تكشف أحدث بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة ( فاو) والأمم المتحدة كيف تنتج المنطقة العربية 6 ملايين طن من فاكهة البطيخ تحت ضغط الحرارة والجفاف، ولماذا لا تعني وفرة المحصول بالضرورة قوة في التصدير؟
وفي موسم صيفي تحضر فيه شرائح البطيخ الباردة على موائد سكان المنطقة العربية والعالم، تكشف الأرقام أن الحضور العربي يتجاوز الاستهلاك المحلي إلى مواقع متقدمة في الخريطة العالمية، إذ جاءت الجزائر رابعة بين أكبر المنتجين بينما حل المغرب سادسا بين المصدرين، وفق قواعد بيانات الفاو والأمم المتحدة.
وبلغ إنتاج 20 دولة عربية تتوافر عنها بيانات في قاعدة بيانات فاو نحو 6.02 ملايين طن، أي 5.7% من الإنتاج العالمي البالغ 104.96 ملايين طن، واستحوذت الجزائر وحدها على 41.9% من محصول العرب.
ولم تبدأ علاقة المنطقة بالبطيخ حديثا، فقد حللت دراسة أجراها فريق بقيادة أوسكار أليخاندرو بيريز-إسكوبار من الحدائق النباتية الملكية جينومية (مركز للأبحاث النباتية والفطرية) بذورا عمرها نحو 6 آلاف عام من ليبيا وأخرى عمرها 3300 عام من شمال السودان، وأشارت إلى أن أقدم الثمار كانت تُجمع على الأرجح من أجل بذورها قبل ظهور اللب الحلو المعروف حاليا، كما تربط الدراسة أقرب الأسلاف البرية ببطيخ كردفان السوداني.
تنتشر زراعة البطيخ من السواحل المتوسطية إلى الواحات والحقول الصحراوية بالمنطقة العربية، وهو محصول سنوي زاحف محب للدفء، ويُزرع بالبذور مباشرة أو الشتلات، ويفضل التربة العميقة الخفيفة جيدة الصرف. وتحتاج النباتات إلى رطوبة منتظمة عند التأسيس والإزهار وعقد الثمار وتضخمها، لذلك ترتبط الزراعة التجارية في البيئات الجافة بإدارة الري، لا بحرارة الجو وحدها حسب فاو.
وتختلف ظروف الحقل داخل المنطقة نفسها، فسواحل شمال أفريقيا تجمع بين شتاء معتدل رطب وصيف حار جاف، بينما تسود الحرارة الشديدة وقلة المطر داخل الصحراء وفي معظم شبه الجزيرة العربية.
وعلى المائدة، يمنح ارتفاع محتوى البطيخ من الماء الثمرة ميزتها الأوضح في الأيام الحارة، إذ يضيف سوائل إلى الغذاء ويقدم في الوقت نفسه فيتاميني "إيه" و"سي" والبوتاسيوم، مع كثافة سعرات حرارية منخفضة نسبيا، ويبقى الاعتدال مهما، لأن مذاقه الحلو يأتي أيضا من سكريات طبيعية، وفق وزارة الزراعة الأمريكية.
ويأتي اللون الأحمر من الليكوبين، وهو صبغة كاروتينية ذات نشاط مضاد للأكسدة، ووجدت بحوث وزارة الزراعة الأمريكية أن الأصناف حمراء اللب تحتوي على أعلى مستوياته، وبكميات تقارب أو تتجاوز بعض أصناف الطماطم، وأن الجسم يستطيع امتصاصه من عصير البطيخ، ولا تحتوي الأصناف الصفراء والبرتقالية على المستوى نفسه.
وحسب دراسة أجراها فريق بحثي مشترك من عدة جهات أكاديمية وحكومية أمريكية، يحتوي البطيخ كذلك على السيترولين الذي يحوله الجسم إلى الأرجينين، وهو أحد مدخلات إنتاج أكسيد النيتريك المنظم لاسترخاء الأوعية. وأظهرت تجربة بشرية ارتفاع الأرجينين في الدم بعد استهلاك عصير البطيخ، كما رصدت مراجعة لتجارب عشوائية تحسنا في بعض مؤشرات الخطر القلبي الوعائي، غير أنه يقال إن هذه النتائج لا تجعل الثمرة علاجا لارتفاع ضغط الدم أو بديلا عن الدواء.
وتكشف القوائم الأحدث فجوة واضحة بين الإنتاج والتصدير، فبعض الدول تحصد ملايين الأطنان ولا تظهر بين كبار المصدرين، في حين تتقدم مراكز تجارة وتوزيع لا تنتمي إلى قائمة كبار المنتجين، لأن رقم الإنتاج يقيس ما يُحصد داخل البلد، بينما تقيس التجارة ما يعبر حدوده.
ارتفع الإنتاج العالمي من البطيخ بنحو 0.5% عام 2024 مقارنة بعام مضى، ليصل إلى 104.96 ملايين طن، حسب قواعد بيانات فاو، وجاء أكثر 60.5% من الإنتاج من بر الصين الرئيسي وحده (مصطلح يطلق على مناطق الصين باستثناء هونغ كونغ وماكاو وجزيرة تايوان)، وجاء أكبر المنتجين كالتالي:
وجمعت الدول العشر الأولى 82.92 مليون طن، بما يعادل 79% من الإنتاج العالمي.
عربيا، تتصدر الجزائر بفارق واسع، إذ يزيد إنتاجها على مجموع إنتاج مصر والسعودية وتونس والمغرب معا، وتأتي مصر ثانية عربيا بنحو 712.5 ألف طن، ثم السعودية بنحو 608.5 آلاف طن، في حين تحتل تونس والمغرب المركزين الرابع والخامس.
وجاء أكبر المنتجين العرب كالتالي:
لا يساوي حب البطيخ للحرارة حصانة من المناخ الأكثر قسوة، فقد كان 2024 العام الأشد حرارة في السجلات بالمنطقة العربية، وسجلت الجزائر والمغرب وتونس أحر أعوامها، وبلغ ارتفاع الحرارة في الجزائر 1.64 درجة مئوية فوق متوسط 1991-2020.
وفي الوقت نفسه، هبطت الأمطار في أجزاء واسعة من شمال أفريقيا بنحو 40% عن المتوسط، ودخل شمال غرب القارة عامه السادس على التوالي من الجفاف، حسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية.
ويصبح نقص الماء أشد كلفة على البطيخ من التزهير حتى الحصاد، وهي الفترة التي تصنفها فاو مرحلة حرجة للإجهاد المائي، ويسمح نظام التنقيط الجيد بإيصال كميات صغيرة ومتكررة إلى منطقة الجذور، مما يرفع كفاءة نقل المياه وتوزيعها ويقلل الفاقد مقارنة بري الحقل على دفعات كبيرة.
وحسب وزارة الزراعة الأمريكية لا تتعلق المشكلة بكمية المياه وحدها، إذ يضيف ارتفاع ملوحة التربة أو مياه الري ضغطا آخر على المحصول، وفي تجربة حقلية نشرتها الوزارة نفسها عام 2026، تراجعت صحة نباتات البطيخ عند جميع مستويات الملوحة المختبرة، وبلغ متوسط التراجع 30% عند أعلى مستوى، رغم تطعيم النباتات على أصول تستخدم لمقاومة ضغوط زراعية أخرى.
تتغير الخريطة عندما يُقاس البطيخ الذي يعبر الحدود، فقد بلغت القيمة المجمعة لصادرات 104 اقتصادات تظهر بياناتها لعام 2024 في قاعدة الأمم المتحدة نحو 2.15 مليار دولار من البطيخ.
وتعد بيانات عام 2024 الأحدث التي تصدرها الأمم المتحدة لقيمة الصادرات، وهذه قائمة الأكثر تصديرا:
واستحوذت إسبانيا على 26.1% من القيمة المجمعة للصادرات العالمية، بينما جاءت الصين (صاحبة أكبر محصول بفارق هائل) في المركز التاسع تصديريا، كما حلت هولندا خامسة رغم أنها ليست بين كبار المنتجين، وهو ما يشير إلى دورها كمركز للتوزيع وإعادة التصدير داخل أوروبا، وفق فاو والبيانات الأممية.
يتقدم المغرب على بقية الدول العربية في تجارة البطيخ خلال 2024، فحل سادسا عالميا وتصدر عربيا بما قيمته 94.04 مليون دولار، ومثلت المملكة 67.8% من قيمة صادرات الدول العربية التي تظهر بياناتها في القاعدة لذلك العام.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة