آخر الأخبار

ميليشيات غزة المسلحة تغير تكتيكاتها وتستنزف أمن حماس داخلياً

شارك

حدث الساعة

شهد المشهد الأمني الداخلي في قطاع غزة تحولاً دراماتيكياً ومثيراً للقلق خلال الأشهر الأخيرة، فبعد سنوات من سيطرة حركة حماس منذ عام 2007، برزت على السطح كيانات مسلحة جديدة تجاوزت في طموحها وتكتيكاتها مجرد "الفوضى الجنائية" العابرة. هذه المجموعات، التي كان يُنظر إليها في بداية الحرب كظواهر عشوائية ناتجة عن الفراغ الأمني، بدأت اليوم في رسم خريطة تهديد معقدة، تعتمد على الاغتيالات المنظمة والتكنولوجيا المتقدمة، مما وضع الأجهزة الأمنية التابعة لحماس في حالة من الاستنزاف والارتباك غير المسبوق في ظل ظروف الحرب القاسية.

ولادة من رحم الفوضى: قصة عصابة أبو شباب

بدأت الحكاية ببروز أسماء ارتبطت في الذاكرة الشعبية بالقضايا الجنائية، وأبرزهم ياسر أبو شباب، الشاب الذي غادر زنازين حماس مع انطلاق شرارة الحرب في أكتوبر 2023. لم يتأخر أبو شباب في استغلال حالة التفكك الميداني، فجمع حوله العشرات، ثم المئات من الأقارب والأصدقاء، ليُشكل قوة مسلحة سيطرت على مناطق شرق رفح. لم تكن أجندته سياسية في البداية، بل تركزت حول السيطرة على شريان الحياة في القطاع: المساعدات الإنسانية القادمة عبر معبر كرم أبو سالم.

ورغم أن حركة حماس خاضت مواجهات دامية مع هذه العصابة وأوقعت في صفوفها قتلى في رسالة ردع واضحة، إلا أن مقتل أبو شباب لاحقاً في خلاف عائلي لم ينهِ التهديد كما كان متوقعاً. بل انتقلت القيادة إلى نائبه غسان الدهيني، الذي يُوصف بأنه "العقل المفكر" الذي نقل المجموعة من مجرد عصابة شوارع إلى تنظيم أكثر استقراراً وهدوءاً، يتجنب المناوشات العبثية ويركز على تعزيز نفوذه في مناطق السيطرة الإسرائيلية، بانتظار اللحظة المناسبة للتحرك.

تمدد الشبكة: مسميات براقة وأهداف غامضة

ما يميز المرحلة الحالية هو ظهور "عصابات" بأسماء توحي بالشرعية والمأسسة، مثل "قوات مكافحة الإرهاب" أو "القوات الشعبية" . ولم يقتصر الأمر على رفح، بل امتدت هذه التشكيلات لتشمل عصابة حسام الأسطل في جنوب خان يونس، ورامي حلس شرق مدينة غزة، وأشرف المنسي في الشمال، وأحدثها وأخطرها عصابة شوقي أبو نصيرة في المناطق الشرقية لخان يونس. هذه المجموعات لم تعد تكتفي بالنهب، بل بدأت تتبع تكتيكات ميدانية خطيرة تتقاطع بشكل مباشر مع المصالح الإسرائيلية.

ورصدت التقارير الميدانية قيام عصابة رامي حلس بإجبار سكان مربعات سكنية في حي التفاح على الإخلاء بناءً على أوامر إسرائيلية، وهو تطور يعكس دوراً جديداً لهذه المجموعات كأدوات تنفيذية على الأرض. كما كشفت قنوات عبرية عن استعانة الجيش الإسرائيلي بعناصر من هذه العصابات للقيام بمهام انتحارية، مثل دخول المنازل المفخخة والأنفاق لكشف المتفجرات قبل تقدم القوات، مما تسبب في مقتل وإصابة العديد من أفراد تلك العصابات الذين باتوا يعملون "ككاشفات بشرية" مقابل الحماية والدعم.

