موسكو/ بكين – بالتزامن مع الذكرى الخامسة والعشرين لمعاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون بين روسيا والصين، وفي ظل تحولات جيوسياسية عالمية، لا سيما تلك المحيطة بإيران وأوكرانيا، يزور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الصين، حيث من المتوقع توقيع نحو 40 اتفاقية ثنائية، وتوسيع الشراكة في مجال الطاقة، وتنسيق المواقف حيال الملفات الساخنة على الساحة الدولية.
وتحمل هذه الزيارة بالنسبة لـ روسيا، إشارة هامة إلى أن الشراكة الاستراتيجية مع الصين لا تزال راسخة، على الرغم من الجهود الأمريكية الحثيثة للضغط على بكين لتقليص دعمها لموسكو.
بالإضافة لذلك، تُعدّ زيارة بوتين بالغة الأهمية لموسكو، لجهة ضمان استمرار إمدادات الطاقة، والحصول على التقنيات والسلع الحيوية، والدعم السياسي على الساحة الدولية، حيث تُمثّل بكين ثقلًا جيوسياسيًا رئيسيًا في مواجهة الضغوط الغربية -وفق مراقبين روس-.
يرى المختص في العلاقات الدولية، ديميتري كيم، أن جميع اللقاءات بين بوتين و شي جين بينغ كانت مثمرة وناجحة، ولن يكون هذا اللقاء استثناء، وأن جميع الأوساط السياسية حول العالم ينتظرون هذا اللقاء بفارغ الصبر.
وأوضح للجزيرة نت أن الملف الدولي سيكون في صدارة المباحثات، لا سيما الوضع في الشرق الأوسط، إلى جانب الملفين الأوكراني والتايواني.
وحسب قوله، فإن الشق السياسي من المباحثات سيركز بشكل خاص على مناقشة القضية الإيرانية، بما في ذلك قدرات الاستجابة السريعة، لأن الهجوم الأمريكي – الإسرائيلي على إيران أظهر أن العديد من المنظمات، بما فيها منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة البريكس، تفتقر إلى آليات الاستجابة السريعة لتحديات من هذا النوع.
علاوة على ذلك، ستتم مناقشة القضيتين الأوكرانية والتايوانية، وإن كان ذلك في جلسات مغلقة -حسب وصفه-.
بدوره، اعتبر الخبير الاقتصادي أندريه زايتسيف، أن ملف الطاقة، الذي يلعب دورًا محوريًا في هيكل التبادل التجاري بين البلدين، سيكون الموضوع الرئيسي في الشق الاقتصادي من مباحثات بوتين – شي.
ويوضح في تعليق للجزيرة نت أن قطاع الطاقة يشكل حاليًا مصدر القلق الأكبر لكل من موسكو وبكين، لا سيما مع استمرار العقوبات الغربية وأجواء التوتر التي تعيشها منطقة الخليج مع بقاء احتمال استئناف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران قائمًا.
علاوة على ذلك، يرحج المتحدث أن يتم توسيع التعاون في قطاع النفط، لكنه يستبعد توقيع عقود نهائية، خاصة فيما يتعلق بمشروع "قوة سيبيريا 2″، وهو مشروع لا يزال قيد التطوير، ويهدف إلى تحويل إمدادات الغاز من السوق الأوروبية إلى الصين، لتعويض انكماش السوق الأوروبية، وتمكين الصين من تلبية الطلب المتزايد على الطاقة.
بموازاة ذلك -يتابع- تسعى موسكو إلى أسواق جديدة واستثمارات من بكين لدعم اقتصادها في ظل العقوبات الغربية، حيث يُعد الدعم السياسي من الصين، بالإضافة إلى التقنيات التي يمكن أن تحل محل التقنيات الغربية، أمرًا حيويًا لموسكو.
وحسب رأيه، ستشمل الآثار الاقتصادية المتوقعة لزيارة بوتين إلى الصين آليات التسوية المتبادلة بالعملات الوطنية، لحماية التجارة الثنائية من مخاطر العقوبات، وتطوير التعاون التكنولوجي، من أجل تعميق التكامل الاقتصادي بين البلدين.
في الصين، تعامل الخطاب الرسمي مع زيارة بوتين باعتبارها محطة مفصلية لتعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة وترسيخ اصطفاف طويل الأمد بين البلدين في ظل تحولات عميقة في النظام الدولي.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية إن بلاده تتطلع إلى "تخطيط جديد لمستقبل العلاقات" لتعميق الشراكة ورفع مستوى التنسيق الاستراتيجي في القضايا الإقليمية والدولية، بما يحفظ "الاستقرار الاستراتيجي العالمي" و"العدالة الدولية".
علاوة على ذلك، ربط الخطاب الرسمي الصيني ومقالات الصحف الصينية بين الزيارة وهدف تثبيت خيار "التعاون متبادل المنفعة" في الاقتصاد والطاقة وربط سلاسل الإمداد، إلى جانب تعزيز التنسيق السياسي في ملفات الأمن الأوروآسيوي، وتدعيم الاصطفاف في مواجهة ما تصفه بكين بـ"الهيمنة" و"سياسات التكتلات" في النظام الدولي.
مديرة قسم اللغة العربية في معهد شياندا للاقتصاد والعلوم الإنسانية بجامعة شنغهاي للدراسات الدولية، جينغ تسوي بينغ قالت، للجزيرة نت، إن زيارة الرئيس بوتين للصين تُعَدّ فرصة هامة لتعميق التعاون الاستراتيجي الشامل بين البلدين.
وأضافت أن الصين تتطلع، من خلال هذا اللقاء، إلى ترسيخ الصداقة التقليدية بين البلدين، وتوسيع قنوات التعاون في مجالات الطاقة والتجارة والاقتصاد والتكنولوجيا، والعمل معاً على الحفاظ على استقرار وتطور النظام العالمي.
وفي الوقت نفسه، اعتبرت المتحدثة أنه يتعين على الجانبين الصيني والروسي تعزيز التنسيق الاستراتيجي ضمن أطر مثل الأمم المتحدة ومنظمة شنغهاي للتعاون، ومواجهة تحديات الأحادية والحمائية، من أجل الحفاظ على استقرار النظام الدولي وعدالته.
يرى أستاذ الدراسات الدولية في جامعة نان جينغ البروفيسور جانغ يون، أن زيارة بوتين إلى الصين حظيت باهتمام عالمي واسع النطاق، وذلك لسببين رئيسيين:
وتابع بأنه غالباً ما يستحوذ السبب الأول على اهتمام أكبر، حيث أثار العديد من التحليلات والتكهنات التي تشير إلى أن العامل الأمريكي هو المحرك الرئيسي للتفاعل الصيني الروسي.
مع ذلك، يعرب يون عن قناعته بأن العلاقات الصينية الروسية قد تجاوزت منذ زمن بعيد "التفكير الأمريكي المحوري"، وأن النظر إلى هذه العلاقات من منظور ما يُسمى بـ"مثلث الصين والولايات المتحدة وروسيا" الذي ساد خلال الحرب الباردة هو أمر خاطئ.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة