غالبا ما يستحضر الباحثون اتفاقية سايكس- بيكو عام 1916 بوصفها أحد أخطر المنعطفات في التاريخ الحديث للمشرق العربي، الذي تعرض للتجزئة بين فرنسا وبريطانيا بعد انهيار الدولة العثمانية.
ولم تكن الاتفاقية مجرد تقسيم اعتباطي على الورق، بل كانت خطة استعمارية لتطويع الجغرافيا العربية، وإعادة رسم الخريطة السياسية في المنطقة بما يخدم مصالح القوى الأوروبية. وهي بذلك أرست أسس الحدود القُطْرية الحديثة دون مراعاة للتكوين العرقي والثقافي المحلي.
بيد أن كثيرين لا يعرفون أن المغرب لم يكن معنيا مباشرة بتلك الاتفاقية، وأن هناك مسارا خاصا به شمل اتفاقيات بين القوى الاستعمارية سبقت "سايكس بيكو" لتقسيم المغرب (أو المملكة الشريفة كما كانت تسمى في الوثائق الأجنبية آنذاك)، وأن الكثيرين أيضا لا يدركون أن تلك الاتفاقيات لا تزال مؤثرة في تعامل بعض القوى الأوروبية مع المغرب على أكثر من مستوى.
لقد اكتسب المغرب أهمية إستراتيجية كبرى بحكم موقعه المطل على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي وقربه من مضيق جبل طارق، فضلا عن كونه من آخر المجالات الكبرى في شمال أفريقيا التي لم تخضع بعد للاحتلال المباشر.
لذلك أصبح، مع مطلع القرن الـ20، محورا لتنافس استعماري حاد، اتخذ في البداية شكل اتفاقات ثنائية وترتيبات دبلوماسية حول النفوذ والمصالح، قبل أن ينتهي إلى فرض نظام الحماية عام 1912.
وهكذا، إذا كانت اتفاقية "سايكس- بيكو" قد مثلت نموذجا لتقسيم المشرق العربي، فإن الاتفاقات الفرنسية الإسبانية حول المغرب تكشف عن نموذج آخر سابق لتدبير المجال المغربي وفق مصالح استعمارية متداخلة.
ومن هنا نطرح السؤال الآتي: كيف أسهمت الاتفاقات الفرنسية الإسبانية، وخاصة اتفاق 1904، في تحويل "المسألة المغربية" من قضية سيادة دولة مستقلة إلى موضوع للتقاسم والتدويل والحماية؟
اكتسب المغرب أهمية إستراتيجية كبرى بحكم موقعه المطل على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي وقربه من مضيق جبل طارق، فضلا عن كونه من آخر المجالات الكبرى في شمال أفريقيا التي لم تخضع بعد للاحتلال المباشر
لكن أطماعهم جعلت الأمر موضوع صراع مرير واصطدامات أدت إلى اتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف، وإلى تقسيم المناطق الأفريقية بناء على أطماع اقتصادية، ووفق حدود مصطنعة، تتجاهل الحقائق الإثنية والدينية والثقافية والاجتماعية للسكان الأفارقة. وهي آثار لا تزال قائمة في الواقع السياسي والاجتماعي الأفريقي.
ويعترف الكتاب الأوروبيون بأن كثيرا من حالات الاضطراب والنزاع التي تعيشها أفريقيا هي نتيجة لتلك المرحلة المحورية في الاستعمار الأوروبي للقارة.
حاول المغرب (المملكة الشريفة) بشتى الطرق – وعيا منه بأطماع القوى الاستعمارية- مقاومة تلك الأطماع، وخصوصا من خلال محاولة تأليب بعض الدول الأوروبية ضد بعضه الآخر، وعقد اتفاقيات متعددة وخصوصا مع بريطانيا وألمانيا، لكنه لم يتمكن- مع الضعف الداخلي العام والأزمة المالية التي واجهته- من مقاومة الضغوط المختلفة بشكل فعال.
وقد طُرحت مسألة تقسيم المغرب لأول مرة على الساحة الدولية في مؤتمر مدريد عام 1880 تحت مسمى "المسألة المغربية"، وازداد الإلحاح عليها مع ازدياد التنافس بين القوى الأوروبية وخصوصا مع حاجة إسبانيا إلى تعويض- ولو رمزيا- عن خسارة آخر أراضيها فيما وراء البحار في أعقاب هزيمتها المدوية في الحرب الإسبانية الأمريكية عام 1898، أو ما يسمى في الأدبيات الإسبانية كارثة 1898.
ومع مطلع القرن الـ20، ظل المغرب من بين الأراضي القليلة في شمال أفريقيا التي لم تخضع بعدُ للسيطرة الاستعمارية الأوروبية المباشرة.
ورغم استقلال السلطنة المغربية اسميا، فإنها واجهت عدم استقرار داخلي، وضغوطا خارجية متزايدة من القوى الأوروبية الساعية إلى الوصول التجاري، وتحقيق ميزات إستراتيجية، والتوسع الإقليمي.
كما كان موقع المغرب الجغرافي- الذي يُسيطر على مداخل البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي- هدفا مستمرا في سياق التنافس المحموم على أفريقيا.
وقد كان هذا الهدف الاستعماري معلنا ومتفقا عليه، ومصرحا به في الوثائق الرسمية وكتابات مؤرخي تلك الدول. بل ذهبت دراسة إسبانية إلى تفسير ما كان يُسمى بـ"المسألة المغربية"، بقولها: "أي تقسيم أراضيها، وهو ما حددته الإمبريالية الأوروبية كهدفها المباشر في مطلع القرن الـ20".
مع مطلع القرن الـ20، ظل المغرب من بين الأراضي القليلة في شمال أفريقيا التي لم تخضع بعدُ للسيطرة الاستعمارية الأوروبية المباشرة
لما اشتد النزاع بين الدول الأوروبية (فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا)، لجأت من أجل تجاوز خلافاتها إلى عقد اتفاقيات ثنائية لتقاسم المناطق المستهدفة.
فعقدت فرنسا اتفاقات ثنائية مع تلك الدول؛ بغية تسوية خلافاتها معها والاستفراد بالمغرب، فتبادلت من خلالها المصالح مع إيطاليا حول ليبيا (ديسمبر/كانون الأول 1900، ثم في نوفمبر/تشرين الثاني 1902)، وسوت الخلافات الاستعمارية مع بريطانيا العظمى بتخليها عن مصر للنفوذ البريطاني (أكتوبر/تشرين الأول 1904)، مقابل دعم بريطانيا للأطماع الفرنسية في المغرب.
لكن بريطانيا أصرت على منع أي قوة منافسة من السيطرة على مضيق جبل طارق؛ لضمان الحفاظ على تفوقها البحري في البحر الأبيض المتوسط.
وهذا ما يفسر الحفاظ بعد ذلك على مدينة طنجة منطقة دولية. فقد سارعت بريطانيا إلى احتلالها سنة 1904، وأطلقت عليها اسم "طنجة البريطانية"، وخصوصا مع فشل مؤتمر الجزيرة الخضراء في حسم موضوعها.
وعادت الدول الأوروبية إلى التفاوض في باريس عام 1923، وأقرّت ما أطلق عليه "بروتوكول طنجة"، الذي جعل من المدينة منطقة دولية تُدار بشكل مشترك، تحت إشراف لجنة متعددة الجنسيات، مع احتفاظ سلطان المغرب بسيادته على المنطقة وبالإشراف على وظيفة القضاء بين السكان الأصليين للمدينة.
أما ألمانيا فقد نظرت إلى المغرب بوصفه حالة اختبار لمكانتها بوصفها قوة عظمى، واستاءت من استبعادها من الترتيبات الاستعمارية بين فرنسا والدول الأخرى.
وتذبذبت السياسة الألمانية بين المطالبة بتكافؤ الفرص التجارية (ما سمي آنذاك بسياسة "الباب المفتوح")، والسعي إلى تعويضات إقليمية في مناطق أخرى من أفريقيا.
وفي هذا السياق كان الاتفاق الفرنسي الألماني لعام 1911 والمعروف باسم "اتفاقية المغرب- الكونغو". وقد وُقّع لإنهاء "أزمة أكادير"، عندما أرسلت ألمانيا طرادا بحريا إلى ميناء أكادير، مهددة بالتدخل العسكري لوقف التوسع الفرنسي.
وقد نص الاتفاق على تخلي ألمانيا عن أطماعها في المغرب لصالح فرنسا، مقابل حصول هذه الأخيرة على أراضٍ شاسعة في أفريقيا الاستوائية (الكونغو الفرنسية).
لما اشتد النزاع بين الدول الأوروبية (فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا) لجأت من أجل تجاوز خلافاتها إلى عقد اتفاقيات ثنائية لتقاسم المناطق المستهدفة
كانت الاتفاقيات الثنائية السابقة تمهيدا لاستفراد كل من فرنسا وإسبانيا بتقاسم المغرب. وإعدادا لذلك صدر العديد من مذكرات التفاهم والاتفاقيات التي تعكس تنافسا شرسا بينهما، حيث كانت تصدر وثيقة جديدة كل سنة أو سنتين تقريبا ما بين 1900 و1912.
وقد تكون معاهدة باريس بين الدولتين، في يونيو/حزيران 1900، حلقة أولى ضمن مسار أوسع للتفكيك الاستعماري للمجال المغربي.
وقد حددت هذه المعاهدة الممتلكات الفرنسية والإسبانية على ساحل الصحراء وخليج غينيا، من دون أن توضح الحدود الشرقية والشمالية لما كان يُسمى "أفريقيا الغربية الفرنسية"، وهو ما يمس الحدود الجنوبية للمملكة المغربية. ثم بلغ هذا المسار ذروته مع اتفاق 1904، ثم مع نظام الحماية عام 1912.
بعد ذلك صدر الإعلان الفرنسي الإسباني في 3 أكتوبر/تشرين الأول 1904، ومعه الاتفاق السري الفرنسي الإسباني الذي وقع في التاريخ نفسه، لكنه لم ينشر إلا بعد ذلك بسنوات. وكان اتفاقا سريا لتقاسم مناطق النفوذ في المغرب بين الدولتين، فهو يحدد بالتفصيل مناطق نفوذ كل منهما في شمال المغرب ووسطه وجنوبه.
وقد استعملت تلك الاتفاقات والمعاهدات بوصفها مسلمات قانونية تُبرر التغيير في حدود المملكة المغربية، دون مساءلة خلفياتها الاستعمارية أو علاقتها بالسيادة المغربية.
كانت الاتفاقات الثنائية السابقة تمهيدا لاستفراد كل من فرنسا وإسبانيا بتقاسم المغرب. وإعدادا لذلك صدر العديد من مذكرات التفاهم والاتفاقيات التي تعكس تنافسا شرسا بينهما
عقدت كذلك عدة مؤتمرات دولية، نخص بالذكر منها ثلاثة مؤتمرات.
أولا: مؤتمر برلين ( 1884- 1885): وهو الذي وضع قواعد لصراع القوى الاستعمارية. وأضفت معاهدة 26 فبراير/شباط 1885 التي تمخضت عنه، الطابع "الرسمي" على تقسيم أفريقيا من قِبل القوى الأوروبية.
وتم وضع مبادئ عامة لمنع اصطدام القوى الاستعمارية فيما بينها، وذلك عقب مؤتمر استمر 104 أيام بمبادرة من المستشار الألماني أوتو فون بيسمارك. وما يهم المغرب في المعاهدة هو المادة (34)، التي تشترط الاحتلال الفعلي للمطالبة بأي أرض للاعتراف للمحتل بها.
ثانيا: مؤتمر مدريد (1880): انعقد بطلب من السلطان الحسن الأول للحد من التجاوزات الناتجة عن نظام "الحماية القنصلية" الذي استغله الأجانب وبعض الوسطاء المغاربة (السماسرة) للتهرب من الضرائب والقضاء المغربي.
لكن نتائجه جاءت مخيبة لآمال المغرب، حيث أسفر المؤتمر عن إضفاء الصبغة القانونية على حق الحماية وتوسيعه، مما أدى إلى التدخل في السيادة الوطنية.
ثالثا: مؤتمر الجزيرة الخضراء (يناير/كانون الثاني- أبريل/نيسان 1906): وفيه اجتمعت القوى الأوروبية (13 دولة) والولايات المتحدة لتسوية "الأزمة المغربية".
حيث جرى التأكيد على السيادة المغربية مع منح فرنسا أدوارا قيادية في مجالي الأمن والإدارة، والاتفاق على إدخال "إصلاحات" اقتصادية، وعلى المساواة الاقتصادية بين الدول المشاركة، وخفف بالتالي مؤقتا من حدة التوترات الفرنسية الألمانية التي كانت قوية في تلك الفترة.
غير أن النتيجة الواقعية للمؤتمر كانت إنشاءً فعليا لمحمية فرنسية إسبانية تحت رقابة دولية غامضة، مما أضر بسيادة المغرب، ومهّد الطريق على المدى المتوسط لاحتلال فرنسا وإسبانيا له، وتقاسم موارده بين القوى الأوروبية.
خُصت المملكة المغربية- بحكم موقعها الإستراتيجي ودورها التاريخي في المنطقة- بتركيز خاص، أدى إلى توترات بين تلك القوى، ثم تفاهمات واتفاقيات متتالية
هذا عرض مختصر- في حدود ما يسمح به المقام- لمؤامرة استعمارية، استمر التخطيط لها لعقود من الزمان على الأقل، بسبق إصرار وترصد.
ولا تكمن خطورة الاتفاقيات الفرنسية الإسبانية فقط في أنها مهدت للحماية، بل في أنها حولت السيادة المغربية من واقع تاريخي وسياسي إلى موضوع تفاوض بين قوى أجنبية.
وبذلك أصبحت حدود المغرب ووظائف الدولة ومجاله الإستراتيجي قضايا تدار في العواصم الأوروبية قبل أن تفرض على الأرض المغربية.
ومن مجمل ما مر نستخلص ما يلي:
1- إن تقسيم المملكة المغربية، في السياق العام لتقسيم أفريقيا، كان سياسة استعمارية معلنة، ومتفقا عليها بين القوى الاستعمارية.
2- خُصت المملكة المغربية- بحكم موقعها الإستراتيجي ودورها التاريخي في المنطقة- بتركيز خاص، أدى إلى توترات بين تلك القوى، ثم تفاهمات واتفاقيات متتالية.
3- اتفقت كل من فرنسا وإسبانيا على تقاسم المغرب، وكان ذلك موضوع معاهدات متتالية، ليس الاتفاق السري سنة 1904 إلا واحدا منها، وهو الذي حدد مناطق نفوذ كل واحدة من القوتين الاستعماريتين.
4- قاوم المغرب بشراسة تلك المؤامرات، لكن الضعف الداخلي ومحاصرة الدولتين الاستعماريتين له في الشمال والشرق والجنوب، أضعف موقفه أمامها.
5- أثرت تلك الاتفاقيات والواقع الذي أحدثته، على معركة المغرب من أجل استقلاله، فتحقق هذا الأخير على مراحل امتدت لعقود من الزمان، ولا يزال في خضم معركة محو آثار تلك السياسات الاستعمارية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة