واشنطن – سعيد عريقات
في خطوة لافتة أعادت تسليط الضوء على قدرة السينما على تحويل الألم الفردي إلى ذاكرة جماعية، حصد فيلم "صوت هند رجب" ترشيحًا رسميًا لجوائز "الأوسكار" ، وهي الأهم سينمائيا في العالم، ضمن فئة أفضل فيلم دولي، ليصبح واحدًا من أبرز الأعمال التي تنافس في نسخة عام 2026. ويأتي هذا الترشيح في وقت تتكثف فيه النقاشات حول دور الفن في توثيق الحروب والنزاعات، وحول الحدود الأخلاقية بين نقل الواقع وإعادة تمثيله.
الفيلم، للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، يستند إلى واحدة من أكثر المآسي الفلسطينية إيلامًا في السنوات الأخيرة: مأساة هند رجب، الطفلة الفلسطينية ذات الخمسة أعوام. في 29 كانون الثاني 2024، وجدت هند نفسها محاصَرة داخل سيارة استهدفها جيش الاحتلال الإسرائيلي في حيّ تلّ الهوى بمدينة غزة. وسط الرصاص والخوف، كانت تستغيث عبر الهاتف، تتشبث بالحياة بصوتها الصغير وتعدّ الدقائق بانتظار سيارة إسعاف تنقذها. لكن الانتظار طال حتى صار فخًا؛ انقطع الصوت، وخمد النداء، ثم عُثر عليها لاحقًا مقتولة داخل المركبة، لتغدو قصتها مرآة دامغة لوحشية لحرب إبادة تستهدف الطفولة بلا رحمة.
التي أصبحت مكالمتها الهاتفية طلبًا للنجدة رمزًا عالميًا لإجرام الاحتلال الإسرائيلي كما للمدنيين العالقين في مناطق الخطر. وعلى الرغم من أن السينما لطالما تناولت المآسي والحروب، فإن "صوت هند رجب" يقترب من الحدث باعتباره شهادة خالصة لا تبحث عن الإثارة، بل عن الحقيقة التي تفرض نفسها على السرد.
ويقدّم العمل نفسه على أنه وثائقي-درامي، حيث يمزج بين مقاطع صوتية حقيقية وبين معالجة سينمائية تعيد بناء اللحظات الحاسمة في القصة. هذا المزج يفتح مساحة حساسة: فالفيلم لا يكتفي بالتأريخ، بل يضع المشاهد داخل الإحساس بالزمن والضغط والخوف، وكأنه يحاول أن يجعل الجمهور يعيش ثقل الدقائق التي قد تغيّر مصير إنسان.
الترشيح في فئة أفضل فيلم دولي لا يمثّل إنجازًا تقنيًا فقط، بل يعد مؤشرًا على أن الفيلم نجح في اختراق دائرة التأثير إلى مستوى عالمي، حيث تتنافس أعمال من ثقافات ومدارس سينمائية مختلفة. وغالبًا ما تشكل هذه الفئة بوابة واسعة أمام السينما غير الناطقة بالإنجليزية لتقول كلمتها في العالم، بعيدًا عن “مركزية” السرد الهوليوودي التقليدي.
ويرى متابعون أن قوة الفيلم لا تنبع فقط من موضوعه، بل من اختياره الذكي لنقطة التركيز: الصوت بوصفه بطلًا سرديًا. فحين تصبح الكاميرا عاجزة عن رؤية ما يحدث، يأتي الصوت محمّلًا بالرجاء والخوف، ويغدو وثيقة أخلاقية لا يمكن إنكارها. ومن هنا يتحول "صوت هند رجب" إلى تجربة تتجاوز المشاهدة العادية، وتقترب من مواجهة وجدانية مع سؤال: ماذا يعني أن يُسمَع الإنسان ولا يُنقَذ؟
من جهة أخرى، يعكس هذا الترشيح استمرار صعود كوثر بن هنية كاسم عربي-دولي بارز، خصوصًا بعدما أصبحت أعمالها تحظى بجمهور نقدي ومهرجاني واسع. ويبدو أن "صوت هند رجب" يدخل الأوسكار ليس باعتباره "خبرًا سياسيًا" بقدر ما هو عمل سينمائي يحاول أن يختبر دور الفن كوسيلة لإعادة بناء الحقيقة أمام شاشات العالم.
ومن المقرر أن يُقام حفل توزيع جوائز الأوسكار 2026 يوم الأحد 15 آذار 2026 في مدينة لوس أنجلوس، وهو الموعد الذي ستتجه إليه الأنظار لمعرفة ما إذا كان الفيلم سيحوّل ترشيحه إلى فوز تاريخي، أو سيكتفي بتثبيت حضوره كأحد أكثر الأعمال الدولية إثارة للنقاش هذا الموسم.
ويبرهن ترشيح "صوت هند رجب" للأوسكار أن السينما لم تعد تكتفي بسرد الحكاية، بل أصبحت ساحة لتحدي الرواية الرسمية. قوة الفيلم أنه لا يحاور المشاهد عبر الصور فقط، بل عبر "الصوت" كدليل حيّ لا يمكن تزييفه بسهولة. في زمن تُختَزل فيه المآسي إلى أرقام، تأتي السينما لتعيد للضحية اسمها ووجهها ونبرة خوفها. هذا النوع من الأفلام لا يمنح أجوبة نهائية، لكنه يفرض سؤالًا أخلاقيًا لا مفر منه.
الأهمية الحقيقية للترشيح تكمن في أنه يفتح بابًا جديدًا أمام السينما العربية والدولية لتقديم أعمال ليست "سياحية" أو تزيينية، بل صادمة بصدقها وواقعية ثقلها. ومع ذلك، يظل التحدي قائمًا: كيف يمكن الحفاظ على الكرامة الإنسانية عند تحويل الألم إلى مادة فنية؟ الفيلم ينجح عندما يتجنب الاستهلاك العاطفي ويمنح الحكاية حقها دون مبالغة. إن فوزًا محتملًا سيعني أن الأكاديمية بدأت ترى في "الشهادة" قيمة فنية لا تقل عن أي ابتكار.
المصدر:
القدس