسية الفلسطينية.

وتؤكد قديمات أن إسرائيل تسعى أيضاً إلى تكريس واقع فلسطيني عاجز عن إنجاز مشروع الدولة على المستويات الفلسطينية والإقليمية والدولية، بما يحول دون نيل الاعتراف والسيادة الكاملة.


الدولة وثمرة النضال الطويل


وتشدد قديمات على أن على الفلسطينيين إدراك أن الدولة الفلسطينية هي ثمرة نضال طويل وتضحيات جسيمة، وليست منحة تُمنح في سياق تسويات سياسية.

وتؤكد قديمات ضرورة وعي القيادة الفلسطينية للمخاطر التي تهدد مشروع الدولة، محذّرة من أن أي حديث عن قيام دولة في قطاع غزة بمعزل عن باقي الأراضي الفلسطينية من شأنه أن يشكل تقويضاً خطيراً لاستحقاقات الشعب الفلسطيني ووحدته الوطنية.


دعاية انتخابية واستراتيجية محسوبة


يوضح الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية محمد الرجوب أن تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو المتكررة بشأن رفض إقامة دولة فلسطينية، ورفعه لشعار "إسرائيل من النهر إلى البحر"، لا يمكن فهمها في إطار واحد، بل تجمع بين كونها دعاية انتخابية موجهة للداخل الإسرائيلي، واستراتيجية سياسية محسوبة تهدف إلى إدارة الصراع مع الفلسطينيين وليس حله.

ويوضح الرجوب أن خطاب نتنياهو، الذي يقوم على ترديد "لاءات" مثل لا دولة فلسطينية ولا انسحاب، يبدو ظاهرياً كإعلان موقف نهائي، إلا أن قراءة تجربة نتنياهو السياسية وسياق تصريحاته تكشف أن الأمر لا يتعلق بعقيدة جامدة بقدر ما هو لغة سياسية وظيفية تُستخدم بمرونة تبعاً لموازين القوى، خاصة في العلاقة مع الولايات المتحدة.

ويشير الرجوب إلى أن هذه التصريحات لا يمكن فصلها عن البيئة الداخلية الإسرائيلية، حيث يقود نتنياهو ائتلافاً هشاً قائماً على تحالف اليمين القومي والديني والتيارات الأكثر تطرفاً.


خطاب تعبوي إسرائيلي


ويلفت الرجوب إلى أن هذه القاعدة السياسية لا تطلب حلولاً سياسية بقدر ما تطلب طمأنة أيديولوجية مستمرة، وهو ما يحرص نتنياهو على تقديمه عبر خطاب تعبوي يؤكد ثوابت المشروع الصهيوني ويعيد إنتاج شعور التفوق والهيمنة الإسرائيلية.

ويبيّن الرجوب أن شعار "إسرائيل من النهر إلى البحر" لا يُطرح كمشروع قانوني أو تصور دستوري لدولة واحدة، بل كشعار تعبوي يهدف إلى شحن الوعي الجمعي اليميني، وإغلاق الباب أمام أي نقاش نظري حول الدولة الفلسطينية، حتى قبل الدخول في تفاصيل الحلول السياسية.

ويؤكد الرجوب أن الخطورة الحقيقية في هذا الخطاب تكمن في كونه يعكس استراتيجية إدارة الصراع لا حله، حيث لم يقدم نتنياهو، رغم سنوات حكمه الطويلة، تصوراً متكاملاً للتسوية، كما لم يذهب إلى الضم الكامل، بل حافظ على منطقة رمادية تُبقي الفلسطينيين في حالة "لا دولة ولا حقوق سيادية"، مع إدارة أمنية واقتصادية تمنع الانفجار دون فتح أفق سياسي.


أداة لتعطيل "الزمن السياسي"


ويرى الرجوب أن لاءات نتنياهو تشكل أداة لتعطيل "الزمن السياسي"، بما يسمح لإسرائيل بتوسيع الاستيطان وفرض وقائع ميدانية وجغرافية وديمغرافية جديدة، بينما يبقى المجتمع الدولي منشغلاً بإدارة الأزمة بدلاً من حلها.

ويشير الرجوب إلى تناقض جوهري في سلوك نتنياهو، يتمثل في التصلب الخطابي مقابل المرونة العملية عند توافر ضغط أمريكي حقيقي، مستشهداً بتفاهمات التهدئة والترتيبات الأمنية السابقة.

ويعتبر الرجوب أن هذا التناقض ليس ضعفاً، بل أسلوب حكم يعتمد إعلان الرفض علناً، وتمرير التراجعات بصيغ أمنية أو مؤقتة.

ويؤكد الرجوب أن تصريحات نتنياهو لا تمثل مواقف نهائية بقدر ما هي سقف تفاوضي متحرك، يتحول إلى سياسة أمر واقع عند غياب الإرادة الأمريكية، ويُعاد تدويره كأداة دعاية داخلية واستراتيجية أعمق لمنع قيام دولة فلسطينية، رغم قابليته للسقوط كلما تغيرت موازين القوى.


حمولة سياسية أعلى


يرى أستاذ العلوم السياسية د. أمجد بشكار أن تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الرافضة لإقامة دولة فلسطينية، ورفعه شعار "إسرائيل من النهر إلى البحر"، ليست جديدة في مضمونها، لكنها تحمل في الظرف الراهن حمولة سياسية أعلى، ويمكن فهمها ضمن ثلاثة مستويات رئيسية: داخلي، وخارجي، وأيديولوجي.

ويوضح بشكار أن المستوى الأول هو المستوى الداخلي الإسرائيلي، حيث تندرج هذه التصريحات في إطار دعاية انتخابية واضحة، وإن جاءت مغلفة بخطاب أيديولوجي.

ويبيّن بشكار أن نتنياهو يخاطب من خلال تصريحاته قاعدته الصلبة من اليمين الإسرائيلي والمستوطنين، إضافة إلى حلفائه من الأحزاب اليمينية المتطرفة، وعلى رأسهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.

ويعتبر بشكار أن شعار "إسرائيل من النهر إلى البحر" لا يشكل خطة تنفيذية بقدر ما هو تأكيد على هوية نتنياهو السياسية ورسالة يقدم فيها نفسه كـ"الضامن الحقيقي للمشروع الصهيوني الكامل".

ويؤكد بشكار أن نتنياهو اعتاد، في أوقات الأزمات السياسية أو القضائية أو خلال الحروب والاحتجاجات، اللجوء إلى تشديد الخطاب الأيديولوجي من أجل توحيد قاعدته ومنع تآكلها.


أداة تفاوض وضغط


وعلى المستوى الخارجي، يشير بشكار إلى أن هذه التصريحات تمثل أداة تفاوض وضغط، وليست إعلاناً سياسياً نهائياً.

ويلفت بشكار إلى أن نتنياهو تاريخياً يرفع سقف خطابه الأيديولوجي ثم يبدأ بالتراجع التدريجي عندما يُفرض عليه ميزان قوى أقوى منه، سواء بفعل ضغوط دولية أو أمريكية.

وبناءً على ذلك، يرى بشكار أن تصريحات نتنياهو لا يمكن قراءتها كخارطة طريق حتمية، بل كورقة ضغط ورسالة ردع موجهة للفلسطينيين بالدرجة الأولى.

أما على المستوى الأيديولوجي، يؤكد بشكار أن اعتراف نتنياهو بدولة فلسطينية يعني عملياً نهاية مشروعه السياسي، ليس فقط بالنسبة له شخصياً، بل أيضاً بالنسبة لحلفائه داخل اليمين الإسرائيلي.

ويشدد بشكار على أن نتنياهو، حتى لو قبل بتسويات معينة على أرض الواقع، لا يستطيع الإعلان عنها صراحة، لأن ذلك سيؤدي إلى خسارته لتحالفاته السياسية.


سقوط اللاءات أمام الإرادة الأمريكية


ويعتقد بشكار أن إمكانية قيام دولة فلسطينية في المرحلة الراهنة غير واقعي، في ظل التوسع الاستيطاني الكبير منذ عام 2017، والذي التهم مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية، إضافة إلى التقسيم الجغرافي المتفاقم في قطاع غزة.

ويوضح بشكل أن "اللاءات" التي يطلقها نتنياهو تسقط فقط عندما تتوفر إرادة أمريكية واضحة أو عندما تصبح كلفة استمرار الرفض عالية على إسرائيل.

ويؤكد بشكار أن نتنياهو يسعى دائماً إلى مخرج سياسي "يحفظ ماء الوجه"، مشيراً إلى أن ملفات حساسة عدة، مثل الاستيطان، والتهدئة، والتنسيق الأمني، والضرائب، شهدت تراجعات فعلية رغم الخطاب المتشدد.

ويشير بشكار إلى أن نتنياهو يرفع سقف خطابه بالرفض عندما يشعر بأن ميزان القوى يميل مؤقتاً لصالحه، لكن هذه "اللاءات" سرعان ما تبقى في الإعلام فقط، وتُفرغ من مضمونها على أرض الواقع إذا تغيّر الموقف الأمريكي.


وأد قيام الدولة الفلسطينية مستقبلاً


يوضح الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الأخيرة، لا سيما المتعلقة برفض إقامة دولة فلسطينية سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، تعبّر بوضوح عن جوهر الهدف الاستراتيجي للسلوك الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين، وتكشف عن عقلية راسخة تعمل على وأد أي إمكانية مستقبلية لقيام دولة فلسطينية على حدود عام 1967.

ويشير بشارات إلى أن نتنياهو عندما قال: "إن إقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة لم تحدث ولن تحدث"، فإنه لم يكن يعبّر عن موقف ظرفي أو تكتيكي، بل عن رؤية استراتيجية متكاملة تقوم على ترسيخ قناعة إسرائيلية مفادها باستحالة قيام دولة فلسطينية في أي جزء من الأرض الفلسطينية، سواء في الضفة الغربية أو غزة.

ويؤكد بشارات أن السلوك الإسرائيلي الميداني والسياسي ينسجم مع هذه الرؤية، عبر سياسات القضم والاستيطان والحصار واستخدام القوة المفرطة.


الزعيم الأكثر تمسكاً ب"يهودية الدولة"


ويبيّن بشارات أن نتنياهو يستثمر هذا الخطاب في بعدين أساسيين، أولهما البعد الداخلي الإسرائيلي، حيث يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الزعيم الأكثر تمسكاً بما يسمى "يهودية الدولة" ورفض أي تنازل سياسي للفلسطينيين، في محاولة لكسب ودّ الشارع الإسرائيلي والتيار اليميني المتطرف، وتهيئة الأرضية لإعادة انتخابه في حال التوجه إلى انتخابات مبكرة، مرجحاً أن يكون ذلك في أكتوبر / تشرين الأول المقبل.


رسائل إقليمية ودولية


أما البعد الثاني، وفق بشارات، فيتعلق بالرسائل الإقليمية والدولية، إذ يؤكد نتنياهو من خلالها أن إسرائيل غير مستعدة لمقايضة مستقبل الدولة الفلسطينية بأي ملفات أخرى، بما في ذلك مسار التطبيع واتفاقيات "أبراهام".

ويعتبر بشارات أن حديث نتنياهو عن إمكانية انضمام دول جديدة لهذه الاتفاقيات، وتحديداً في ظل الشروط التي تطرحها المملكة العربية السعودية، يهدف إلى تجاوز المسألة الفلسطينية، والتأسيس لمرحلة إقليمية جديدة تُهمَّش فيها الحقوق الفلسطينية.



توافق أمريكي إسرائيلي حول الصراع


وفي ما يخص الموقف الأمريكي، يرى بشارات أن هناك توافقاً إسرائيلياً–أمريكياً حول جوهر الصراع واستراتيجيته، حيث توفر الولايات المتحدة غطاءً سياسياً ودعماً عسكرياً للسلوك الإسرائيلي، لكنها تختلف مع تل أبيب في طبيعة الأدوات.

ويشير بشارات إلى أن واشنطن تفضّل استخدام المسار السياسي والضغوط غير المباشرة لدفع الفلسطينيين إلى القبول بالواقع القائم، بينما تميل إسرائيل إلى خيار الحسم بالقوة واستخدام فائض القوة العسكرية.

ويرى بشارات أن هذا التباين يبرز في ملفات مثل إعمار غزة وسلاح المقاومة والانسحاب من القطاع، حيث تسعى الإدارة الأمريكية إلى الربط بين الإغراءات السياسية وإعادة الإعمار وبين نزع السلاح، في حين ترى إسرائيل أن القوة المباشرة هي الطريق الأنجع لتحقيق أهدافها.

ويؤكد بشارات خطورة التبني الأمريكي للرؤية الإسرائيلية، محذراً من أن فشل المسار السياسي قد يدفع واشنطن إلى منح إسرائيل تفويضاً أوسع لاستخدام القوة، في ظل النفوذ الإسرائيلي القوي داخل دوائر صنع القرار الأمريكي، ما يعني استمرار المشروع الاستعماري الإسرائيلي الذي بدأ منذ عام 1948 وحتى اليوم.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا