آخر الأخبار

أزمة المقابر في غزة: نقص الأكفان وسوق سوداء للقبور

شارك

يواجه سكان قطاع غزة فصلاً جديداً من فصول المعاناة الإنسانية، حيث لم يعد الموت وحده هو الفاجعة، بل بات البحث عن موضع لدفن الجثامين معضلة يومية. في حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، تحولت الملاعب والساحات العامة إلى مقابر عشوائية مؤقتة، حيث يكتشف النازحون جثامين مدفونة تحت خيامهم، في مشهد يعكس حجم المأساة التي خلفها اجتياح جيش الاحتلال الإسرائيلي للمنطقة.

وتشير الشهادات الميدانية إلى أن العشوائية المفرطة في الدفن فرضتها ظروف الحرب وضيق المدافن الرئيسية التي وقع الكثير منها تحت سيطرة الاحتلال أو تعرض للتدمير المباشر. وقد اضطر الأهالي إلى تحويل ملاعب كرة القدم إلى مدافن جماعية تضم المئات، قبل أن يتم نقل بعضها لاحقاً إلى المقابر الرسمية، بينما بقيت جثامين أخرى مجهولة الهوية دون أن يتعرف عليها أحد.

ووثق المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان وجود نحو 30 مقبرة جماعية عشوائية كبرى تضم قرابة 3 آلاف جثمان في مختلف محافظات القطاع. بالإضافة إلى ذلك، استُحدثت أكثر من 120 مقبرة جماعية صغيرة دُفن في كل منها ثلاثة أفراد أو أكثر، نتيجة تعذر الوصول إلى المقابر المركزية بسبب القصف المستمر والحصار العسكري الخانق.

ويعزو مسؤولون في الخدمات الطبية ارتفاع أعداد الشهداء مجهولي الهوية إلى بشاعة الجرائم التي شملت التنكيل بالجثامين ونبش القبور وتجريفها من قبل آليات الاحتلال. كما أدت إبادة عائلات بأكملها إلى غياب أي قريب يمكنه التعرف على الضحايا، مما جعل مهمة التوثيق تزداد تعقيداً مع مرور الوقت في ظل نقص الإمكانيات الطبية اللازمة.

وفي مشرحة مجمع الشفاء الطبي، تتابع الجهات المختصة ملفات أكثر من 1000 جثمان مجهول الهوية، حيث يتم منح كل جثمان رقماً متسلسلاً وسجلاً يتضمن صوراً وعينات للحمض النووي. وتنتظر هذه العينات توفر المواد المخبرية الخاصة بفحص (DNA) التي يمنع الاحتلال دخولها، مما يحرم مئات العائلات من حق معرفة مصير أبنائهم المفقودين.

وتشير التقديرات الحكومية إلى أن عدد المفقودين تحت الأنقاض وفي الطرقات يصل إلى نحو 10 آلاف شخص، لا تزال جثامين معظمهم مجهولة المصير. وقد سلمت سلطات الاحتلال منذ اتفاق وقف إطلاق النار جثامين 480 شهيداً كانت تحتجزهم، إلا أن اللجان المختصة لم تتمكن من التعرف سوى على 110 جثامين منها بسبب تحلل الرفات وغياب المعلومات.

أزمة الدفن لم تتوقف عند المساحات، بل امتدت لتشمل الأكفان التي نفدت من الأسواق والمستشفيات بشكل شبه كامل. وأفادت مصادر طبية بأن الاحتلال يمنع دخول شحنات الأكفان القادمة من الضفة الغربية منذ أشهر، مما يضطر المكفنين إلى خياطة قطع قماش بدائية أو استخدام البطانيات لستر أجساد الشهداء قبل مواراتهم الثرى.

ملف الشهداء مجهولي الهوية يزداد تعقيداً مع مرور الوقت ويحتاج إلى توفر الكثير من المواد والمعدات والفحوصات لمحاولة التعرف عليهم.

ودفعت ندرة القبور العائلات إلى إعادة فتح قبور ذويها القديمة لدفن شهداء جدد، حيث بات القبر الواحد يضم أسماء عدة تفصل بين وفاتها سنوات طويلة. في مقبرة الشيخ رضوان، تكررت مشاهد دفن الأحفاد إلى جوار الأجداد في نفس اللحد، كخيار وحيد متاح أمام العائلات التي فقدت منازلها ومصادر رزقها ولا تملك ثمن شراء قبر جديد.

ونشأت في ظل هذه الأزمة سوق سوداء لبيع القبور، حيث استغل سماسرة ضيق المساحات لرفع الأسعار إلى مستويات فلكية وصلت إلى 500 دولار للقبر الواحد. هذا الواقع الجديد أثقل كاهل المواطنين الذين يعانون أصلاً من الفقر والنزوح، مما جعل الحصول على ستر للميت معركة لا تقل ضراوة عن معركة البقاء على قيد الحياة.

من جانبها، أكدت وزارة الأوقاف أن 62 مقبرة في القطاع خرجت عن الخدمة كلياً أو جزئياً بفعل الاستهداف المباشر أو وقوعها في مناطق عسكرية مغلقة. ورغم محاولات الوزارة إنشاء مقابر جديدة في دير البلح ومدينة غزة، إلا أن انعدام مواد البناء الأساسية مثل الإسمنت والحجارة يعيق إتمام هذه المشاريع الحيوية بشكل لائق.

ويلجأ القائمون على حفر القبور حالياً إلى استخدام حجارة مستخرجة من ركام المنازل المدمرة لسد الفراغات وتغطية اللحود، في ظل غياب الرخام والبلاط. وتُغطى بعض القبور بألواح من الصفيح أو الأخشاب المتهالكة، في محاولة أخيرة للحفاظ على حرمة الموتى وسط ركام الدمار الذي يلف قطاع غزة من شماله إلى جنوبه.

وتوضح إحصائيات وزارة الصحة أن حجم الكارثة يفوق قدرة المؤسسات المحلية على الاستيعاب، مع تجاوز عدد الشهداء حاجز 73 ألفاً. هذه الأعداد الهائلة وضعت المنظومة الصحية والخدماتية في حالة عجز تام، خاصة مع استمرار الحصار الذي يطال حتى مستلزمات الدفن والتوثيق الجنائي للضحايا.

إن مشهد القبور التي تحمل شواهدها أكثر من اسم، والملاعب التي تحولت إلى مدافن، يختصر حكاية الإبادة المستمرة في غزة. فالموت الذي يلاحق الأحياء في خيامهم وشوارعهم، يلاحقهم أيضاً في قبورهم التي لم تسلم من التجريف والنبش، ليصبح البحث عن "موت كريم" غاية صعبة المنال في ظل آلة الحرب.

ويبقى ملف المفقودين والشهداء مجهولي الهوية جرحاً نازفاً في ذاكرة الغزيين، بانتظار تدخل دولي يسمح بإدخال المعدات اللازمة للتعرف على الرفات. وحتى ذلك الحين، ستظل المقابر العشوائية وشواهد القبور الجماعية شاهدة على مرحلة هي الأقسى في تاريخ الشعب الفلسطيني، حيث اختلطت فيها دماء الأجيال في قبر واحد.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا