بعد 34 عاما من التحليق في سوق الطيران منخفض التكلفة داخل الولايات المتحدة، أعلنت شركة "سبيريت إيرلاينز" وقف نشاطها بالكامل وإلغاء جميع رحلاتها، في خطوة صادمة تعكس حجم الانهيار الذي يضرب قطاع الطيران الأمريكي في ظل اضطرابات اقتصادية وجيوسياسية متسارعة، تصاعدت حدتها عقب اندلاع الحرب على إيران.
وأعلنت الشركة، الجمعة الماضية، إلغاء جميع رحلاتها والبدء في "وقف تدريجي" لأنشطتها، بعد أشهر من محاولات إعادة الهيكلة عقب إعلان إفلاسها للمرة الثانية خلال أقل من عام.
وأوضحت أن ارتفاع أسعار النفط وتزايد الضغوط التشغيلية والمالية أثّرا بشكل كبير على أوضاعها، مضيفة أنه "مع عدم توفر أي تمويل إضافي، لم يكن أمام الشركة سوى بدء عملية التصفية"، مع تأكيد التزامها بردّ أموال المسافرين.
وعكست مشاهد من مطار أورلاندو الدولي حجم التداعيات المباشرة للقرار، حيث بدت المرافق شبه خالية من المسافرين، مع تراجع واضح في الحركة داخل صالات المغادرة والوصول.
وخلت مناطق الانتظار من الركاب الذين اعتادوا الازدحام اليومي المرتبط برحلات "سبيريت"، فيما سادت أجواء من الهدوء غير المعتاد في واحد من أكثر مطارات فلوريدا نشاطا.
وأثار القرار موجة واسعة من التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي داخل الولايات المتحدة، حيث امتزجت مشاعر الصدمة والغضب والحسرة، خصوصا بين آلاف الموظفين الذين وجدوا أنفسهم فجأة خارج أسوار الشركة، وبين ركاب اعتادوا على نموذج السفر الاقتصادي.
وتنوعت التعليقات بين من وصف الخطوة بأنها "ضربة قاسية للمسافرين محدودي الدخل"، ومن اعتبرها انعكاسا لأزمة أعمق في قطاع الطيران الأمريكي، مع تداول رسائل وداع وانتقادات لارتفاع الأسعار وتراجع خيارات السفر، مقابل تعاطف واسع مع الموظفين الذين فقدوا وظائفهم دون مقدمات.
وداع الموظفين: "نهاية فصل كامل"
وفي خضم هذه التطورات، برزت قصة إنسانية لافتة لطيار الشركة الكابتن جون جاكسون، الذي تحولت رحلته الأخيرة إلى لحظة وداع استثنائية بعد إغلاق الشركة.
فبدلاً من قيادة رحلته الختامية، وجد نفسه راكبا على متن طائرة تابعة لشركة “ساوث ويست” إلى جانب ابنه، مساعد الطيار.
وبحسب ما نُشر عبر حساب "ساوث ويست" على إنستغرام، بادر طاقم الرحلة إلى تكريمه، حيث استُقبلت الطائرة عند الهبوط في مطار بالتيمور-واشنطن بتحية مدافع المياه وتصفيق الطواقم، في مشهد عكس روح التضامن داخل مجتمع الطيران.
على الجانب الآخر، امتلأت منصات التواصل برسائل وداع من موظفي "سبيريت"، حيث كتبت موظفة تدعى "نينتندو فان جيرل" عبر منصة "إكس" أنها فقدت عملها فجأة بعد خمس سنوات، مضيفة: "كنت أحب وظيفتي.. أرجو أن تتذكروني وتذكروا آلاف المتضررين في دعائكم".
كما كتب فني صيانة سابق: "وداعا سبيريت، شكراً على الذكريات التي صنعتها في بداياتي"، فيما قال موظف آخر: "ابتعدت عن وسائل التواصل لأنني كنت أستمتع بعملي، والآن عدنا إلى نقطة الصفر".
وتداول موظفون سابقون شهادات شخصية عن سنوات العمل داخل الشركة، معتبرين أن القرار مثّل “نهاية فصل كامل” من تجاربهم المهنية، في وقت تشير التقديرات إلى أن الإغلاق طال أكثر من 10 آلاف موظف.
وأجمع عدد منهم على أن قرار الإغلاق مثّل "نهاية فصل كامل" من تجاربهم المهنية، في وقت لا تزال فيه تداعيات الخطوة تلقي بظلالها على آلاف العاملين في مختلف المطارات الأمريكية.
وبالتوازي مع الجدل، برزت شهادات مؤثرة من موظفين وطيارين سابقين، عبّروا فيها عن حزنهم لفقدان وظائفهم، مشيرين إلى أن الإغلاق المفاجئ طال أكثر من 10 آلاف موظف، في لحظة وُصفت بأنها صدمة قاسية للعاملين في القطاع.
وداع مؤثر ونقاش حول الإرث
ورأى نشطاء ومدونون أن إغلاق "سبيريت" لا يطوي فقط صفحة شركة طيران، بل يمثل نهاية مرحلة من الطيران منخفض التكلفة في الولايات المتحدة.
وتباينت ردود الفعل بين رسائل وداع يغلب عليها الحزن والحنين، وأخرى ساخرة من تجربة الشركة، إلى جانب تعاطف واسع مع الموظفين.
وفي المقابل، دافع آخرون عن إرثها، معتبرين أنها لعبت دوراً محورياً في توسيع قاعدة السفر الجوي وإتاحة الطيران لشرائح أوسع، فضلاً عن مساهمتها في تعزيز المنافسة وخفض الأسعار.
كما حذّر بعض المدونين من أن اختفاء الشركة قد يترك فراغا في السوق، ما قد ينعكس على أسعار التذاكر وخيارات السفر، في حين رأى آخرون أن ما حدث يعكس أزمة أعمق تضرب القطاع ككل.
وعبر بعض النشطاء عن أسفهم على فقدان "علامة بارزة" في قطاع الطيران الأمريكي، مؤكدين أن الجدل الذي رافق تجربة الشركة لا يلغي دورها في تغيير شكل المنافسة داخل السوق، وفتح الباب أمام نماذج جديدة من السفر منخفض التكلفة خلال العقود الماضية.
حملة لشراء شركة "سبيريت"
في موازاة ذلك، برزت مبادرة غير تقليدية، إذ أطلق صانع المحتوى هانتر بيترسون موقع letsbuyspirit.com، في محاولة لتحويل فكرة انتشرت عبر تطبيق "تيك توك" إلى حملة جماعية لشراء الشركة.
وخلال وقت قصير، أعلن الموقع تلقي تعهدات من أكثر من 36 ألف شخص، بإجمالي تقديري بلغ نحو 22.8 مليون دولار، وسط تفاعل واسع دفع الحملة إلى صدارة محركات البحث.
وبيترسون، وهو مؤدي أصوات وصانع محتوى، روّج للفكرة عبر فيديو على "تيك توك"، اقترح فيه ما وصفه بـ"شراء جماعي للشركة" وتحويلها إلى نموذج ملكية عامة، مستلهما نماذج مثل بعض الأندية والشركات المملوكة لمجتمعاتها.
لكن الموقع تعرّض لضغط تقني أدى إلى تعطّله، فيما أُثيرت تساؤلات حول جدية المشروع، خاصة بعد تأكيد القائمين عليه أن الأرقام تمثل "تعهدات غير ملزمة".
وتباينت ردود الفعل بين من اعتبرها فكرة إبداعية تعكس قوة التأثير الرقمي، ومن شكك في قابليتها للتنفيذ، في حين رأى آخرون أنها مؤشر على تصاعد الاهتمام بنماذج الملكية الجماعية.
وتقوم فكرة المبادرة على نموذج ملكية جماعية يتيح لكل مشارك صوتا متساويا بغض النظر عن قيمة مساهمته، مع طرح تصور لإدارة الشركة إذا نجح الشراء، رغم اعتراف القائمين عليها بأن المشروع ما يزال في إطار الفكرة التجريبية ولم يتحول إلى مسار قانوني أو استثماري رسمي.
المصدر:
الجزيرة