تناولت صحيفة غارديان في تحليل لأزمة مدينة سبتة -الخاضعة للسيادة الإسبانية والواقعة في شمال أفريقيا- باعتبارها أكثر من مجرد أزمة هجرة، إذ تراها اختبارا سياسيا يكشف الضغوط التي يواجهها رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بسبب مواقفه الخارجية المستقلة، وبسبب التحولات السياسية داخل أوروبا نحو اليمين.
وقد أثار وصول آلاف المهاجرين إلى سبتة -حسب الصحيفة- موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط اليمينية المتطرفة في أوروبا، كما دفع عددا من القادة الأوروبيين إلى توجيه انتقادات مباشرة لسياسة سانشيز في ملف الهجرة.
وقد وقّع 22 رئيس حكومة أوروبيا رسالة انتقدوا فيها ما اعتبروه سياسات إسبانية قد تشجع تدفقات المهاجرين، في موقف رأت فيه مدريد غيابا للتضامن الأوروبي مع دولة عضو تواجه أزمة على حدودها.
ورد سانشيز على هذه الانتقادات باتهام بعض القادة الأوروبيين بنشر الأحكام المسبقة والمعلومات المضللة، معتبرا أن الهجوم على إسبانيا يعكس تحولا سياسيا داخل الاتحاد الأوروبي، حيث أصبحت قضايا الهجرة أداة رئيسية لصعود الأحزاب اليمينية والشعبوية.
لكن الصحيفة تشير إلى وجود ما تصفه بالتناقض في سياسة سانشيز، إذ إنه رغم مواقفه المبدئية تجاه قضايا مثل فلسطين وأوكرانيا وإيران، فإنه اختار نهجا أكثر براغماتية في علاقته مع المغرب، خصوصا في ملف الصحراء الغربية، إذ دعمت مدريد موقف الرباط بشأن منح الإقليم حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية.
وتعتبر الصحيفة أن أزمة سبتة أعادت طرح السؤال بشأن جدوى سياسة التقارب مع المغرب، بعدما تبين أن ملف الهجرة لا يزال يمثل ورقة ضغط قوية قد تستخدمها الرباط في علاقاتها مع إسبانيا.
اليمين الأمريكي والتيارات القريبة من ترمب لم تخفِ دعمها للمطالب المغربية المتعلقة بسبتة ومليلية، وهو ما يزيد الضغوط السياسية على حكومة سانشيز
واستحضرت غارديان أزمة عام 2021، عندما دخل آلاف المهاجرين إلى سبتة، فوقف الاتحاد الأوروبي حينها -بشكل أكثر وضوحا- إلى جانب إسبانيا، أما في الأزمة الأخيرة فقد تركز جزء كبير من النقاش الأوروبي على انتقاد حكومة سانشيز، بدلا من تقديم الدعم لها.
كما ربطت الصحيفة بين الأزمة والتوتر المتزايد في العلاقات بين مدريد وواشنطن، لأن رفض إسبانيا السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها العسكرية خلال الحرب على إيران -إضافة إلى مواقف سانشيز المنتقدة لسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب– أدى إلى تراجع العلاقات بين البلدين.
وترى غارديان أن اليمين الأمريكي والتيارات القريبة من ترمب لم تخفِ دعمها للمطالب المغربية المتعلقة بسبتة ومليلية، وهو ما يزيد الضغوط السياسية على حكومة سانشيز.
وفي الداخل الإسباني، يواجه رئيس الوزراء تهديدا متزايدا من حزب فوكس اليميني المتطرف الذي أصبح من أسرع الأحزاب نموا في البلاد، وترى الصحيفة أنه قد يستفيد من أزمة الهجرة لتقوية موقعه السياسي قبل الانتخابات المقبلة، مستفيدا من خطابه المتشدد بشأن الأمن والهجرة.
وفي مواجهة هذه الضغوط، اختار سانشيز احتواء الأزمة مع المغرب بدلا من التصعيد، حيث أُعيد معظم المهاجرين الذين دخلوا سبتة بسرعة إلى المغرب، ولكن هذا النهج واجه انتقادات من حلفائه اليساريين، الذين يطالبون بسياسة أكثر صرامة تجاه الرباط.
وخلصت غارديان إلى أن أزمة سبتة تكشف التحديات التي تواجه مشروع سانشيز السياسي القائم على تعزيز استقلالية القرار الإسباني عن القوى الكبرى، لأن الرجل -الذي حاول تقديم إسبانيا كقوة أوروبية ذات صوت مستقل- يجد نفسه الآن بين ضغوط الولايات المتحدة، ونفوذ المغرب، وصعود اليمين المتطرف داخليا.
وبحسب الصحيفة، فإن أزمة سبتة ليست فقط أزمة حدود أو هجرة، بل هي انعكاس لصراع أوسع بشأن مستقبل أوروبا، وحدود قدرة الدول المتوسطة على اتباع سياسة خارجية مستقلة في عالم تزداد فيه المنافسة بين القوى الكبرى.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة