الخرطوم ـ "فقدنا كل ممتلكاتنا، لكننا استطعنا بجهود التضامن أن نعود إلى قريتنا"، بهذه الكلمات يلخص خضر عبد الرحمن حكاية عودة سكان قرية الهبيكة النقر شرق ولاية الجزيرة وسط السودان، بعد أشهر من النزوح القاسي الذي شتت أبناءها وبدّد ما يملكون.
ويقول عبد الرحمن للجزيرة نت إن جميع سكان القرية عادوا إلى منازلهم بجهود شعبية، بعد أن فقدوا معظم ممتلكاتهم، مشيرا إلى أن أبرز التحديات الحالية تتعلق بالآثار النفسية التي يعانيها الأطفال، مثل اضطرابات النوم والخوف من أصوات الرصاص التي لم يعتادوا عليها من قبل.
ويتفق الصحفي الطيب علي، أحد أبناء القرية، مع عبد الرحمن في أن التكافل الاجتماعي كان العامل الحاسم في تجاوز الأزمة، مشيرا للجزيرة نت إلى أن سكان القرية -البالغ عددهم نحو 600 أسرة- تحولوا خلال المحنة إلى "أسرة واحدة"، تقاسمت الألم والأمل.
ويضيف أن استضافة أهالي منطقتي أمات رميلة وعد الطين لعبت دورا مهما في التخفيف من معاناة النازحين، إذ تحول المعسكر إلى مساحة تضامن واسعة احتضنت مئات الأسر.
ورغم عودته إلى قريته وبين أهله، لم ينس إبراهيم حمزة لحظات النزوح الأولى من قرية الهبيكة النقر قائلا " مشينا أكثر من 70 كيلومترا على الأقدام… رأينا نساء يضعن أطفالهن في الحقول ونحن نهرب من القرية".
ووصف حمزة، في حديث للجزيرة نت، رحلة الهروب بأنها كانت "مليئة بالمشقة والخوف"، خاصة مع وجود مرضى وكبار سن لم يتمكنوا من السير إلا بمساعدة الآخرين.
هذه الشهادات تختصر مشهدا إنسانيا قاسيا عاشه سكان القرية، حين تحولت حياتهم المستقرة إلى رحلة نزوح جماعي، بعد أن اجتاحت قوات الدعم السريع المنطقة في أكتوبر/تشرين الأول 2024، ضمن حملة طالت قرى شرق الجزيرة.
ويقول محمد العبيد المسلمي، أحد أعضاء غرفة طوارئ القرية، إن ما جرى كان صدمة غير مسبوقة للسكان، إذ لم يسبق لهم أن غادروا قريتهم التي عاشت -لمئات السنين- على إيقاع حياة بسيطة وروابط اجتماعية متماسكة، كغيرها من القرى السودانية.
ويضيف للجزيرة نت أن قرار المغادرة جاء بشكل مفاجئ، بعد تواتر الأنباء عن انتهاكات في القرى المجاورة، شملت القتل والنهب والاعتداءات، ما دفع الأهالي إلى الاجتماع واتخاذ قرار عاجل بالرحيل مساء 26 أكتوبر/تشرين الأول 2024، دون تحديد وجهة واضحة، في خطوة وصفها بأنها "ستظل محفورة في ذاكرة أهل القرية".
ورغم اندلاع الحرب في الخرطوم في أبريل/نيسان 2023، ظلت قرية الهبيكة النقر بعيدة نسبيا عن أجواء القتال، واستمرت الحياة فيها بشكل طبيعي، حتى بعد سيطرة قوات الدعم السريع على ولاية الجزيرة في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه.
لكن هذا الهدوء لم يدم طويلا، إذ اقتحمت قوات الدعم السريع قرى شرق الجزيرة في 24 أكتوبر/تشرين الأول 2024، في سياق تحولات ميدانية شهدتها المنطقة، ما وضع القرية فجأة في قلب الصراع.
بدأت عملية الإجلاء بجهود ذاتية، حيث وفّر أبناء القرية شاحنات لنقل الأهالي مجانا، وشكل الشباب غرفة طوارئ لتنظيم خروج السكان، مع إعطاء الأولوية لكبار السن والنساء والأطفال.
وانطلقت القوافل في طرق وعرة زادها تعقيدا موسم الخريف، غير أن مشاهد التضامن خففت من وطأة الرحلة، إذ استقبلت القرى الواقعة على الطريق النازحين وقدمت لهم الطعام والماء والمأوى.
ويشير المسلمي إلى أن القافلة توجهت نحو ولاية القضارف، حيث وصلت بداية إلى منطقة "أمات رميلة" قرب مدينة الفاو، وأقيمت خيام مؤقتة، قبل أن يتضح أن الموقع غير مناسب لإقامة معسكر دائم.
وفي لحظة إنسانية فارقة، بادر أحد المزارعين في قرية "عد الطين" القريبة إلى التبرع بـ10 أفدنة من أرضه، رغم استعداده لزراعتها، لإقامة معسكر للنازحين تتوفر فيه المياه والخدمات.
هناك، بدأ الأهالي بناء معسكرهم بأيديهم، فنصبوا الخيام وشيدوا المرافق الأساسية، بدعم من أبناء القرية في المهجر، في تجربة جسدت قوة التضامن المجتمعي في مواجهة المحنة.
وبعد أكثر من 3 أشهر من النزوح، بدأت ملامح العودة تلوح مع استعادة الجيش السوداني السيطرة على ولاية الجزيرة، حيث أرسل الأهالي فريقا لتقييم الأوضاع في القرية.
وأظهرت المعاينة حجم الخسائر، إذ تعرضت القرية لعمليات نهب واسعة شملت منظومات الطاقة الشمسية والممتلكات الخاصة وأكثر من 100 سيارة، إضافة إلى تخريب المركز الصحي الوحيد.
ورغم ذلك، لم ينتظر السكان دعما حكوميا أو دوليا، بل أطلقوا مبادرات ذاتية لإعادة الإعمار، شملت شراء أنظمة طاقة شمسية جديدة، وتأهيل المدارس والمركز الصحي، وتوفير المعدات اللازمة، بتمويل من أبناء القرية المغتربين.
عاد الكادر الطبي من أبناء القرية لتشغيل المركز الصحي، واستُؤنفت الخدمات الأساسية تدريجيا، كما أعيد تأهيل المدرسة وبناء فصل إضافي لاستيعاب الطلاب.
وتعد قصة قرية الهبيكة النقر نموذجا لآلاف القصص الإنسانية التي أفرزتها الحرب في السودان، التي تدخل عامها الرابع دون أفق واضح للحل.
وفي مواجهة هذا الواقع، لا يبدو أن السلاح وحده هو من يحدد مسار الأحداث، بل يبرز التكافل الاجتماعي كقوة قادرة على إعادة بناء ما دمرته الحرب، وتحويل الألم إلى أمل، كما فعل سكان القرية.
اكتمال إعادة تركيب الطاقة الشمسية للبئر الرئيسي للقرية (الجزيرة)نهب منظومات الطاقة الشمسية أدى إلى توقف إمداد المياه عن القرية (الجزيرة)
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة