في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بعيد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، ومع وصول جيش الاحتلال إلى مشارف العاصمة اللبنانية بيروت، خرجت مجموعات متعددة المشارب من شبان ضاحية بيروت الجنوبية للقتال في خلدة، فجر 9 يونيو/حزيران من ذلك العام. من بين الخارجين كانت مجموعة في أوائل العقد الثالث من العمر جاءت إلى منطقة القتال من ناحية الأوزاعي (إحدى ضواحي بيروت الفقيرة).
يقول أحدهم: "عندما رأيت رتل المدرعات الإسرائيلية يتقدم ناحية بيروت تقدمتُ مجموعتي لأرمي الرتل بقذائف آر بي جي. وما إن أصبت إحدى المدرعات حتى طالعني صحافي كان يركض إلى جانبي صارخاً عليّ: من أنتم؟ لم أعرف ما ينبغي عليّ إجابته. فأجبت بدون تفكير: نحن أبناء الخميني".
"كان فؤاد شكر واحدا من مجموعة العشرة، وهم 10 شبان في مطلع العمر تعاهدوا فيما بينهم في أحد مساجد الأوزاعي على قتال إسرائيل حتى الموت"
كان ذلك الشاب هو فؤاد شكر، أما هذه المجموعة فكانت تدعى "مجموعة العشرة"، وكانوا عبارة عن 10 شبان في مطلع العمر تعاهدوا فيما بينهم في أحد مساجد الأوزاعي على قتال إسرائيل حتى الموت، كما تقول الرواية. مع الوقت، راحوا ينقصون واحداً تلو الآخر، أغلبهم قتلوا في مواجهات مع إسرائيل على فترات متباعدة. وآخر العشرة كان فؤاد شكر، أو الحاج محسن كما يُعرف داخل حزب الله. الشاب الذي خرج إلى خلدة قائدا لمجموعة صغيرة صار بعد عقود قائد أركان حزب الله، والتحق هو برفاقه في 30 يوليو/تموز 2024 في استهداف إسرائيلي في قلب الضاحية.
تستثير تلك القصة التفكير في جذور حزب الله، فهي من ناحية تشير إلى جذوره الإيرانية الصريحة حيث يصف أحد قادته نفسه ورفاقه بأنهم "أبناء الخميني"، غير أنها تبدو كذلك معبرة عن لحظة لبنانية خالصة، وخلفية اجتماعية لها سياقها الخاص المتمايز عن السياق الإقليمي والإيراني. يستدعي هذا النظر في جذور تجربة حزب الله كفكرة في الثقافة اللبنانية والعاملية (نسبة إلى جبل عامل)، حتى وإن لعبت الثورة الإسلامية في إيران دورا محوريا في تحويل تلك الفكرة إلى واقع.
يمكن القول إن حزب الله نشأ كنقطة تقاطع لثلاثة تحولات كبرى، كان أولها التحول في الوعي السياسي للريف اللبناني خلال الخمسينات والستينات. لم يكن الفلسطينيون قد دخلوا الجنوب بعد، إثر اتفاقية القاهرة 1969 (التي سمحت لمنظمة التحرير الفلسطينية بالعمل الفدائي انطلاقا من جنوب لبنان).
كان ذلك التحول جزءا من تحول الريف اللبناني خصوصا، والريف عالمياً، بعد الحرب العالمية الثانية. فقد قادت الحرب إلى ارتفاع أسعار العقارات في المدن، في مقابل استمرار الفقر في الريف، ما أدى حركة نزوح من الريف، ولكن ليس إلى قلب المدينة، وإنما إلى أطرافها، حيث تشكلت أحياء الفقراء النازحين من الريف، وتشكل معها وعي سياسي جديد.
"في حالة لبنان، كان التحول في العلاقة بين الريف والعاصمة حاسما في ولادة المسألة الشيعية في لبنان، حيث أدى النزوح نحو ضاحية بيروت الجنوبية إلى ظهور الشيعة كقوة سياسية"
لم تحظَ تلك التحولات التي طالت الريف في المنطقة العربية، وفي الجنوب العالمي عموما، بما تستحقه من الدراسة، بالرغم من أنها شكلت المشهد السياسي إلى حد بعيد، خاصة في سوريا والعراق واليمن على أقل تقدير. وفي حالة لبنان، كان التحول في العلاقة بين الريف اللبناني والعاصمة حاسماً في ولادة المسألة الشيعية في لبنان، حيث أدى النزوح نحو ضاحية بيروت الجنوبية إلى ظهور الشيعة كقوة سياسية كامنة، وهي القوة التي لم تنضج إلا بعد وصول السيد موسى الصدر إلى لبنان نهاية الخمسينات، وبدء تأسيس حركة أمل.
أما التحول الثاني فتمثل في الصحوة الإسلامية داخل البيئة الشيعية. كانت تلك الصحوة، أيضا، جزءا من ظاهرة أوسع مر بها العالم العربي. وقد عبرت تلك الصحوة عن نفسها في البيئة الشيعية في لبنان من خلال نخبة إسلامية انضوت تحت عباءة حزب الدعوة. تأثرت تلك النخبة على نحو خاص بجماعة الإخوان المسلمين، وإن اتخذت أسلوبها الخاص في العمل في لبنان.
آمنت "جماعة الدعوة" في لبنان بضرورة العمل السياسي المرحلي عبر "أسلمة" الفرد، فالأسرة، فالمجتمع، ومن ثم الدولة. ومن ناحية أخرى، عملت تلك الجماعة على تشكيل جهازها العسكري الخاص تماهياً مع فكرة التنظيم السري الخاص بالإخوان المسلمين. ظلّت تلك الجماعة بعيدة عن الأضواء، إلا أنها أفرزت عددا من الكوادر التي ستلعب دورا محوريا لاحقا في تأسيس وقيادة حزب الله، ومن هؤلاء الأمين العام للحزب اليوم الشيخ نعيم قاسم، ورئيس كتلة حزب الله النيابية محمد رعد.
"آمن حزب الدعوة في لبنان بضرورة العمل السياسي المرحلي عبر أسلمة الفرد، فالأسرة، فالمجتمع، ومن ثم الدولة، في تأثر بمنهج الإخوان المسلمين"
وعلى أي حال، بإمكاننا اعتبار المجموعة الآنفة الذكر اتجاها إسلاميا حداثيا آمن بـ"شمولية الإسلام" و"حاكمية الشريعة"، وتطلع للتصدي لمشكلات المجتمع انطلاقاً من القضايا الأساسية للإسلام السياسي العربي عموما مثل وحدة الأمة الإسلامية، والقضية الفلسطينية، وتحكيم الشريعة. وقد عبرت أدبيات السيد محمد حسين فضل الله والشيخ علي الكوراني خلال السبعينيات عن رؤى هذه المجموعة وتصوراتها النظرية.
أما الرافد الثالث الذي قاد إلى لحظة حزب الله فتمثل في المد الثوري "العالم ثالثي" عموما، والفلسطيني على وجه التحديد. فقد امتزجت في هذا الاتجاه الأفكار اليسارية الماوية (نسبة إلى ماو تسي تونغ) مع توجهات إسلامية ثورية برزت لاحقا. عبرت الكتيبة الطلابية عن الإرهاصات المبكرة لهذا الامتزاج، قبل أن يأخذ تجليه الأبرز في "منظمة الجهاد الإسلامي" اللبنانية.
في كتابه "حياة غير آمنة: جيل الأحلام والإخفاقات"، يحكي شفيق الغبرا كيف ابتدأت ملامح العلاقة الأولى بين الكتيبة الطلابية في بنت جبيل (مدينة في جنوب لبنان) والسيد عبد الرؤوف فضل الله، أحد أبرز المجتهدين الشيعة في جنوب لبنان، ووالد المرجع السيد محمد حسين فضل الله، وكيف صار غبرا (وكان آنذاك مسؤول منطقة بنت جبيل في الكتيبة) ومعه مقاتلو الكتيبة من مرتادي الصلاة كل يوم جمعة خلف فضل الله.
أما منظمة الجهاد الإسلامي (وهي غير حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين)، فقد شكلت واحدة من روافد "العمل الثوري الإسلامي" في لبنان المتأثر بأسلوب عمل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وطريقة عمل وديع حداد الذي قاد ما يعرف بـ"دائرة العمل الخارجي"، ورفع شعار "وراء العدو في كل مكان" عبر هجمات استهدفت المصالح الإسرائيلية حول العالم. كانت أبرز عمليات تلك المنظمة تفجيرات بيروت عام 1983 التي استهدفت بعثة من الجنود الأمريكيين والفرنسيين في لبنان عبر تفجير شاحنتين، مما أدى إلى مقتل 241 جنديا من المارينز، و58 عسكريا فرنسيا.
"أبرز عمليات منظمة الجهاد الإسلامي اللبنانية هي تفجيرات بيروت عام 1983 التي استهدفت بعثة من الجنود الأمريكيين والفرنسيين في لبنان"
وقد لا نقع على كثير من الآثار المكتوبة عن تلك المنظمة (التي انحلت لاحقا وانضم الكثير من نشطائها إلى حزب الله بعد تأسيسه)، إلا أن بيانها في "الذكرى الرابعة لتفجيرات المارينز والمظليين الفرنسيين" يعد مرجعا أساسيا في التعرف على أفكارها. فبإمكاننا اعتبار هذا البيان واحدا من أدبيات "لاهوت التحرير الإسلامي" في الثمانينيات. حيث عبّر عن التمرد الروحي على الواقع السياسي القاهر الذي يعيشه المسلمون عامة. ويظهر ذلك في إشارة البيان المتكررة لمأزق المجتمعات الإسلامية الناتج عن "ولادة النظم المستتبعة في القرن الأخير"، وإعلانه "نهاية عصر الاستضعاف"، ووعيده الشديد للمستعمرين. لكن البيان كذلك حمل بعض المفردات الخمينية، مثل مصطلحي "المستضعفين" و"المستكبرين".
كانت كل هذه الاتجاهات تتفاعل قبل ولادة حزب الله، لكن كان هناك خيطان مشتركان وممتدان داخل بنية كل هذه الاتجاهات؛ أحدهما واقعي، والآخر نظري. أما الجانب الواقعي فيكمن في أن كل هذه الاتجاهات عبرت عن حالة من القهر والغضب المتراكم لعقود: غضب الريف الذي نزح إلى العاصمة ناقما على حكم همّشه (يأخذ هذا التهميش في لبنان شكل مواجهة بين الأطراف والمركز)، وغضب أهل الجنوب من الشيعة على الدولة المركزية التي تناستهم وأسقطتهم من حساباتها، وغضب الإسلاميين من نظام عالمي فُرض عليهم ولم يحسب لهم ولا لثقافتهم حسابا.
وأما الجانب النظري فيكمن في التقليد الشيعي "العاملي" أو الشامي الذي يشير إلى النتاج الفقهي للمدرسة الشيعية الاثني عشرية في بلاد الشام، وتحديدا في جبل عامل، وهو يتمايز عن التقليد الشيعي القُمّي (الإيراني) الذي ركز على علمي الحديث والتصوف، وكذلك عن التقليد الشيعي النجفي (العراقي) الذي ركز على علمي الأصول والكلام.
"التفت التقليد الشيعي في بلاد الشام مبكرا إلى المسألة السياسية، وكان متقدما في هذا الصدد على النجف وقم"
التفت التقليد الشيعي في بلاد الشام مبكرا إلى المسألة السياسية، وكان متقدما في هذا الصدد على النجف وقم. وقد لا يصعب على الباحث لحاظ الاهتمام بالشأن السياسي في التقليد الفقهي الشيعي الشامي، بداية من الفقيه محمد بن مكي العاملي الجزيني الملقّب بالشهيد الأول، في القرن الرابع عشر الميلادي، وصولاً إلى السيد محسن الأمين والسيد محمد حسين فضل الله في عصرنا الحاضر.
ربما يعود ذلك إلى طبيعة بلاد الشام المتنوعة طائفياً ودينياً، وما يفرضه هذا التنوع من حضور طاغٍ للسؤال السياسي. وقد أثر هذا الوعي الفقهي السياسي على حزب الله في بداية تجربته، ويمكن التماس ذلك الأثر على سبيل المثال في مقاربات الشيخ علي الكوراني في كتابه "طريقة حزب الله في العمل الإسلامي"، وأيضا في "رسالة حزب الله المفتوحة إلى العالم" عام 1985.
بانتصار الثورة الإسلامية في إيران، وجدت جميع الاتجاهات آنفة الذكر في التجربة الإيرانية نموذجا ملهما، وقد عزز الاجتياج الإسرائيلي لبيروت في الثمانينات تحديدا التواصل بين إسلاميي لبنان من الشيعة وإيران. ففي كتابه "حزب الله: المنهج، التجربة، والمستقبل"، يقدم الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم صورة بانورامية عما كان يعتمل داخل الحالة الشيعية من نقاشات حول التنظيم وهويته وعلاقته بالمجتمع عشية الاجتياح. لم تكن الأمور واضحة ومحسومة بعد، إلا أن الاجتياح دفع الحركات الوطنية ومعها الكثير من القوى الإسلامية، إلى تشكيل لجنة من تسعة أفراد لزيارة إيران ولقاء آية الله الخميني.
وقد قام التنظيم (الذي عرفه الجميع لاحقا بحزب الله) بحسب قاسم على 3 مبادئ: تبني الإسلام كطرح شامل، مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وولاية الفقيه. ومع ذلك، واجه حزب الله تحديات كانت متقدمة على تأطيره النظري مع نهاية الحرب الأهلية اللبنانية وطرح اتفاق الطائف، ثم مع انخراطه في الانتخابات النيابية عام 1992. وفي كلتا اللحظتين، كانت حركة الحزب السياسية متقدمة على موقفه النظري.
"عزز الاجتياج الإسرائيلي لبيروت في الثمانينات التواصل بين إسلاميي لبنان من الشيعة وإيران"
ففي اللحظة الأولى، رأى حزب الله أن بناء السلم الأهلي لا يمكن أن يتحقق من خلال دولة طائفية، فالطائفية تؤسس لتوازن مختل وعلاقة صراعية بين الناس، فيما المطلوب أن تُبنى في لبنان دولة عادلة تنهي الخلل من جذوره، وفقا لتصريحات مصوّرة أدلى بها الأمين العام للحزب آنذاك السيد عباس موسوي (لا يمكن تجاهل المفارقة بين هذا الخط الفكري وبين بعض ممارسات حزب الله اللاحقة خاصة بعد الثورة السورية).
أما في مسألة الانتخابات ودخول البرلمان، فقد كان الموقف الفقهي للحزب هو عدم جواز المشاركة في البرلمان. وقد سئل المرجع الإيراني ورئيس السلطة القضائية في إيران السيد محمود الهاشمي الشاهرودي عن جواز دخول الانتخابات خلال زيارته إلى لبنان في ذلك الوقت، فرد الهاشمي بعدم الجواز، وهو الموقف الذي كانت غالبية شورى حزب الله مقتنعة به. لكن حزب الله تأقلم سياسيا بفعل إعادة هيكلة الحزب التي تمت تحت قيادة أمينه العام السيد حسن نصر الله عام 1992.
زعيم حزب الله الأسبق عباس الموسوي (الثاني يسار) وعلى يمينه زعيم حركة أمل نبيه بري عام 1989 (رويترز)شهدت فترة التسعينات انعطافة كبرى مع إعادة توطين الحزب لنفسه داخل البيئة اللبنانية، حتى إذا ما وصلنا إلى عام 1996، تبنى الحزب للمرة الأولى "الصيغة اللبنانية كما هي" عندما وضع الشيخ نعيم قاسم العلم اللبناني من خلفه في مؤتمر صحافي خلال عدوان أبريل/نيسان 1996 الذي أطلقت عليه إسرائيل عملية "عناقيد الغضب".
"شهدت فترة التسعينات انعطافة كبرى مع إعادة توطين الحزب لنفسه داخل البيئة اللبنانية"
على مستوى التسمية أيضا، أعاد الحزب تحديد هويته بشطب عبارة "الثورة الإسلامية في لبنان" واعتماد "المقاومة الإسلامية في لبنان" على علمه، في إشارة لتحديد الدور والهدف. لكن هذا التحول الرمزي البسيط كان يشير إلى تحول أعمق في رؤية حزب الله لنفسه، من حركة إسلامية تتطلع إلى بناء المجتمع الإسلامي الشامل، إلى حركة إسلامية محددة الدور، وظيفتها هي مواجهة الاحتلال الإسرائيلي للبنان وفلسطين.
تكاد تخلو كراسات التثقيف الداخلية (وهي متاحة على الإنترنت) الصادرة عن جمعية المعارف الثقافية (الهيئة المختصة بالتثقيف الأيديولوجي داخل الحزب)، من أي مواد تناقش الانقسام بين مكونات الحزب والتيارات المختلفة داخله. لقد صارت الكراسات مع الوقت أكثر تهذيباً وأقل خلافية، ومن ثمّ أقل عمقاً وأبعد تعاملا مع الأسئلة الصعبة، مقارنة بمواده التثقيفية السابقة مثل "مجلة المنطلق". وعوضا عن الأطروحات الكبرى في "المنطلق" حول تحديات الأمة، صارت كراسات حزب الله تتناول تحديات المقاومة الإسلامية في لبنان، ومشتركات المجتمع الشيعي اللبناني الذي أصبح أكثر فأكثر مجتمعا سياسيا بطبيعته.
شهدت تلك المرحلة كذلك استعادة أدبيات السيد موسى الصدر، تحديداً بعد تحرير لبنان عام 2000. تتميز مقاربات موسى الصدر بطبيعتها الرحبة وإن طغت المقولة الشيعية عليها. كان الصدر يرى الأولوية في تمكين شيعة لبنان في الدولة، ومنح الصبغة الشرعية لعملهم من خلال مؤسسات الدولة الطائفية، مع ما يستلزمه الأمر من اعتراف بلبنان كوطن نهائي لجميع أبنائه، وكمقدمة وأولوية على كل ما عداه من قضايا. وهي الرؤية التي يمكن التماسها في الوثيقة السياسية الثانية لحزب الله، الصادرة عام 2009.
"جاءت الوثيقة الثانية لحزب الله مشغولة بأسئلة الوطنية اللبنانية والممارسة الديمقراطية، مع اعتراف رسمي وواضح بلبنان وطنا نهائيا لجميع أبنائه"
جاءت الوثيقة الثانية لحزب الله مشغولة بأسئلة الوطنية اللبنانية والمواطنة والممارسة الديمقراطية، مع اعتراف رسمي وواضح بلبنان وطنا نهائيا لجميع أبنائه، فيما بدا كتحول في هوية حزب الله ودوره، آنذاك، من "طليعة للحركات الجهادية في الأمة الإسلامية"، إلى "رأس حربة لحركات المقاومة في لبنان" ليس إلا.
بإمكاننا لحاظ نمو ذاك الاتجاه من قبل صدور الوثيقة، وانشغال حزب الله بسؤال الوطن والمواطنة طوال المرحلة الممتدة من خروج الجيش السوري من لبنان عام 2005، وحتى اندلاع الثورة السورية عام 2011 بأقل تقدير. وقد كان هذا التحول متفهّماً في سياق التحولات الكبيرة في المنطقة مع بدء مرحلة الحرب على الإرهاب، وما تلاها من غزو أمريكي للعراق وانفجار المسألة الطائفية في المنطقة، حيث مورست ضغوط كبيرة على الحزب، من بينها الحرب الإسرائيلية في يوليو/تموز 2006.
لكن ذلك لم يمنع من ازدهار حراك فكري مشهود في الضاحية في تلك الفترة وحتى عام 2011. لقد استضافت الضاحية آنذاك عدداً كبيرا من المثقفين والمفكرين الإسلاميين والعلمانيين العرب، من بينهم طه عبد الرحمن، وهبة رؤوف عزت، ومطاع صفدي، وحسن حنفي، وطيب تيزيني، وراشد الغنوشي، وعزمي بشارة.
كلهم زاروا الضاحية آنذاك، وكلهم قدموا وسمعوا مقاربات حول الحداثة والمقاومة وسؤال النهضة والحضارة. وفي إحدى الندوات الفلسفية عن هايدغر، سأل أحد الآباء المسيحيين مستغرباً بالقرب من المربع الأمني لحزب الله آنذاك: "ماذا يفعل هايدغر في الضاحية؟" في تعبير عن غرابة ما رآه.
"لم تخف الحركة الثقافية في الضاحية أسئلة القلق الهوياتي الكامنة وراء كل مفردة من مفردات هوية حزب الله: الوطنية، الإسلامية، الشيعية، والمقاومة"
كان ذلك النشاط جزءاً من هوية منفتحة أراد الحزب تقديمها، ومحاولة لتأسيس ثقافة مواكبة للمشهد الثقافي العام في العالم العربي. ومع ذلك، لم تخف هذه الحالة المتقدمة أسئلة القلق الهوياتي الذي كمن ولم يطفُ إلى السطح حول المراد من وراء كل مفردة من مفردات هوية حزب الله (الوطنية، الإسلامية، الشيعية، والمقاوِمة)، وموقع كل منها في الهرم الهوياتي للحزب.
فالحزب عشية الثورة السورية كان حزباً لبنانيا، ومقاوما، وشيعيا، وإسلاميا، في آن معاً، وكان يستفيد من هذا التراكب الهوياتي الذي يفتح له فضاءات متعددة للخطاب. لكن الأزمة لم تكن في التعدد نفسه، بل في ما يمكن أن تفرضه الأحداث من مساس بمراتب بهذا التعدد. بمعنى آخر، ماذا لو وقع الحزب أمام استحقاق يقع فيه تزاحم بين ركنين أساسيين من أركان هويته؟ ماذا لو تزاحم مشروع المقاومة بينما تتهدد الجماعة الشيعية؟ أيهما له الأولوية؟ ثم ماذا لو كانت المسألة الشيعية أو الإسلامية متعارضة مع المصلحة الوطنية؟
تلك أمور ناور الحزب فيها ثقافيا، وحاول اجتراح أجوبة توفيقية عليها قدر المستطاع كما تشهد على ذلك جملة من النصوص لكل من الحاج محمد رعد والسيد هاشم صفي الدين، لكن ممارساته العملية بشأنها لم تحلها الأجوبة النظرية، وهو ما أوقع الحزب في مأزق الهوية الذي سقط فيه منذ الثورة السورية وحتى لحظة الطوفان.
الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر يوصف من قبل نقاده بأن أفكاره مركزية في رؤى اليمين المتطرف المعاصر (غيتي)بعيد تحرير جنوب لبنان سنة 2000، وفد عدد من قيادات الحزب العسكرية والسياسية إلى طهران للقاء المرشد الراحل علي خامنئي الذي وصف حزب الله في ذلك اللقاء بأنه "جماعة إيمانية جهادية". يحمل هذا التعريف لحزب الله دلالات مهمة، أولها تقديم المسألة الدينية على ما سواها، مع ما يحمله هذا الأمر من تبعات تتعلق برؤية الحزب لنفسه كحركة إسلامية وشيعية على وجه التحديد. لكن هذا التعريف يحمل توترا بالضرورة مع الجانب الجهادي "المقاوم" في رؤية الحزب لنفسه، ويسعى الحزب أحيانا إلى تحقيق الالتئام بين هذين الشقين، الهوياتي والجهادي، بتعريف التشيع تعريفا جهاديا يربطه بالضرورة بالعداء للمشروع الإسرائيلي كأساس لتصورات الحزب الدينية والسياسية.
"يسعى الحزب إلى تحقيق الالتئام بين الشقين، الهوياتي والجهادي، بتعريف التشيع تعريفا جهاديا يربطه بالعداء للمشروع الإسرائيلي"
يخوض حزب الله، كغيره من الحركات السياسية، غمار السياسة في إطار من التحدي والاستجابة، فإذا ما علا التحدي الهوياتي الطائفي، صارت مقاربة الحزب أميَل للجانب الأول من هويته، أما إذا ما مالت البيئة المحيطة به لمواجهة إسرائيل، فإن الجانب الثاني المقاوم يغلب على الحزب فينصب تركيزه على مواجهة المشروع الإسرائيلي في المنطقة، وهو ما تجلى في تحولات البوصلة السياسية للحزب قبل وبعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
فقد انشغل الحزب في الفترة السابقة على ذلك بالصراعات السياسية ذات الطابع الطائفي في لبنان وسوريا، أما بعد اندلاع المعركة مع إسرائيل، فقد وجه الحزب جهوده نحو الأراضي المحتلة، رغم القلق على المخاطر التي تحملها تلك المواجهة وتتهدد نفوذه الإقليمي في سوريا والداخلي في لبنان. ورغم كل الكلف التي حملها الحزب وتحملتها بيئته بعد تلك المعركة، تمسك الحزب بالمواجهة مع إسرائيل وعاد إليها عودا لم تتخيله إسرائيل نفسها.
وعموما، بإمكاننا اعتبار السابع من أكتوبر 2023 واحداً من التواريخ المؤسسة في المنطقة، شأنه شأن 15 مايو 1948 الموافق لذكرى النكبة. وبمعنى آخر، هو لحظة فاصلة بين منطقين في عالمنا العربي. فبعد عقد ونيف من الاقتتال الطائفي والهوياتي الذي تورط فيه حزب الله، أعاد طوفان الأقصى المسألة الفلسطينية والمواجهة مع المشروع الإسرائيلي إلى الواجهة، ومعها أعادت المنطقة تعريف انقساماتها وفق منطق سياسي جديد.
لقد أثبت الطوفان أن مواجهة إسرائيل لن تكون بعد اليوم بالنحو الذي كان متخيلا من قبل. فالمسألة ليست مسألة سلاح ولا عتاد بالدرجة الأولى (على أهمية السلاح والعتاد)، وإنما هي قبل كل شيء مسألة رؤية ومشروع أمة في مواجهة نظام دولي وعالمي. هل تتحمل طائفة أو جماعة أو دولة وحدها كلفة المواجهة؟ الحال يجيب بالنفي بالتأكيد. عليه، ثمة حاجة لإعادة النظر بالشكل العام للصراع وموقع الحزب وموضع الدولة اللبنانية والطائفة الشيعية ومعها الطوائف الأخرى منه.
"يشكل الطوفان محطة مركزية وفاصلة بين منطقين في ثقافة حزب الله"
سيشكل الطوفان محطة مركزية وفاصلة بين منطقين في ثقافة حزب الله. فالحزب اليوم أمام ولادة ثانية غير مكتملة الملامح. وربما لا يستطيع أي منا تحديد وجهة الحزب وأساليب عمله مستقبلاً، إلا أن الحزب مثله مثل أي جماعة سياسية تخوض عملها من منطلق التحدي والاستجابة كما ذكرنا. وسؤال الحزب وثقافته، في وجهه الآخر هو سؤال شعوب هذه المنطقة وثقافتها هي الأخرى: في أي درب ستمضي هذه المنطقة؟ هل ستعيد الأمة، بأحزابها ومثقفيها وفاعليها، المسألة الفلسطينية ومطلب التحرر إلى الواجهة؟ أم ستبقى عالقة في صراعات الهوية بلا مخرج؟
من المرجح أن فضاء حزب الله الثقافي سيكون أرحب بعد انتهاء هذه الحرب إذا قدر لها الانتهاء، رغم أن فضاءه السياسي ربما لن يكون بذات الرحابة. فثمة كثير من الأسئلة المستحقة المطروحة على مجتمع الحزب وبيئته حول المقاومة والدولة، والتحرير والتنمية، وحول المشاكل الأخرى التي تواجه المجتمع اللبناني وتهدده. الجواب على هذه الأسئلة الصعبة هو ما سيحدد مستقبل الحزب، الذي لا تقل هويته أو إرثه تعقيدا عن التحديات التي يواجهها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة