يفتتح الباحث د. صالح النعامي كتابه "معركة الوعي في استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي"، الصادر عن مركز الجزيرة للدراسات، بالقول إن إسرائيل لم تعد تنظر إلى الأمن القومي باعتباره نتاجًا للقوة العسكرية وحدها، وإنما أصبح مرتبطًا بقدرتها على تشكيل وعي الخصوم ووعي مجتمعها الداخلي معًا، بحيث تتحول معركة الإدراك إلى ميدان موازٍ للمعركة العسكرية، وربما يسبقها أو يحسم نتائجها.
ويبين المؤلف أن إسرائيل، منذ تأسيسها، عملت على بناء عناصر تفوقها العسكرية والسياسية والاقتصادية والديموغرافية، لكن التحولات التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة دفعتها إلى توسيع مفهوم القوة ليشمل التأثير في الوعي، باعتباره أحد أهم أدوات تحقيق الأمن القومي وتعزيز الردع وضمان استمرار الدولة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
ويشير الباحث إلى أن هذا التحول لم يكن مجرد تطور في الأدبيات العسكرية، بل أصبح جزءًا من التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، الذي يتعامل مع معركة الوعي باعتبارها عملية مستمرة تستهدف المجتمع الإسرائيلي، وخصومه، والبيئة الإقليمية، والرأي العام الدولي، من خلال توظيف الإعلام، والمعلومات، والدبلوماسية، والفضاء الرقمي، والعمليات النفسية، ضمن منظومة متكاملة تخدم الأهداف السياسية والعسكرية للدولة.
ويعلن المؤلف أن هدف الكتاب يتمثل في تقديم قراءة شاملة للأساس المفاهيمي الذي تستند إليه استراتيجية "معركة الوعي"، والكشف عن أهدافها وآلياتها، والمؤسسات التي تديرها، وكيفية تطبيقها عمليًا، ولا سيما خلال الحرب على غزة، مع إبراز مكانتها المتزايدة في العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
ويؤكد الباحث أن أهمية الكتاب لا تنبع من دراسة التجربة الإسرائيلية فحسب، بل أيضًا من محدودية الدراسات العربية التي تناولت عمليات التأثير في الوعي باعتبارها مكونًا من مكونات الأمن القومي، في وقت أصبحت فيه المعلومات والإعلام والفضاء الرقمي أدوات رئيسية في إدارة الصراعات الحديثة.
يبدأ الدكتور صالح النعامي الفصل الأول بوضع الأساس النظري لمفهوم "الوعي"، موضحًا أن السيطرة على وعي الخصم ليست فكرة حديثة، وإنما عرفتها الحضارات القديمة منذ قرون طويلة، واستشهد في ذلك بما أورده المفكر العسكري الصيني سون تزو، الذي اعتبر أن الانتصار الحقيقي هو كسر إرادة العدو دون قتال، ثم انتقل إلى كارل فون كلاوزفيتز، الذي ربط بين العمليات العسكرية والتأثير في الروح المعنوية للخصم، مؤكدًا أن تحطيم الإرادة القتالية لا يقل أهمية عن تدمير القوة العسكرية نفسها.
بعد ذلك يستعرض الباحث الإشكاليات العلمية المرتبطة بتعريف الوعي، مبينًا أن هذا المفهوم ظل محل اختلاف بين الفلسفة، وعلم النفس، وعلوم الأعصاب، وعلوم الإدراك، بسبب تعدد زوايا النظر إليه. ولذلك يعرض عددًا من التعريفات التي قدمها فلاسفة وعلماء نفس وباحثون في الإدراك، قبل أن يصل إلى أن الوعي يمثل الإطار الذي يدرك الإنسان من خلاله ذاته والعالم المحيط به، ويكوّن مواقفه ويحدد سلوكه.
