في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بيروت- في ظل تصاعد الجدل السياسي في لبنان حول المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، تتباين مواقف القوى السياسية بين من يرى في هذا المسار تهديداً للسيادة وخيارات المقاومة، ومن يعتبره مدخلاً لإنهاء حالة الحرب المزمنة وإعادة تثبيت دور الدولة.
وكانت وزارة الخارجية الأمريكية أعلنت، اليوم الأحد، تسهيل محادثات بين لبنان وإسرائيل يومي 14 و15 مايو/أيار 2026 الجاري.
ويأتي الجدل السياسي وسط ضغوط دولية وتوترات مستمرة على الحدود الجنوبية، في وقت تطرح فيه واشنطن توجهاً يتجاوز الترتيبات الأمنية التقليدية نحو مسار سياسي أوسع يتحدث عن "اتفاق سلام وأمن شامل".
كما ربط البيان الأمريكي بين دعم سيادة الدولة اللبنانية وإعادة الإعمار، وبين حصر السلاح بيد الدولة و نزع سلاح حزب الله، في ما يبدو كطرح لمعادلة تقوم على الدعم الاقتصادي مقابل إعادة ترتيب الواقع الأمني والسياسي في لبنان.
وأجرت الجزيرة نت مقابلتين مع عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب حسن فضل الله، ورئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية شارل جبور، لاستعراض رؤيتين متقابلتين بشأن التفاوض المباشر مع إسرائيل، وحدود الانقسام الداخلي اللبناني حياله، وانعكاساته على مستقبل البلاد السياسي والأمني.
حسن فضل الله عضو كتلة الوفاء للمقاومة والنائب عن حزب الله في البرلمان اللبناني (رويترز)
أجاب حسن فضل الله بالقول إن هناك سببين رئيسيين:
ولكن في حالة الصراع مع العدو الإسرائيلي الأمر مختلف تماماً، فالحوار لا يكون مع المعتدي المحتل الذي يرتكب جرائم ضد الإنسانية، ففي مثل هذه الحالة يجب العمل على وقف العدوان وتحرير الأرض وليس الجلوس على طاولة واحدة مع عدو يقوم بكل هذه الممارسات ويستفيد من الصورة السياسية لتبرير جرائمه.
هو طرح يمس بمستقبل لبنان ومصيره ووحدته الداخلية. ورغم لجوء فريق السلطة إليه، فإنه لم يتمكن إلى الآن من الحصول على التزام بوقف الأعمال العدائية، فالجانب الإسرائيلي هو المستفيد الوحيد من هذا الطرح، ومعه الإدارة الأمريكية التي تبحث عن صورة تجمع السلطة مع العدو.
لا يمكن أن يجلس الذئب مع الحمل، ومعروف من يفترس الثاني، الإدارة الأمريكية تسوق السلطة إلى مثل هذا الخيار الكارثي على مستقبل لبنان، وهو يمس ليس فقط بالسيادة الوطنية أو بخيارات المقاومة، بل بجوهر وجود لبنان، ولذلك نرفضه بشدة وسنواجه مخرجاته ولن نسمح بتمرير نتائجه.
نحن نفرّق دائما بين الدولة والسلطة في البلاد، فالسلطة هي إحدى أدوات الدولة، وتركيبة النظام قائمة على تفاهم الطوائف وفق ما ورد في مقدمة الدستور اللبناني، ولذلك لا يمكن اختصار الدولة برئيس أو حكومة، بل هي تشاركية ونحن جزء أساسي من الدولة، ومن يكون في موقع السلطة لا يستطيع التصرف بعقلية حزبية أو طائفية أو فئوية.
ولذلك، المطلوب اليوم خطوة جريئة من هذه السلطة لمصلحة البلد ووحدته بوقف المسار الانحداري الذي لجأت إليه بالمفاوضات المباشرة، ولم تحصل منه على شيء سوى زيادة الشرخ الداخلي. ولديها من المبررات ما يكفي لنفض يدها من هذا المسار، فهي لم تستطع الحصول على وقف إطلاق نار شامل، كما أن العدو يجعلها شريكة في الموافقة على اعتداءاته بادعائه أنها قبلت حرية حركته في لبنان من دون أن تنفي ذلك بشكل قاطع، وأن عدوانه الأخير على الضاحية تم بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية.
إن الانغماس أكثر في هذا المسار يؤدي إلى غرق هذه السلطة في مستنقع لا تستطيع الخروج منه، ويدفعها إلى مزيد من التنازلات السياسية المجانية، وأي تطور على المسار الإقليمي يجعلها وحيدة ومنبوذة، وستتركها الإدارة الأمريكية في منتصف هذا المستنقع لمصلحة اتفاقاتها الإقليمية الأكبر.
نازحون يرفعون علم حزب الله أثناء عودتهم إلى مدينة النبطية بعد إعلان وقف النار المؤقت الشهر الماضي (الفرنسية)
توجد في البلد مقاربتان مختلفتان حيال مواجهة العدوان الإسرائيلي، وحولهما يدور كل السجال السياسي والإعلامي الداخلي، وهما مثار انقسام بين اللبنانيين، وهذا يحتاج إلى معالجة مسؤولة بعيداً عن أي محاولة لتحقيق انتصارات لفريق على آخر، بل السعي ليكون لبنان هو المنتصر على العدو الوحيد المتمثل بكيان العدو، واعتبار حربه ضد البلاد هي التهديد الوجودي لوطننا ولن تقتصر نتائجها على منطقة من دون أخرى.
لدينا ميثاق وطني يُعرف بـ اتفاق الطائف ودستور وقوانين وجميعها تعتبر إسرائيل عدواً ولا يمكن إقامة أي علاقة سياسية معه، وأغلبية الشعب اللبناني ضد مسار التفاوض السياسي المباشر، والمطلوب الاحتكام إلى وثيقة الوفاق الوطني ورأي الأغلبية الشعبية.
فاتفاق الطائف ينص على أنه "يجري توحيد وإعداد القوات المسلحة لتكون قادرة على تحمل مسؤولياتها الوطنية في مواجهة العدوان الإسرائيلي". وهذا البند عطلته السلطات المتعاقبة، فوظيفة الجيش وفق الاتفاق هي مواجهة العدوان ولكن القرار السياسي الأخير للسلطة كان الانسحاب من أمامه، ولولا بطولات المقاومين لوصل العدو إلى بيروت.
أما البند الثاني فينص على "اتخاذ كافة الإجراءات لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي، وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها". وهو ما عنى المقاومة ضد الاحتلال كما فسره البيان الوزاري لأول حكومة بعد "الطائف"، وهو أحد الوثائق المكملة للاتفاق.
ما يحصل الآن من قبل الغالبية الوزارية هو خرق خطير للاتفاق، وتهديد جدي له، وهو أدى إلى مزيد من الانقسام داخل مؤسسات الدولة وعلى المستوى الوطني العام.
ما يحصل جرائم حرب ضد المدنيين والإعلاميين والهيئات الصحية، واحتلال للأرض وتدمير للقرى والبنى المدنية، وعندما يكون هناك احتلال من الواجب الوطني مقاومته وطرده ومحاسبته على جرائمه.
وقد صبر الناس 15 شهراً من تاريخ وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 إلى 2 مارس/آذار 2026. وسقط مئات الشهداء والجرحى وجرى تدمير العديد من المباني السكنية وبقيت المناطق الحدودية إما محتلة أو ممنوع عودة السكان إليها وإعادة إعمارها، ولم تتمكن السلطة اللبنانية من الحصول على وقف للأعمال العدائية، ورغم وجود آلية لمراقبة الاتفاق، بقيت النار تُطلق من جانب واحد ولبنان ملتزم بذلك الاتفاق.
لدينا خارطة طريق وطنية للحل تحفظ مصلحة لبنان ووحدته، عنوانها التفاهم الداخلي على الخيارات الوطنية، وتجميد كل الخلافات الداخلية، وجعل الأولوية المطلقة لوقف العدوان وتحرير الأرض وعودة الأهالي إلى قراهم وتحرير الأسرى وإعمار ما هدمه العدو، وبعد ذلك نتفاهم على كيفية حماية بلدنا.
لبنان ليس ضعيفاً فهو يمتلك عناصر قوة كثيرة، ونحن لا نعارض اعتماد الدبلوماسية المستندة إلى قوة الحق، وجربناها في تفاهم أبريل/نيسان 1996 وفي إطلاق الأسرى وفي ترسيم الحدود البحرية.
أما المفاوضات المباشرة التي تحصل الآن فهي دبلوماسية الخضوع للشروط والإملاءات، وهذا ما نرفضه، فمن لديه مثل هذه المقاومة البطولية وهؤلاء الشباب المضحين دفاعاً عن أرضهم لا يفرط بها ولا يستجدي حلولاً على حساب تضحياتها، وهي حلول غير واقعية ولن يكون بمقدور أحد فرضها على شعبنا.
رئيس جهاز التواصل في حزب القوات اللبنانية شارل جبور (الجزيرة)
رد شارل جبور بالقول:
أرادت القوات اللبنانية وتكتل الجمهورية القوية، لقاء فخامة رئيس الجمهورية من أجل إيصال عدة رسائل:
لذلك، أرادت الكتلة زيارة الرئيس لتقول إنه ورئيس الحكومة ليسا متروكين. فكتلتنا هي الأكبر في البرلمان، وحزب القوات هو الأوسع انتشاراً وحضوراً. وبالتالي فإن رئيس الجمهورية يتحرك انطلاقاً من قاعدة وطنية وسياسية وشعبية، ولا يجوز محاولة استفزازه كما يحاول حزب الله أن يفعل.
في هذه المرحلة، لا يريد الرئيس عون لقاء نتنياهو، وهو يقول بوضوح إن أي لقاء يجب أن يأتي تتويجاً لمسار تفاوضي، لا أن يكون بداية له. وبالتالي إذا تقدمت المفاوضات وذهبت في الاتجاه المطلوب، عندها يمكن أن تحصل المصافحة.
نحن، كقوات لبنانية، نقف خلف فخامة الرئيس. فهذا الملف في عهدته، والاتصالات تجري معه، وهو من يقدر الموقف. وقد قال بجرأة استثنائية، "نعم للتفاوض المباشر"، وهذا الأمر يحصل للمرة الأولى منذ عام 1983. ومن المعروف أن لبنان كان في السابق يفاوض عبر نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد أو عبر إيران. أما اليوم، فللمرة الأولى يقول لبنان: أنا أتفاوض عن نفسي.
المطلوب أن يؤدي إلى إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل، لأنها كانت تشكل الذريعة التي يستخدمها حزب الله للسيطرة على البلاد. لذلك على لبنان أن ينهي هذا الصراع من أجل طي هذه الصفحة ونزع هذا السلاح نهائياً. فالحزب يتذرع بسلاحه تحت عنوان مواجهة إسرائيل، فيما استجلب هذا السلاح الكوارث إلى البلاد، وأدخل إسرائيل إلى الداخل اللبناني، وفرض على لبنان أعباء لا قدرة له على تحملها.
دخان كثيف ناجم عن غارة إسرائيلية على منطقة مرجعيون في الجنوب اللبناني (الفرنسية)
نقول إن المطلوب اليوم هو إقفال هذا الملف. فدول عربية عدة أقفلته مثل مصر، والأردن، وحتى سوريا ذهبت نحو ترتيبات أمنية مع إسرائيل. أما في لبنان، فلا يجوز أن تبقى الحدود معها مفتوحة أمام تنظيمات تستخدمها تنفيذاً لمشاريع تتعارض مع أهداف الدولة اللبنانية.
أساساً، لولا الحرب التي أعلنها حزب الله في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لما كان هذا الملف مطروحاً بهذا الشكل بين لبنان وإسرائيل. فالحزب هو من وضعهما وجهاً لوجه. وإذا كان يستطيع إخراج تل أبيب من لبنان من دون تفاوض، فليقل لنا كيف. فالحزب الذي كان يتحدث عن توازن رعب وردع، هو نفسه الذي دخلت إسرائيل بسببه إلى البلاد، وبالتالي سقطت كل ادعاءاته، وهو يتحمل مسؤولية ذلك.
ظروف اليوم تختلف عن ظروف عام 1983. فهناك أكثرية من الشعب اللبناني تريد إنهاء الصراع مع إسرائيل لأنه يُستخدم من قبل حزب الله للسيطرة والهيمنة على لبنان. كما أن الظروف الإقليمية تغيرت؛ فإيران، بعد سقوط نظام الأسد، لم تعد قادرة على التأثير كما في السابق، وهي أصلاً تعيش أزمة كبيرة. كذلك فإن المناخ الإقليمي العام يتجه نحو إنهاء هذا الصراع.
وهناك دعم أمريكي واضح، ولبنان بحاجة إليه. وقد أثبتت الولايات المتحدة أنها قادرة على التأثير على نتنياهو؛ فعندما طالبت بوقف إطلاق النار، التزم، رغم أنه لم يكن يريد ذلك. وعندما طلبت الذهاب إلى التفاوض، ذهب، رغم أنه لم يكن يرغب فيه، وكان يعتبر أن الحكومة اللبنانية عاجزة عن تنفيذ قراراتها.
لذلك، فإن الظروف اليوم مهيأة لطي الصفحة التي حولت لبنان إلى ساحة حروب متتالية.
لدينا الضمانة الأمريكية، ثم إن السؤال الأهم: ما الضمانة إذا لم نذهب؟ فقد كان حزب الله يقول إن سلاحه هو الضمانة، لكن ثبت أن هذا الكلام كان تضليلاً، وأن ضعف لبنان سببه سلاح الحزب. وبالتالي، الضمانة الحقيقية هي ثروات لبنان وعلاقاته الدولية والدعم الأمريكي، وإرادة اللبنانيين في إعادة بناء وطنهم بكل ما للكلمة من معنى.
للمرة الأولى في لبنان هناك رئيس جمهورية ورئيس حكومة، وأكثرية وزارية وبرلمانية ومسيحية وسنية ودرزية، إضافة إلى شريحة واسعة من الشيعة، تريد إنهاء الحرب. وبالتالي، نحن أمام واقع جديد، ويجب الذهاب قدماً في هذا الاتجاه.
المصدر:
الجزيرة