في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بينما تتواصل المساعي لتنفيذ الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، يتجاوز الجدل في بيروت تفاصيل الانسحاب والترتيبات الأمنية إلى سؤال قانوني أكثر تعقيدا: هل يفتح البند الثالث عشر من الاتفاق الباب أمام تقييد حق لبنان في ملاحقة إسرائيل على ما ارتكبته من انتهاكات خلال الحرب، أم أن نصه يقتصر على تهيئة مناخ سياسي يضمن تثبيت التهدئة؟
ويأتي هذا النقاش في وقت أوفدت فيه مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فريقا إلى لبنان لتقييم آثار الهجمات على المدنيين والبنية التحتية، في خطوة تعزز جهود توثيق الانتهاكات.
وفي تقرير أعده الزميل أحمد فال ولد الدين، برزت المخاوف التي يثيرها البند الثالث عشر، وما إذا كان يمكن أن يمتد أثره إلى المسارات القضائية الدولية التي يطالب بها حقوقيون وذوو الضحايا.
وتزداد هذه التساؤلات مع استمرار الغموض الذي يحيط بتنفيذ الاتفاق. فإسرائيل أعلنت أخيرا تأجيل المرحلة التجريبية للانسحاب من جنوب لبنان، وربطت استكماله بالتوافق على آلية رقابة أمنية مشتركة، وبما تراه التزاما من الجيش اللبناني بالتحرك ضد حزب الله، وهو ما يعكس استمرار ربط الانسحاب باعتبارات سياسية وأمنية، في وقت يتواصل فيه النقاش اللبناني حول الجوانب القانونية للاتفاق.
ويستند الجدل إلى البند الثالث عشر، الذي ينص على تعهد لبنان وإسرائيل باتخاذ إجراءات بحسن نية تعكس نواياهما الإيجابية، بما في ذلك وقف جميع الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية. ورغم أن صياغته تبدو مرتبطة بترسيخ التهدئة، فإنها فتحت الباب أمام تفسيرات متباينة بشأن حدود الالتزامات التي يفرضها.
وتقول الحكومة اللبنانية إن الاتفاق ينبغي النظر إليه في إطار هدفه الأساسي، والمتمثل في استكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية وتمكين الجيش من تولي المسؤولية الأمنية الكاملة في الجنوب، بما يكرس سلطة الدولة ويمنع تجدد المواجهات.
إلا أن الاعتراضات الأوسع صدرت من أوساط قانونية وحقوقية، رأت أن أي تفسير يحول دون استمرار الملاحقات الدولية قد يمس حق الدولة في المطالبة بالمساءلة، ويقوض كذلك حق الضحايا في اللجوء إلى العدالة، خصوصا إذا فُهم وقف "الأعمال الضارة" على أنه يشمل الدعاوى القضائية الدولية.
ومن هنا ينتقل النقاش إلى طبيعة الانتهاكات التي يمكن أن تكون موضع مساءلة أمام القضاء الدولي، ففي مقدمتها عمليات التدمير الواسع التي طالت بلدات وأحياء سكنية في الجنوب، بعدما تحولت مناطق كاملة إلى ركام، ويعد نظام روما الأساسي التدمير واسع النطاق للممتلكات -متى انتفت الضرورة العسكرية- جريمة حرب تستوجب المحاسبة.
كما تشمل الانتهاكات استهداف الجسور والطرق والمنشآت المدنية، وهي أعيان تتمتع بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني. ويثير ذلك تساؤلات حول مدى وجود مبررات عسكرية حقيقية لهذه الهجمات، أو ما إذا كانت تجاوزت القيود التي يفرضها القانون أثناء النزاعات المسلحة.
ويمتد الملف إلى التهجير الواسع الذي شهدته الحرب، بعدما اضطر أكثر من مليون لبناني إلى مغادرة منازلهم، ولا يقتصر أثر هذا النزوح على أبعاده الإنسانية، بل يطرح كذلك إشكالات قانونية، إذ يجرم نظام روما الأساسي الترحيل أو النقل القسري للسكان المدنيين عندما يتم نتيجة الإكراه أو الأفعال القسرية.
أما أكثر القضايا حساسية فتتعلق باستهداف المدنيين، بمن فيهم المسعفون والصحفيون، فضلا عن الأعيان المدنية التي يكفل القانون الدولي حمايتها، وتؤكد قواعد القانون الإنساني أن تعمد مهاجمة هذه الفئات -متى توافرت أركان الجريمة- يندرج ضمن جرائم الحرب التي لا تسقط بالتقادم.
وبين متطلبات التسوية السياسية وحق الضحايا في العدالة، يبقى الجدل في لبنان مفتوحا حول ما إذا كان البند الثالث عشر يمثل مجرد أداة لتثبيت وقف الأعمال العدائية، أم أنه قد يتحول إلى قيد قانوني يحد من ملاحقة إسرائيل على الانتهاكات المرتكبة.
ومع أن الحرب قد تضع أوزارها بتوقف القتال، فإن معركة المساءلة غالبا ما تبدأ بعد ذلك، حين يصبح تفسير النصوص القانونية عاملا حاسما في رسم حدود العدالة.
المصدر:
الجزيرة