د. خليل تفكجي: إقامة الجدار بالأغوار سياسة إسرائيلية تستهدف حماية وتوسيع المشروع الاستيطاني بالمنطقة وليس لدواعٍ أمنية..
عبد الله أبو رحمة: أخطر ما في المشروع عزل مساحات تُقدّر بنحو 190 ألف دونم ما ينعكس سلبًا على الاقتصاد والزراعة وتربية المواشي..
محمد أبو علان دراغمة: الجدار الجديد ينسجم مع رؤية سموتريتش بضم نحو 82% من الضفة الغربية وتحويل ما تبقى لكانتونات معزولة..
د. حسن بريجية: ما يجري بالأغوار ووادي الأردن و(E1) يندرج ضمن مخطط لتفريغها من التجمعات البدوية والسيطرة على الأراضي..
عبد الهادي حنتش: إقامة الجدار ضمن خطة "ألون" بهدف إحكام السيطرة على أكبر مساحة من الأراضي الغنية بالمياه والموارد الطبيعية..
سليمان بشارات: هناك تضخيم للمخاطر الأمنية لشرعنة تعزيز السيطرة وفرض الحدود الإسرائيلية على حساب الوجود الفلسطيني..
على وقع هجمات المستوطنين في الأغوار والتجمعات البدوية تأتي نوايا إسرائيل في تنفيذ مشروع الجدار الجدار في الأغوار بذريعة منع تهريب السلاح إلى الضفة الغربية، باعتباره خطوة مفصلية لتغيير المشهد الجغرافي والسكاني في واحدة من أكثر المناطق الفلسطينية حساسية، بما يمهد لخطوات فعلية لتهجير السكان والسيطرة على الأرض وصولاً للضم.
ويؤكدون أن مشروع الجدار الجديد سيترك آثاره المباشرة على قلب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والزراعية في الأغوار، إذ يؤدي إلى عزل مساحات واسعة من الأراضي الزراعية الخصبة، وقطع سلاسل الإنتاج، وتقييد الوصول إلى مصادر المياه، ما يضع آلاف العائلات أمام خسارة موردها المعيشي الأساسي، ويهدد دور الأغوار كسلة غذاء فلسطين.
أما على المستوى الديمغرافي، يوضحون أن إقامة الجدار يندرج ضمن سياسة أوسع تهدف إلى تفريغ المنطقة من سكانها الأصليين، عبر تضييق الخناق على التجمعات البدوية والرعوية، وتوسيع رقعة الاستيطان، وخلق ظروف معيشية قاسية تدفع نحو الرحيل القسري، في سياق ضم تدريجي صامت يعيد تشكيل الأغوار بما يخدم المشروع الاستيطاني طويل الأمد.
يوضح الخبير في شؤون الاستيطان د. خليل تفكجي أن الجدار الذي تنوي إسرائيل إقامته في منطقة الأغوار، ويمتد من عين شبلي حتى تياسير، يأتي في سياق سياسة إسرائيلية واضحة تستهدف حماية وتوسيع المشروع الاستيطاني في المنطقة، وليس لدواعٍ أمنية كما تدّعي سلطات الاحتلال.
ويشير تفكجي إلى أن مسار الجدار المقترح يخدم مخططات إقامة مستوطنات جديدة، أبرزها مستوطنة على أراضي طمون وأخرى في منطقة خربة أبزيق يطلق عليها الاحتلال اسم "بيزك"، مشيرًا إلى أن الذريعة الأمنية تُستخدم لتغطية أهداف استراتيجية أعمق، تتمثل في السيطرة على ما يُعرف بـ"شفا الأغوار"، وخاصة المناطق الزراعية الخصبة.
ويبيّن تفكجي أن منطقتي البقيعة وطمون، إضافة إلى الفارعة، تُعد من أخصب الأراضي الزراعية في الأغوار، وأن إقامة الجدار والمستوطنات فيها سيؤديان إلى تهجير السكان الفلسطينيين، ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم الزراعية، فضلًا عن حظر أنشطة الرعي، ما يضرب سبل العيش الأساسية في هذه المناطق.
وفي ما يتعلق بالتجمعات البدوية، يؤكد تفكجي أن ما يجري بحقهم هو تطهير عرقي ممنهج يندرج ضمن سياسة إسرائيلية تقوم على "الضم التدريجي" بأقل قدر ممكن من السكان الفلسطينيين، مقابل السيطرة على أكبر مساحة من الأرض.
ويشير تفكجي إلى أن هذه السياسة نُفذت على مراحل، بدءًا من شمال بيسان وشمال الأغوار في مناطق بردلة وعين البيضا، مرورًا بتجمعات الفارسية والحديدة، ثم جنوبًا في معرجات أريحا، وعرب الرشايدة قرب نبع العوجا، وصولًا إلى مسافر يطا.
ويؤكد تفكجي أن نتائج هذه السياسة أدت إلى تفريغ مساحات واسعة من السكان الفلسطينيين، حيث أصبحت أكثر من ثلث مساحة الضفة الغربية شبه خالية من السكان الأصليين، بعد تهجيرهم وإحلال البؤر الاستيطانية مكانهم.
ويشير تفكجي إلى أن إسرائيل تسعى، في حال تنفيذ الضم رسميًا، إلى ضمان وجود أقلية فلسطينية فقط في هذه المناطق، وليس أغلبية، لافتًا إلى أن الإحصاءات الفلسطينية تشير إلى وجود نحو 400 ألف فلسطيني في مناطق (ج)، بينما تتحدث إسرائيل عن 150 ألفًا فقط، في محاولة لتقليص العدد إلى مستوى يمكن السيطرة عليه.
ويؤكد تفكجي أن التجمعات الفلسطينية في الأغوار قليلة السكان، وأكبر مدنها أريحا، إلى جانب بلدات وقرى مثل العوجا، ومرج نعجة، والزبيدات، ومرج غزال، وبردلة، وكردلة، وعين البيضا، والجفتلك، مؤكدًا أن استخدام "الأمن" ليس سوى أداة لتحقيق أهداف سياسية، على رأسها الضم التدريجي وإقامة مستوطنات جديدة، كان آخرها الإعلان عن نحو 19 مستوطنة إسرائيلية جديدة داخل الضفة الغربية.
فرض واقع الضم والسيادة..
يحذّر مدير عام دائرة العمل الشعبي في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عبد الله أبو رحمة من خطورة المخطط الإسرائيلي الجديد لإقامة جدار في منطقة الأغوار الشمالية، مؤكدًا أنه يشكّل حلقة مركزية في سياسة ممنهجة تهدف إلى تفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها وفرض واقع الضم والسيادة الإسرائيلية بالقوة.
ويوضح أبو رحمة أن الجدار المزمع إقامته يمتد بطول نحو 22 كيلومترًا من منطقة تياسير حتى عين شبلي، وبعرض يقارب 50 مترًا، ما يستدعي مصادرة نحو 1042 دونمًا من الأراضي الفلسطينية بحجة "أغراض عسكرية" وإنشاء طريق أمني.
ويبيّن أبو رحمة أن هذه الذريعة سرعان ما تهاوت بعد ما نُشر في الصحافة الإسرائيلية حول نية الاحتلال بناء جدار فعلي، لا طريق أمني، الأمر الذي يكشف الهدف الحقيقي للمشروع.
ويلفت أبو رحمة إلى أن الجدار سيؤدي إلى عزل مناطق سكانية واسعة تشمل تياسير والعقبة وطوباس وطمون عن أراضيها الزراعية الخصبة، ما سيحرم آلاف المواطنين من الوصول إلى مصدر رزقهم الأساسي، ويؤثر بشكل مباشر على مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
السيطرة على الموارد..
ويشير أبو رحمة إلى أن مسار الجدار يمر عبر خربة يرزا، حيث سيؤثر بشكل مباشر على نحو 90 عائلة فلسطينية تقيم في الخربة، مهددًا بتهجيرها القسري، كما سيطال تأثير الجدار مناطق زراعية حيوية في سهل البقيعة وسهل عاطوف، التي تضم مشاريع زراعية واسعة تشمل البيوت البلاستيكية، ومزارع العنب والموز، إضافة إلى زراعات الخضروات، ما يعني ضرب قطاع زراعي يُعد من أهم روافد الأمن الغذائي الفلسطيني.
ويؤكد أبو رحمة أن الجدار سيتسبب أيضًا في تدمير خطوط مياه رئيسية تُغذي الحقول الزراعية، فضلًا عن عزل عائلات بأكملها تعيش في تلك المناطق.
ويعتبر أبو رحمة أن أخطر ما في المشروع هو عزل مساحات شاسعة تُقدّر بنحو 190 ألف دونم من أراضي طوباس وطمون، بحيث يصبح الوصول إليها بالغ الصعوبة، الأمر الذي سينعكس سلبًا على الاقتصاد المحلي والزراعة وتربية المواشي.
انتهاكات متراكمة لفرض التهجير..
ويتحدث أبو رحمة عن سياق أوسع من الانتهاكات المتراكمة، مشيرًا إلى أن العديد من التجمعات البدوية والرعوية في الأغوار تتعرض منذ سنوات لسياسات تهجير ممنهجة عبر التدريبات العسكرية المتواصلة بين المنازل والحقول، وما يرافقها من إجبار السكان على الرحيل المؤقت، وتعريض مواشيهم للخطر، وإحراق محاصيلهم الزراعية، بهدف خلق بيئة طاردة تدفعهم إلى المغادرة النهائية.
ويوضح أبو رحمة أن هذه السياسات ترافقت في الفترة الأخيرة مع انتشار عشرات البؤر الاستيطانية الرعوية، إضافة إلى المستوطنات القائمة والمعسكرات ونقاط التدريب العسكري، ما أدى إلى تهجير مئات العائلات الفلسطينية نتيجة الاعتداءات المتكررة وسرقة المواشي وحصار المراعي.
ويؤكد أبو رحمة أن الجدار الجديد يأتي ليُسرّع هذه العملية، ويستهدف ما تبقى من تجمعات صامدة عبر عزلها عن محيطها ومواردها، وفتح المجال أمام مزيد من الاعتداءات لإجبار سكانها على الرحيل.
ذرائع أمنية واهية وغير مقنعة..
ويفند أبو رحمة بشكل قاطع ادعاءات الاحتلال بأن الهدف من الجدار هو منع تهريب السلاح، موضحًا أن إسرائيل تمتلك منذ عام 1967 شريطًا حدوديًا ممشطًا عسكريًا بشكل دائم، وأنها أقامت في الأعوام 2000–2002 جدارًا إضافيًا بطول نحو 6 كيلومترات شرق عين البيضا وكردلة وبردلة والساكوت، فضلًا عن وجود نفق أمني في منطقة سهل البقيعة.
ويشير أبو رحمة إلى أن المنطقة تعج أصلًا بالمستوطنات ونقاط الجيش ومعسكرات التدريب، ما يجعل هذه الذريعة "واهية وغير مقنعة".
ويؤكد أبو رحمة أن ما يجري هو سياسة ضم وتفريغ متكاملة، تنفذها الحكومة الإسرائيلية بشكل رسمي، وتكملها ممارسات ميليشيات المستوطنين على الأرض، في إطار مخطط واسع يستهدف مناطق (ج) من الأغوار الشمالية والوسطى، مرورًا بمنطقة شفا الغور شرقي نابلس وشرقي رام الله وصولاً إلى باديات شرقي القدس وبيت لحم ومسافر يطا؛ بهدف إحلال المستوطنين مكان الفلسطينيين وفرض واقع استيطاني غير مسبوق.
فرض حدود جديدة وضم فعلي..
يعتبر الكاتب والمختص بالشأن الإسرائيلي محمد أبو علان دراغمة أن الذريعة الإسرائيلية القائلة أن بناء الجدار شرق مدينة طوباس يهدف إلى منع تهريب الأسلحة هي "ذريعة سخيفة وواهية"، مؤكدًا أن الهدف الحقيقي من المشروع يتمثل في فرض حدود شرقية جديدة لمحافظة طوباس، وضم فعلي لمنطقة الأغوار، ضمن مشروع سياسي شامل يستهدف إنهاء إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقبلًا.
ويوضح دراغمة أن الاحتلال، لو كان جادًا في منع تهريب السلاح، لكان بنى الجدار مباشرة على الحدود الفلسطينية–الأردنية، لا على مسافة تزيد عن 20 كيلومترًا داخل الضفة الغربية.
ويشير دراغمة إلى أن مسار الجدار يترك خلفه مئات آلاف الدونمات الزراعية الفلسطينية، في منطقة يعتبرها الاحتلال "مثالية" من حيث خصوبة التربة، وتوفر مصادر المياه، وقلة عدد السكان الفلسطينيين، مقابل وجود كثيف للمستوطنات الزراعية الإسرائيلية.
ويبيّن دراغمة أن نمط الاستيطان في الأغوار يقوم على السيطرة على مساحات زراعية واسعة رغم أن المستوطنات نفسها تشغل مساحات عمرانية صغيرة، وهو ما يُعرف بالاستيطان الزراعي.
ويعتبر دراغمة أن الجدار الجديد يخدم هذا النموذج، من خلال إحكام السيطرة على الأرض الفلسطينية وحصر الفلسطينيين في مساحات ضيقة، تمهيدًا لتوسيع المستوطنات.
تعميق المعاناة..
ويؤكد دراغمة أن الاحتلال يتعامل مع منطقة الأغوار باعتبارها منطقة استراتيجية ذات أبعاد أمنية، وهو ما يفسر الانتشار الواسع لمعسكرات الجيش، ومناطق التدريب العسكري، والأراضي المغلقة المصنفة كمحميات طبيعية.
ويوضح دراغمة أن الجدار، الذي سيمتد بين منطقة "عين شبلي" وحاجز "تياسير"، سيترافق مع مزيد من الحواجز والإجراءات التي تعمّق معاناة الفلسطينيين، وتزيد من القيود على الحركة والحياة اليومية.
ويشير دراغمة إلى أن هذا المقطع من الجدار لا يمثل سوى مرحلة ثالثة من جدار أطول لم يكشف الاحتلال عن كامل امتداده بعد، ما يعني فرض وقائع وحدود جديدة على الأرض.
ويلفت دراغمة إلى أن منطقة الأغوار كانت مطروحة منذ سنوات كمشروع ضم أولي، معتبرًا أن ما يجري اليوم هو الضم الفعلي للأغوار، بعيدًا عن الإعلانات الرسمية.
ويوضح دراغمة أن من أبرز مخرجات هذا الجدار خلق بيئة طاردة للفلسطينيين في الأغوار، ودفعهم إلى الهجرة القسرية، إلى جانب حصرهم في أقل مساحة ممكنة، مقابل توسيع رقعة سيطرة المستوطنين الذين يسيّجون آلاف الدونمات الزراعية، ليس فقط في الأغوار الشمالية، بل في امتداد جغرافي يصل من الأغوار حتى جنوب جبل الخليل ومناطق مسافر يطا.
ويربط دراغمة مشروع الجدار الجديد بسياق سياسي أوسع، يتمثل في استهداف حل الدولتين بشكل نهائي، مشيرًا إلى تصريحات علنية لوزراء في حكومة بنيامين نتنياهو، وعلى رأسهم بتسلئيل سموتريتش، الذي أعلن أن الاستيطان "تصحيح لخطأ تاريخي" نجم عن اتفاقيات أوسلو، وأن هدفه منع قيام الدولة الفلسطينية.
ويعتبر دراغمة أن الجدار الجديد ينسجم مع رؤية سموتريتش القائمة على ضم نحو 82% من الضفة الغربية، وتحويل ما تبقى إلى كانتونات معزولة.
ويؤكد دراغمة أن مصادرة أكثر من ألف دونم، معظمها أراضٍ خاصة، وبالتوازي مع تهجير عشرات التجمعات البدوية، تتم تحت حماية ورعاية جيش الاحتلال، ضمن سياسة متكاملة تهدف إلى فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية بالكامل، ومنع قيام دولة فلسطينية بصورة مطلقة.
تفريغ المنطقة من التجمعات البدوية..
يؤكد الباحث في شؤون الاستيطان د. حسن بريجية أن منطقة الأغوار، أو وادي الأردن، تُعد جزءًا أساسيًا من مشروع (E1) الاستيطاني، الذي تسعى إسرائيل من خلاله إلى فرض السيطرة الكاملة على المنطقة وضمّها فعليًا، نظرًا لمكانتها الاستراتيجية في العقيدة الأمنية والسياسية الإسرائيلية.
ويوضح بريجية أن إسرائيل تنظر إلى الأغوار باعتبارها حاجزًا جغرافيًا يفصل بين الأردن وفلسطين، وهو ما يدفعها إلى تكثيف سياساتها الرامية للسيطرة على المنطقة، سواء عبر المصادقة على المستوطنات القائمة، أو من خلال بناء جدار هناك، وربط الأغوار بالقدس، بما يؤدي إلى عزلها وإخضاعها بالكامل للسيطرة الإسرائيلية.
ويشير بريجية إلى أن ما يجري في الأغوار ووادي الأردن، وكذلك في منطقة (E1)، يندرج ضمن مخطط واضح لتفريغ هذه المناطق من التجمعات البدوية الفلسطينية والسيطرة على الأراضي.
ويبيّن بريجية أن سلطات الاحتلال نجحت خلال السنوات الماضية في تفريغ أجزاء واسعة من غور الأردن من سكانها البدو، وعلى رأسها تجمعات عرب المليحات ومنطقة المعرجات، إضافة إلى تجمعات بدوية أخرى.
ويبيّن بريجية أن مشروع (E1)، الذي تُعد منطقة الخان الأحمر أبرز معالمه، شهد عمليات تهجير وإخلاء قسري طالت تجمعات بدوية عديدة، في إطار سياسة ممنهجة تهدف إلى إفراغ المنطقة بشكل شبه كامل من سكانها الأصليين.
توسيع المستوطنات القائمة..
ويؤكد بريجية أن الهدف الأساسي من هذه السياسات هو السيطرة الكاملة على الأرض، وتوسيع المستوطنات القائمة وتعزيزها ديمغرافيًا وجغرافيًا، مع إبقاء السيطرة الإسرائيلية المطلقة على المنطقة.
ويلفت بريجية إلى أن الاعتداءات المتواصلة التي ينفذها المستوطنون بحق التجمعات البدوية، لا سيما عرب المليحات، تأتي في سياق الضغط المستمر لإجبار السكان على الرحيل القسري.
ويؤكد بريجية أن ما يحدث في الأغوار و(E1) ليس أحداثًا معزولة، بل جزء من مشروع استيطاني متكامل يستهدف تغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي للمنطقة بشكل دائم.
قضم الأراضي تحت ذرائع أمنية..
يؤكد الخبير المختص بشؤون الأراضي والاستيطان عبد الهادي حنتش أن سعي الاحتلال الإسرائيلي لإقامة جدار في منطقة الأغوار بذريعة منع تهريب السلاح إلى الضفة الغربية هو ادعاء "كاذب وغير واقعي"، مشددًا على أن ما يجري يأتي في سياق مخطط استراتيجي قديم يستهدف السيطرة على الأرض الفلسطينية وتفريغها من سكانها، وليس له أي علاقة باعتبارات أمنية حقيقية.
ويوضح حنتش أن إسرائيل دأبت منذ سنوات طويلة على التصريح بأن منطقة الأغوار ستبقى جزءًا لا يتجزأ من السيطرة الإسرائيلية، حتى في حال التوصل إلى أي تسوية سياسية، باعتبارها منطقة ذات أهمية أمنية واستراتيجية.
ويشير حنتش إلى أنه في ظل المعطيات الراهنة، يستبعد الحديث عن عملية سلام، معتبرًا أن الاحتلال يستغل هذا الواقع لفرض وقائع دائمة على الأرض عبر قضم مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية تحت ذرائع أمنية واهية.
السيطرة على مصادر المياه..
ويشير حنتش إلى أن من بين الأهداف المركزية للاحتلال في الأغوار السيطرة على مصادر المياه، مؤكدًا أن المياه تشكل عنصرًا أساسيًا في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
ويلفت حنتش إلى أن سياسات الاحتلال تترافق مع تفريغ منهجي لمنطقة الأغوار من سكانها الفلسطينيين، عبر تهجيرهم القسري، وإطلاق يد المستوطنين، لا سيما في الاستيطان الرعوي، لفرض واقع طارد على الأرض.
امتداد لخطة "ألون"..
ويبيّن حنتش أن هذه السياسات ليست طارئة، بل تعود في جذورها إلى "خطة ألون" التي أُقرت عام 1970، والتي تقضي بمصادرة شريط واسع من الأراضي الفلسطينية بمحاذاة نهر الأردن والبحر الميت، بعرض يتراوح بين 13 و15 كيلومترًا.
ويؤكد حنتش أن هذه الخطة تقوم على تنفيذ مراحل متتالية من الفصل والسيطرة، من بينها فصل مدينة القدس عن محيطها الطبيعي في الضفة الغربية، موضحاً أن الاحتلال ينفذ هذه المخططات تدريجيًا وبصورة قد لا تكون ظاهرة في كل مرحلة على حدة، لكنها تشكل في مجموعها مشروعًا متكاملًا للسيطرة.
ويرى حنتش أن الإعلان عن إقامة الجدار في الأغوار يمثل إحدى حلقات تنفيذ خطة "ألون"، الهادفة إلى إحكام السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الفلسطينية، خصوصًا في المناطق الغنية بالمياه والموارد الطبيعية.
تصعيد متوقع..
ويحذر حنتش من أن المرحلة المقبلة ستشهد تصعيدًا ملحوظًا ضد التجمعات البدوية والأراضي الفلسطينية، في إطار خطة إسرائيلية تقوم على مسارين متوازيين.
ويبيّن حنتش أن المسار الأول يتمثل في بسط السيطرة الكاملة على المناطق المصنفة (ج)، التي جرى توصيفها في اتفاقية أوسلو كمناطق "فارغة"، وهو توصيف غير صحيح، نظرًا لوجود تجمعات سكانية فلسطينية فيها.
أما المسار الثاني، وفق حنتش، فيتمثل في طرد السكان الفلسطينيين من هذه المناطق، ما يؤكد أن الهدف الحقيقي هو تفريغها من أهلها.
ويشير حنتش إلى ما يجري في جنوب وجنوب شرق محافظة الخليل، حيث أصبحت قرى فلسطينية محاصرة بين المستوطنات والبؤر الاستيطانية من جهة، والخط الأخضر من جهة أخرى، ما يجعل سكانها عرضة دائمة للاعتداءات ومنع الوصول إلى مصادر المياه، يأتي في إطار سياسة ضغط ممنهجة لإجبارهم على الرحيل.
ويؤكد حنتش أن الاحتلال أطلق العنان للمستوطنين بشكل غير مسبوق، وأن قواته باتت توفر لهم الحماية أثناء اعتداءاتهم على المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم، في مؤشر واضح على تصعيد قادم يستهدف الأرض والإنسان الفلسطيني معًا.
حسم مباشر وكامل..
يوضح الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن إسرائيل تمضي في هذه المرحلة نحو عملية "حسم مباشر وكامل" لشكل وطبيعة حدودها المستقبلية، من خلال تسريع إقامة جدران فصل عنصري، وعلى رأسها الجدار الجاري العمل عليه في منطقة الأغوار، باعتباره تجسيدًا ماديًا للحدود التي تريد إسرائيل تكريسها لما تسميه "الدولة اليهودية".
ويرى بشارات أن الاندفاع الإسرائيلي المتسارع نحو ضم الأراضي، وفرض السيطرة والسيادة الإسرائيلية عليها، يعكس رغبة واضحة في إبراز ملامح هذه الحدود على الخارطة السياسية والأمنية والعسكرية، مشددًا على أنه لا يمكن فصل بناء الجدار في الأغوار، بذريعة منع تهريب السلاح، عن مشروع إسرائيلي ممتد منذ عقدين لإعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية بما يخدم الرؤية الإسرائيلية للدولة وحدودها المستقبلية.
إلباس المشاريع التوسعية غطلء أمنياً..
ويبيّن بشارات أن إسرائيل اعتادت إلباس مشاريعها التوسعية غطاءً أمنيًا، حيث تحرص دائمًا على تقديم البعد الأمني باعتباره المحرك الرئيسي لكل تحركاتها، سواء تعلّق الأمر بمشاريع توسع، أو فرض وقائع جديدة، أو تغيير شكل السيطرة على الأرض.
ويشير بشارات إلى أن إسرائيل تستخدم قضية "تهريب السلاح" إلى الضفة الغربية كذريعة مركزية لتبرير خطواتها الميدانية والسياسية.
ويؤكد بشارات أن الحدود في منطقة الأغوار ليست جديدة أو طارئة، بل هي حدود تاريخية قائمة منذ عقود، متسائلًا عن أسباب تصويرها اليوم باعتبارها مصدر تهديد أمني متفاقم. ويلفت بشارات إلى أن تقديرات عديدة تشير إلى أن حجم التهريب الفعلي أقل بكثير مما تروّج له إسرائيل، معتبرًا أن هناك تضخيمًا متعمدًا للمخاطر الأمنية بهدف شرعنة التحرك السياسي والعسكري الهادف إلى تعزيز السيطرة وفرض الحدود الإسرائيلية على حساب الوجود الفلسطيني.
ويؤكد بشارات أن هذا التحرك لا يقتصر على البعد الأمني، بل يشكل جزءًا من وضع "اللمسات الأخيرة" على شكل وحدود الدولة اليهودية المستقبلية، عبر اقتطاع الأرض الفلسطينية، وتقليص الحيز الجغرافي المتاح للفلسطينيين، وتحويل وجودهم إلى وجود هش ومحدود.
تناغم بين الجدار واعتداءات المستوطنين..
ويربط بشارات بين بناء الجدار في الأغوار وتصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، معتبرًا أن هناك حالة تناغم وتكامل واضحة بين السلوك الأمني والعسكري الإسرائيلي، وبين ممارسات المستوطنين على الأرض.
ويوضح بشارات أن المستوطنين يتحركون ضمن خطة موازية ومكملة للخطة الرسمية، تقوم على فرض الوقائع، وتهجير الفلسطينيين، وتعزيز السيطرة الاستيطانية، في ظل حماية مباشرة أو غير مباشرة من الجيش الإسرائيلي.
ويرى بشارات أن هذا التقاطع بين المؤسستين العسكرية والاستيطانية ليس عرضيًا، بل يعكس رؤية استراتيجية واحدة، حيث يعزز كل طرف دور الآخر، وصولًا إلى مرحلة تهدف إلى فرض سيطرة إسرائيلية شبه كاملة على الضفة الغربية.
وفي المقابل، يوضح بشارات أنه يجري دفع الوجود الفلسطيني نحو التفكك والتجزئة، وتحويله إلى تجمعات محاصرة ومفككة، ضمن نطاقات جغرافية ضيقة تستطيع إسرائيل التحكم بها بسهولة، دون أن تشكل عبئًا سياسيًا أو أمنيًا أو عسكريًا عليها في المستقبل.
المصدر:
القدس