الاغتيالات الصامتة: الانعطافة التكتيكية الكبرى

انعطف منحنى التهديد نحو منعطف أكثر خطورة مع نهاية عام 2025 وبداية عام 2026، حيث نفذت هذه العصابات عمليات اغتيال استهدفت ضباطاً رفيعي المستوى في أجهزة أمن حماس ونشطاء بارزين في كتائب القسام. لم تكن هذه العمليات عشوائية، بل جاءت بعد رصد دقيق ومطول. في ديسمبر 2025، اغتالت عصابة شوقي أبو نصيرة الضابط في الأمن الداخلي أحمد زمزم في مخيم المغازي، وتبعه في يناير 2026 اغتيال مدير مباحث خان يونس محمود الأسطل على يد عناصر تتبع لقريبه حسام الأسطل.

اللافت في هذه العمليات هو استخدام تقنيات متطورة؛ فقد استخدم المنفذون مسدسات مزودة بكاتم صوت وكاميرات دقيقة مثبتة على الملابس لتوثيق الاغتيالات، وهي تجهيزات تشير بوضوح إلى دعم استخباري إسرائيلي مباشر ومكثف. هذا التطور النوعي جعل من هذه العصابات "أشباحاً" تطارد كوادر حماس في عمق مناطق نفوذها، مما أثار تساؤلات جدية حول قدرة الحركة على حماية جبهتها الداخلية في ظل استنزاف قدراتها العسكرية في مواجهة الجيش الإسرائيلي.

احترافية القيادة: ضباط سابقون في الميدان

هذا التحول التكتيكي يفسره الخلفية المهنية لقادة هذه العصابات. فعلى عكس المجموعات الأولى التي قادها أفراد ذوو سجل جنائي بسيط، يقود التشكيلات الجديدة ضباط سابقون يمتلكون خبرة عسكرية وأمنية واسعة. فحسام الأسطل، برتبة رائد سابق، ارتبط اسمه بعمليات استخباراتية معقدة لصالح الموساد، بينما يُعد شوقي أبو نصيرة ضابطاً سابقاً برتبة لواء، ويمتلك رامي حلس خلفية في حرس الرئاسة.

هذه الخبرات مكنت هؤلاء القادة من اختراق النسيج الأمني لحماس وتجنيد عناصر جديدة، بل والوصول إلى أهداف محصنة. الأخطر من ذلك هو نجاحهم في استقطاب عناصر شابة، كما حدث مع انضمام حفيد أحد مؤسسي حماس في جباليا إلى عصابة الأسطل، وهو ما يعكس شرخاً في الولاءات المحلية قد تستغله الأطراف المعادية لحماس لتغيير الواقع السياسي والميداني في غزة.

حماس في حالة تأهب: صراع البقاء الأمني

أمام هذا الواقع الجديد، وجدت حركة حماس نفسها مضطرة لخوض معركة أمنية موازية للحرب العسكرية. فقد أصبحت تحركات هذه العصابات تؤرق الحركة أمنياً، مما دفعها لرفع حالة التأهب إلى القصوى. وزعت الأجهزة الأمنية تعميمات مشددة تطالب الكوادر بالتيقظ، وتغيير مسارات تحركهم بشكل دائم، والتخلي التام عن الهواتف النقالة لتقليل فرص الرصد الإسرائيلي الميسر لهذه العصابات.

كما طالبت الحركة عناصرها بحمل أسلحة مناسبة للتصدي لأي هجوم مباغت، واتخاذ إجراءات مضادة لرصد أي مراقبة مريبة في محيط سكناهم. إن الصراع الدائر الآن بين "أمن الفصائل" وهذه العصابات المسلحة يعكس صراعاً أعمق على السيادة؛ فبينما تحاول حماس الحفاظ على بقايا سلطتها وهيبتها، تسعى هذه المجموعات، بدعم إسرائيلي، لتقديم نفسها كبديل محلي قادر على فرض واقع جديد، مما يضع مستقبل الأمن في قطاع غزة على كف عفريت وسط غبار المعارك التي لا تهدأ.

المصدر: الحدث/ وكالات

الحدث المصدر: الحدث
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا