تشهد الساحة السورية تحولات متسارعة تعيد رسم ملامح المشهد السياسي والأمني بعد عقود من الصراع والعزلة، إذ تتقاطع الخطوات الجريئة لترتيب البيت الداخلي وبسط سيادة الدولة مع انفراجة دبلوماسية دولية طال انتظارها، لتضع البلاد أمام منعطف تاريخي ينهي زمن التشكيلات العسكرية الموازية ويؤسس لشراكة وطنية جديدة.
أعلنت قوات سوريا الديمقراطية، بقيادة الأكراد، حلّ التنظيم رسمياً، حيث أعلن القائد العام مظلوم عبدي، من دمشق، "نهاية مهمة قوات سوريا الديمقراطية ". وجاء في بيانه: "بعد التشاور مع الرئيس أحمد الشرع ، واستكمال دمج القوات المسلحة في الجيش السوري، نعلن انتهاء المهمة العسكرية لقوات سوريا الديمقراطية، ونعلن، بكل مسؤولية، حلّها كقوة عسكرية مستقلة".
ولعبت "قوات سوريا الديمقراطية" لسنوات دوراً محورياً في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) حسب تقرير لموقع "تاغس شاو" الألماني، وكانت تُعتبر حليفاً وثيقاً للولايات المتحدة في المنطقة وتقود المواجهة ضد التنظيم في سوريا.
وفي إحدى المراحل، بلغ قوامها نحو 100 ألف مقاتل من الأكراد والعرب، حيث بسطت سيطرتها لسنوات على مساحات واسعة في شمال شرق سوريا وأقامت فيها إدارة ذاتية.
بعد الإطاحة بالأسد ، توجهت الولايات المتحدة للتنسيق مع القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، الذي أوضح بشكل قاطع عدم القبول بوجود جيش موازٍ أو حركات انفصالية داخل البلاد.
وشهدت بداية العام مواجهات ضارية، تراجعت على إثرها قوات سوريا الديمقراطية، لتوافق في نهاية المطاف على اتفاق يقضي بدمج الإدارة والمقاتلين بالكامل ضمن مؤسسات وجهاز الدولة السورية.
ويُعد هذا الإعلان خطوة حاسمة لتنفيذ بنود الاتفاق، حيث صرّح مظلوم عبدي موضحاً: "نريد أن يُمثّل هذا اليوم بداية انتقال حقيقي من ساحات القتال إلى مواقع البناء، ومن زمن الحرب إلى زمن السلام".
حصل الأكراد على ضمانات واسعة لحقوق الأقليات من الرئيس السوري أحمد الشرع حسب موقع "تاغس شاو" الألماني، حيث يطالبون بتدريس اللغة الكردية في المدارس وتثبيت حقوق المكونات في الدستور الجديد، فيما أكد الزعيم الكردي السوري أن نضال الشعب الكردي من أجل حقوقه سيستمر عبر المسار السياسي والدستوري، بوصفهم أكبر أقلية عرقية في سوريا .
ورحبت الإدارة الأمريكية بهذه الخطوة، إذ اعتبر المبعوث الأمريكي الخاص، توم باراك، أن حل القوات يمثل النموذج لـ "الاندماج الحقيقي".
وتزامن ذلك مع قرار تاريخي من الولايات المتحدة برفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب المدرجة عليها منذ عام 1979، مما يمهد لعودة المعاملات البنكية وتدفق الاستثمارات الدولية للمساهمة في إعادة الإعمار والتنمية.
وعلّق الرئيس أحمد الشرع قائلاً: "اليوم، تتخلص سوريا من عبء ثقيل، وتطوي صفحة مؤلمة من ماضيها، لتنطلق في مسيرة التنمية وإعادة الإعمار والتجديد".
وعلى الرغم من هذا التقدم الداخلي والانفتاح الدولي، لا تزال التحديات الخارجية والتوترات الإقليمية تلقي بظلالها على المشهد، إذ شنت إسرائيل مؤخراً ضربات طالت أهدافاً متعددة داخل الأراضي السورية ، بينها قاعدة عسكرية قرب الحدود التركية، في ظل استمرار التنافس والتوتر الإقليمي بشأن التوازنات المستقبلية في البلاد، فضلاً عن تحديات أمنية متفرقة تسعى دمشق لتجاوزها لتثبيت ركائز المرحلة الانتقالية.
تحرير: عادل الشروعات
المصدر:
DW