ويرى المؤلف أن هذا التعقيد المفاهيمي لم يمنع الدول الكبرى من تحويل الوعي إلى هدف استراتيجي، لأن السلوك الإنساني يتحدد بدرجة كبيرة وفق ما يستقر في العقل من صور ومعلومات وقيم وانطباعات. ومن هنا أصبح التأثير في الوعي وسيلة للتأثير في القرار السياسي والاجتماعي والعسكري، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات أو الدول.
ثم ينتقل الباحث إلى مفهوم عمليات التأثير في الوعي، مبينًا أنها شهدت تطورًا كبيرًا مع الثورة الرقمية، وانتشار الإنترنت، ومنصات التواصل الاجتماعي، والذكاء الاصطناعي، والبيئة المعلوماتية الجديدة، التي وفرت إمكانات غير مسبوقة للوصول إلى الجماهير والتأثير في إدراكها بصورة مباشرة وسريعة وعلى نطاق عالمي. ويؤكد أن هذه البيئة الجديدة جعلت المعلومات نفسها سلاحًا من أسلحة الصراع، وأصبح إنتاج الرواية، وإدارة الصورة الذهنية، والتلاعب بالمعلومات، جزءًا من أدوات القوة الحديثة.
ويشير المؤلف إلى أن الانتشار الهائل لمنصات التواصل الاجتماعي غيّر قواعد التأثير، فلم تعد الحكومات وحدها تمتلك القدرة على تشكيل الرأي العام، بل ظهرت فواعل جديدة، وأصبحت الحملات الرقمية والرسائل الإعلامية الموجهة قادرة على الوصول إلى ملايين البشر خلال وقت قصير، وهو ما دفع المؤسسات العسكرية والأمنية إلى إعادة النظر في أدواتها التقليدية، وإدماج عمليات التأثير في الوعي ضمن خططها الاستراتيجية.
ويستعرض الباحث عددًا من التجارب الدولية التي تعكس هذا التحول، مبينًا أن الولايات المتحدة وروسيا والصين وغيرها من القوى الكبرى طورت خلال السنوات الأخيرة مؤسسات متخصصة في إدارة الفضاء المعلوماتي، وإنتاج الرسائل الموجهة، وخوض الحروب النفسية والإعلامية، باعتبارها امتدادًا للصراع السياسي والعسكري. كما يتوقف عند الجدل الذي أثارته اتهامات التدخل في الانتخابات الأمريكية، بوصفها مثالًا على انتقال الصراع إلى ميدان التأثير في الإدراك العام عبر الفضاء الرقمي.
ويخلص الباحث إلى أن معركة الوعي لم تعد نشاطًا إعلاميًا أو دعائيًا محدودًا، وإنما أصبحت عنصرًا بنيويًا في استراتيجيات الأمن القومي للدول، لأنها تستهدف إعادة تشكيل تصورات الخصوم والجماهير، والتأثير في اتجاهاتهم وقراراتهم، وتقليل قدرتهم على المقاومة، بما يخدم الأهداف السياسية والعسكرية للدولة.
خلاصة الفصل الأول
يؤسس الدكتور صالح النعامي في هذا الفصل للإطار النظري الذي يقوم عليه الكتاب كله، فيوضح مفهوم الوعي، ويشرح تطور عمليات التأثير فيه من الفكر العسكري الكلاسيكي إلى العصر الرقمي، مبينًا أن المعلومات والإعلام والفضاء الإلكتروني أصبحت أدوات استراتيجية لا تقل أهمية عن القوة العسكرية التقليدية. كما يخلص إلى أن السيطرة على الإدراك الجمعي باتت أحد أهم ميادين الصراع بين الدول، وهو ما يمهد للانتقال في الفصل التالي إلى كيفية دمج إسرائيل هذا المفهوم في عقيدتها للأمن القومي.
يستعرض الباحث د. صالح النعامي في الفصل الثاني من كتابه "معركة الوعي في استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي"، الصادر عن مركز الجزيرة للدراسات، التحول الذي طرأ على مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي، مبينًا أن إسرائيل لم تعد تنظر إلى الأمن بوصفه قدرة على الانتصار العسكري فقط، وإنما باعتباره قدرة على التأثير في إدراك الخصوم وتغيير حساباتهم النفسية والسياسية قبل اندلاع المواجهة وأثناءها وبعد انتهائها.
ويؤكد الباحث أن التحولات الإقليمية والدولية، والتطور الهائل في وسائل الاتصال، وانتشار الفضاء الرقمي، دفعت المؤسسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية إلى إعادة صياغة مفهوم الأمن القومي، بحيث أصبح "التأثير في الوعي" مكونًا رئيسيًا من مكوناته، وليس مجرد نشاط إعلامي أو دعائي تابع للمؤسسة العسكرية. وأصبحت المعركة على الرواية، والصورة الذهنية، والانطباعات العامة، جزءًا من معادلة الردع وتحقيق الأمن.
ويبين المؤلف أن الوثائق الرسمية الإسرائيلية، إلى جانب الأدبيات العسكرية الصادرة عن مراكز التفكير والأبحاث الأمنية، تعكس هذا التحول بوضوح؛ إذ تنظر إلى الوعي باعتباره ساحة عمليات قائمة بذاتها، تتطلب التخطيط والإدارة والتنسيق بين المؤسسات المختلفة، تمامًا كما يجري في العمليات العسكرية التقليدية. لذلك لم يعد الهدف يقتصر على تدمير قدرات الخصم، وإنما يمتد إلى تحطيم ثقته بنفسه، وإضعاف إرادته، وزعزعة قناعته بإمكان تحقيق أهدافه.
ويشرح الباحث أن إسرائيل توسعت في مفهوم الردع، فلم يعد الردع قائمًا فقط على القوة النارية أو التفوق العسكري، بل أصبح يقوم كذلك على تكوين صورة ذهنية لدى الخصوم بأن تكلفة المواجهة ستكون باهظة، وأن المقاومة لن تحقق أهدافها، وهو ما يجعل التأثير في الإدراك عنصرًا مكملاً للقوة العسكرية، بل وأداة لخفض الحاجة إلى استخدامها.
ويستعرض المؤلف الأهداف التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقها عبر استراتيجية معركة الوعي، وفي مقدمتها تعزيز تماسك الجبهة الداخلية الإسرائيلية، والمحافظة على ثقة المجتمع بالمؤسسة العسكرية والسياسية، وتقليل آثار الحروب النفسية المضادة، إلى جانب التأثير في المجتمعات العربية والفلسطينية، ودفعها إلى تبني تصورات تخدم المصالح الإسرائيلية، فضلًا عن التأثير في الرأي العام الدولي، وإقناعه بعدالة المواقف الإسرائيلية، أو على الأقل تقليل التعاطف مع خصومها.
ويشير الباحث إلى أن معركة الوعي، وفق الرؤية الإسرائيلية، لا تستهدف الخصم العسكري وحده، بل تشمل جمهورًا واسعًا من الفاعلين، يبدأ بالمواطن الإسرائيلي، ويمتد إلى المجتمع الفلسطيني، والدول العربية، والقوى الإقليمية، والرأي العام العالمي، ووسائل الإعلام الدولية، والمنظمات الحقوقية، وصناع القرار في العواصم المؤثرة. ومن ثم فإن الرسائل الإعلامية والنفسية تختلف باختلاف الجمهور المستهدف، بينما تبقى الغاية النهائية واحدة، وهي خدمة الأمن القومي الإسرائيلي.
كما يوضح المؤلف أن إسرائيل تتعامل مع البيئة الرقمية باعتبارها المجال الأكثر تأثيرًا في تشكيل الإدراك المعاصر، ولذلك توسعت في الاستثمار في المنصات الرقمية، والإعلام متعدد اللغات، والحضور المكثف على شبكات التواصل الاجتماعي، وإنتاج المحتوى البصري والمرئي، مع توظيف البيانات الضخمة والتقنيات الحديثة لرصد اتجاهات الرأي العام والاستجابة لها بصورة مستمرة.
ويتوقف الباحث عند العلاقة الوثيقة بين معركة الوعي والردع، مبينًا أن النجاح في بناء صورة ذهنية عن التفوق الإسرائيلي، وإقناع الخصوم بعدم جدوى المواجهة، يسهم في تقليل احتمالات الصدام العسكري أو تقليص مدته، وهو ما يجعل التأثير في الإدراك وسيلة استراتيجية لتحقيق الأمن بأقل تكلفة ممكنة. وفي المقابل، فإن أي إخفاق في السيطرة على الرواية أو الصورة الذهنية قد ينعكس سلبًا على مكانة إسرائيل السياسية والعسكرية، حتى إذا حققت نجاحًا ميدانيًا على الأرض.
ويخلص الباحث إلى أن إسرائيل لم تعد تفصل بين الأمن والإعلام والاتصال، وإنما دمجتها جميعًا في رؤية استراتيجية واحدة، ترى أن كسب العقول لا يقل أهمية عن كسب المعارك، وأن الانتصار الحقيقي لا يتحقق بمجرد التفوق العسكري، بل بفرض الرواية الإسرائيلية على الخصوم والرأي العام الدولي.
خلاصة الفصل الثاني
يخلص الدكتور صالح النعامي إلى أن معركة الوعي أصبحت جزءًا أصيلًا من مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي، وأن إسرائيل تنظر إلى التأثير في الإدراك باعتباره أداة لتحقيق الردع، وتعزيز تماسك المجتمع، والتأثير في الخصوم والرأي العام العالمي. ويبين أن الإعلام والفضاء الرقمي والعمليات النفسية لم تعد وسائل مساندة، بل تحولت إلى أدوات استراتيجية متكاملة تعمل جنبًا إلى جنب مع القوة العسكرية في خدمة الأهداف العليا للدولة.
الفصل الثالث
أدوات إسرائيل للتأثير في الوعي
ينتقل الباحث د. صالح النعامي في الفصل الثالث من كتابه "معركة الوعي في استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي"، الصادر عن مركز الجزيرة للدراسات، من التأصيل النظري إلى الجانب التطبيقي، فيعرض البنية المؤسسية التي تعتمد عليها إسرائيل في إدارة عمليات التأثير في الوعي، مبينًا أن هذه العمليات لم تعد نشاطًا إعلاميًا متفرقًا، بل أصبحت منظومة متكاملة تشارك فيها المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية والدبلوماسية، ويجري التنسيق بينها وفق أهداف الأمن القومي.
ويبين المؤلف أن إسرائيل لم تكتفِ بإدراج معركة الوعي ضمن عقيدتها الأمنية، وإنما أنشأت أجهزة ووحدات متخصصة لتخطيط هذه العمليات وإدارتها وتنفيذها، بحيث تعمل بصورة متوازية مع العمليات العسكرية. ويشير إلى أن هذه المنظومة تعتمد على جمع المعلومات وتحليلها، ورصد اتجاهات الرأي العام، وبناء الرسائل الإعلامية والنفسية المناسبة لكل جمهور مستهدف، ثم قياس أثرها بصورة مستمرة لإجراء التعديلات اللازمة.
ويستعرض الباحث الدور المركزي الذي تضطلع به شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان"، موضحًا أنها لا تقتصر على جمع المعلومات الاستخباراتية، وإنما تؤدي دورًا رئيسيًا في إنتاج المعرفة المتعلقة بالجمهور المستهدف، وتحليل البيئة النفسية والاجتماعية والإعلامية التي تُبنى عليها عمليات التأثير. كما يوضح أن هذه الشعبة تشكل إحدى الركائز الأساسية في منظومة معركة الوعي، لأنها توفر البيانات اللازمة لتصميم الرسائل وتحقيق أعلى قدر من التأثير.
ويشير المؤلف إلى أن إسرائيل أنشأت داخل هذه المنظومة مركزًا متخصصًا لعمليات الوعي يتولى تخطيط الحملات النفسية والإعلامية، ويعمل بالتنسيق مع القيادات العسكرية والأمنية والسياسية. ولا يقتصر دور المركز على إدارة الرسائل الإعلامية، بل يمتد إلى متابعة نتائجها، وقياس مدى نجاحها في تغيير مواقف الجمهور المستهدف أو التأثير في سلوكه، بما يجعل معركة الوعي عملية مستمرة وليست نشاطًا موسميًا مرتبطًا بالحروب فقط.
كما يتوقف الباحث عند دور وزارة الخارجية الإسرائيلية، مبينًا أنها تمثل الذراع الدبلوماسية لمعركة الوعي، من خلال توجيه الخطاب الإسرائيلي إلى الرأي العام العالمي، وتبرير السياسات الإسرائيلية، ومحاولة تحسين صورة إسرائيل في الخارج، والتأثير في وسائل الإعلام الدولية وصناع القرار. ويرى أن العمل الدبلوماسي والإعلامي أصبح جزءًا من منظومة واحدة، تتكامل فيها الرسائل السياسية مع الأهداف الأمنية والعسكرية.
ويؤكد الباحث أن الفضاء الرقمي يحتل مكانة محورية في هذه الاستراتيجية، لذلك توسعت إسرائيل في توظيف المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي بوصفها ساحات رئيسية للتأثير في الإدراك العام. ولم يعد الهدف مجرد نشر المعلومات، وإنما إدارة تدفقها، وتحديد أولوياتها، وصياغة الروايات القادرة على التأثير في اتجاهات الجمهور داخل إسرائيل وخارجها.
ومن أبرز ما يلفت إليه المؤلف أن إسرائيل تعتمد بصورة متزايدة على عمليات التأثير السرية، التي تعدها من أكثر أدوات معركة الوعي فعالية. ويشرح أن هذه العمليات لا تُنفذ عبر القنوات الرسمية، بل تعتمد على حسابات مستعارة، وشبكات إلكترونية، ومنصات غير معلنة، وواجهات تبدو مستقلة، بهدف إخفاء المصدر الحقيقي للرسائل، ومنحها قدرًا أكبر من المصداقية لدى الجمهور المستهدف. كما تستخدم هذه الأدوات لتوجيه النقاشات العامة، وصناعة اتجاهات رأي مؤيدة للمصالح الإسرائيلية، أو إضعاف الروايات المضادة.
ويبين الباحث أن هذه العمليات السرية تستهدف دوائر متعددة، تشمل المجتمع الفلسطيني، والدول العربية، والرأي العام الدولي، وكذلك البيئات الغربية المؤثرة في صناعة القرار. ولا يقتصر دورها على دعم الرواية الإسرائيلية، بل يمتد إلى إرباك الخصوم، وإثارة الانقسامات الداخلية، والتشكيك في الروايات المنافسة، وإضعاف الثقة بالمؤسسات أو القيادات التي تواجه إسرائيل.
كما يوضح المؤلف أن إسرائيل تولي أهمية خاصة لمواجهة الحملات الدولية المناهضة لها، وفي مقدمتها حركة المقاطعة (BDS)، إذ تعدها تهديدًا مباشرًا لصورتها الدولية وشرعيتها السياسية. ولذلك خصصت موارد بشرية وإعلامية ودبلوماسية لمواجهة هذه الحملات، وتشويه صورتها، والتقليل من تأثيرها، والعمل على الحد من انتشار خطابها في الجامعات ووسائل الإعلام الغربية.
ولا يغفل الباحث الإشارة إلى أن إسرائيل، رغم استخدامها المكثف للفضاء الرقمي في الخارج، تفرض في الداخل مستويات من الرقابة على المجال المعلوماتي عندما ترى أن ذلك يخدم أمنها القومي، بما يعكس ازدواجية واضحة بين الدعوة إلى حرية تدفق المعلومات خارجيًا، والحرص على ضبطها داخليًا عندما تمس القضايا الأمنية الحساسة.
خلاصة الفصل الثالث
يخلص الدكتور صالح النعامي إلى أن معركة الوعي في إسرائيل تقوم على بنية مؤسسية متكاملة، تشارك فيها الاستخبارات والجيش ووزارة الخارجية والمؤسسات الإعلامية والرقمية، ولا تقتصر على الدعاية التقليدية، بل تشمل عمليات نفسية، وحملات رقمية، وتأثيرًا سريًا، وإدارة للرواية الإعلامية، ومواجهة للحملات المناهضة لإسرائيل. ويؤكد أن هذا التكامل يعكس تحول التأثير في الوعي إلى أحد أهم أدوات الأمن القومي الإسرائيلي، جنبًا إلى جنب مع القوة العسكرية التقليدية.
الفصل الرابع
تطبيق استراتيجية معركة الوعي خلال الحرب على غزة
يخصص الباحث د. صالح النعامي الفصل الرابع من كتابه "معركة الوعي في استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي"، الصادر عن مركز الجزيرة للدراسات، لدراسة التطبيق العملي لاستراتيجية معركة الوعي خلال الحرب على غزة، مبينًا أن الحرب لم تكن عسكرية فقط، وإنما كانت في الوقت نفسه حربًا على الإدراك والرواية والصورة الذهنية. ويرى أن إسرائيل تعاملت مع المجال الإعلامي بوصفه جبهة قتال موازية للجبهة العسكرية، وسعت إلى تحقيق مكاسب سياسية ونفسية من خلال السيطرة على تدفق المعلومات وإدارة الرواية منذ اللحظات الأولى للحرب.
ويستعرض الباحث كيف انتقلت المؤسسات الإسرائيلية، فور اندلاع الحرب، إلى تفعيل الأطر المفاهيمية والتنظيمية التي سبق إعدادها لمعركة الوعي، حيث عملت على توحيد الرسائل الإعلامية الصادرة عن الجيش والحكومة والمؤسسات الرسمية، مع التركيز على إنتاج خطاب متماسك يبرر العمليات العسكرية ويقدمها باعتبارها دفاعًا عن النفس في مواجهة "الإرهاب". ويشير إلى أن هذا التنسيق لم يكن عفويًا، بل جاء نتيجة تخطيط مؤسسي سابق يهدف إلى ضمان اتساق الخطاب الرسمي أمام الجمهور الإسرائيلي والدولي.
ويبين المؤلف أن أحد أهم أهداف هذه الاستراتيجية كان الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية الإسرائيلية، من خلال تعزيز الثقة بالمؤسسة العسكرية، ورفع الروح المعنوية، وتقليل أثر الصدمة التي أحدثتها عملية السابع من أكتوبر. ولذلك ركزت الرسائل الإعلامية على إبراز قدرة الجيش على استعادة زمام المبادرة، والتأكيد على استمرار السيطرة، وتقديم صورة عن الدولة باعتبارها قادرة على تجاوز الأزمة واستعادة الردع.
وفي المقابل، استهدفت إسرائيل التأثير في وعي الفلسطينيين من خلال الجمع بين القوة العسكرية والرسائل النفسية والإعلامية، بهدف إضعاف الروح المعنوية، وإحداث حالة من الإرباك والضغط النفسي، وتقويض الثقة في قدرة المقاومة على الصمود. ويشير الباحث إلى أن العمليات العسكرية نفسها كانت تُوظف إعلاميًا لتوليد تأثير نفسي يتجاوز آثارها الميدانية المباشرة.
ويؤكد الباحث أن إسرائيل أولت اهتمامًا بالغًا بالرأي العام الدولي، فعملت على توظيف وسائل الإعلام العالمية والمنصات الرقمية لتقديم روايتها للأحداث، والسعي إلى كسب التعاطف الدولي، وتقليل حجم الانتقادات المتعلقة بالخسائر المدنية في غزة. كما اعتمدت على المؤتمرات الصحفية، والبيانات الرسمية، والمقاطع المصورة، والحضور المكثف للمسؤولين الإسرائيليين في وسائل الإعلام الغربية لتثبيت روايتها في المجال العام الدولي.
ويبرز المؤلف أن المنصات الرقمية أصبحت الساحة الأكثر أهمية في هذه المواجهة، إذ استخدمت إسرائيل حساباتها الرسمية، إلى جانب شبكات واسعة من الحسابات غير الرسمية، لنشر الرسائل، وإعادة إنتاج السردية الإسرائيلية، والتفاعل السريع مع التطورات الميدانية. كما جرى توظيف المحتوى المرئي والمواد القصيرة والرسائل الموجهة بلغات متعددة للوصول إلى جماهير مختلفة داخل العالم وخارجه.
ويتناول الباحث جانبًا آخر يتمثل في عمليات التأثير السرية التي رافقت الحرب، موضحًا أن إسرائيل استخدمت حسابات وهمية وشبكات إلكترونية غير معلنة للتأثير في اتجاهات النقاش العام، ودعم الرواية الإسرائيلية، والتشكيك في الروايات الفلسطينية، ومحاولة التأثير في مواقف الرأي العام داخل عدد من الدول، خاصة الغربية. ويعد الباحث هذه العمليات امتدادًا طبيعيًا لمنظومة معركة الوعي التي سبقت الحرب بسنوات.
كما يستعرض المؤلف الجهود الإسرائيلية لمواجهة حملات المقاطعة الدولية التي تصاعدت مع الحرب، مشيرًا إلى أن إسرائيل اعتبرت هذه الحملات جزءًا من ميدان الصراع، ولذلك كثفت أنشطتها الإعلامية والدبلوماسية والقانونية بهدف الحد من تأثيرها، والدفاع عن شرعية سياساتها، وتقويض الخطاب الذي يدعو إلى عزلها دوليًا.
ويشير الباحث كذلك إلى أن إسرائيل لم تحصر معركة الوعي في نطاق الحرب على غزة، وإنما وسعت نشاطها ليشمل البيئات الإقليمية، ولا سيما الساحة الإيرانية، وعددًا من الدول العربية، في محاولة للتأثير في إدراك الجماهير وسياسات الدول، بما يخدم أهدافها الأمنية والإستراتيجية الأوسع.
ويرى المؤلف أن التجربة العملية خلال الحرب كشفت أن إسرائيل تنظر إلى التأثير في الوعي باعتباره مضاعفًا للقوة العسكرية، وليس بديلًا عنها؛ فنجاح العمليات العسكرية، من وجهة نظرها، يرتبط بقدرتها على فرض الرواية، وإقناع الجمهور الداخلي، والتأثير في الرأي العام الدولي، وتقليل كلفة الحرب سياسيًا وإعلاميًا.
في خاتمة الكتاب، يؤكد الباحث د. صالح النعامي أن إسرائيل نجحت خلال العقود الأخيرة في بناء منظومة متكاملة لمعركة الوعي، تقوم على أسس فكرية ومؤسسية وتقنية، وتشارك فيها مؤسسات الدولة المختلفة، من الجيش والاستخبارات إلى الخارجية والإعلام والمنصات الرقمية. ويرى أن هذا التطور يعكس إدراكًا إسرائيليًا بأن الصراع لم يعد يُحسم بالسلاح وحده، وإنما يتحدد أيضًا بقدرة كل طرف على تشكيل الإدراك الجمعي وإدارة الرواية والتأثير في اتجاهات الرأي العام.
ويخلص الباحث إلى أن دراسة هذه الاستراتيجية لا تكتسب أهميتها من فهم التجربة الإسرائيلية فقط، بل من الحاجة العربية إلى تطوير معرفة علمية ومنهجية بمجال التأثير في الوعي، وبناء قدرات مؤسسية قادرة على حماية المجال المعلوماتي العربي، ومواجهة حملات التضليل، وإنتاج رواية إعلامية تستند إلى المعرفة والتخطيط، باعتبار أن معركة الوعي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من معادلات الأمن القومي والصراعات المعاصرة.
يمكن قراءة الكتاب أو تحميله عبر (هذا الرابط)
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة