قلنديا (القدس)- في مخيم قلنديا شمالي القدس المحتلة، تعيش الفلسطينية أمل مناصرة (65 عاما) مع زوجها جهاد حالة من الترقب والقلق المستمرَين تحسبا لاقتحام لقوات الاحتلال لمنزلها.
وتستحضر مشاهد الدماء التي رافقت اللحظات الأولى لاعتقال أبنائها الثلاثة، بعد تعرُّض المنزل للاقتحام والتدمير 5 مرات.
عائلة مناصرة، تُشاطر ما يقارب 25 ألف لاجئ في مخيم قلنديا ذات المشاعر والمصير عند اقتحام جيش الاحتلال للمخيم، والذي أصبح مشهدا يوميا يواجه الأهالي الذين هُجِّروا من قرى بئر ماعين، ساريس، قشوع، برفيليا، اللد، الرملة، يافا، والقدس.
تروي الأم -للجزيرة نت- لحظة الاقتحام الأول لمنزلها بتاريخ 12 أكتوبر/تشرين الأول 2023 واعتقال ابنها محمد (28 عاما) وهو محكوم حاليا بالسجن الفعلي لمدة 30 شهرا، وحينها أقدم جنود الاحتلال على احتجازه برفقة شقيقيه أحمد وأنس وقاموا بالاعتداء عليهم بالضرب المبرح داخل إحدى الغرف، وبتعذيب شقيقه أنس عبر وضع رأسه داخل أحد أدراج الخزائن وتعمد رطمه لأكثر من مرة وتُرك ينزف.
ولم يكتفِ جيش الاحتلال بإلغاء حفل زفاف محمد الذي كان على وشك الإتمام، وتنغيص فرحة العائلة، بل اعتقل شقيقه أنس (26 عاما) بعد 12 يوما من الاقتحام الأول، وتقول الأم "لم أُميّز لِمَن الاعتقال هذه المرة، هل هو لأنس أم لأحمد! وبعد مغادرتهم قمت بفتح الغرفة لأجد أحمد مُلقى على سريره ويئن ألما من شدة الضرب الذي تلقاه على جسده، ولحظتها فقط علمت أن أنس هو الذي اعتُقل".
وتضيف "أنس ما زال موقوفا منذئذٍ، وهو يعاني من إصابة منذ عام 2016 في قدمه، والتي أدت إلى تلف 5 أعصاب وأوتار، كما أنه لا يقوى على المشي أو التحرك بشكل طبيعي، ويمنع الاحتلال إدخال أدويته إلى سجن عوفر".
وجدت العائلة نفسها في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2024، محاصرة مجددا من جيش الاحتلال بعد تفجير باب المنزل، لاعتقال أحمد (20 عاما). وعن ذلك الاعتداء نبشت ذاكرتها لسرد تفاصيله "احتجز الجيش شقيقته ووالده كأسلوب للضغط عليه واعتدوا عليه بالضرب، مع التركيز على منطقة القلب".
وفي هذا السياق، يقول والد الأسرى جهاد مناصرة إن "الجندي قام بضربي مرتين على قلبي، وقال لي: أعرف أنك مريض قلب".
وتعدت الاقتحامات مسألة الاعتقالات، ووصلت إلى تدمير كافة ممتلكات المنزل ليصبح غير قابل للعيش، كما تصف أمل "دمَّر جنود الاحتلال المنزل وبعض مرافقه، فحطموا الأبواب والنوافذ وأتلفوا الأجهزة الكهربائية والأثاث… لم نتمكن من إصلاح ما دمَّره الاحتلال لكثرته".
بقلبٍ مثقلٍ، ختمت والدة الأسرى الثلاثة الذين يقبعون حاليا خف قضبان سجن عوفر، وقد انقطعت أخبارهم وانعدمت سبل التواصل معهم، حديثها قائلة: "ما قدرت أحمي أحمد ومحمد وأنس.. عجّبوا عليهم! وكيف ظليت وما أُصبت بجلطة بعدهم".
ووفقا لبيانات مركز قلنديا الإعلامي، فإنه منذ شنّ الاحتلال الإسرائيلي حرب الإبادة على قطاع غزة أواخر عام 2023 حتى اليوم، ارتقى 11 شهيدا من أبناء مخيم قلنديا.
كما قدّم 102 من أبنائه شهداء منذ حرب النكسة عام 1967 والتي احتلت خلالها إسرائيل الضفة الغربية وشرقي القدس.
الصحفية أسيل صبحي التي تنحدر من قرية لفتا المقدسية المهجرة عام 1948 وتعيش في مخيم قلنديا، تقول للجزيرة نت إن "الاحتلال الإسرائيلي ينتهج عددا من الممارسات تجاه المخيم، والتي أخذت طابعا أكثر شراسة ووحشية بعد السابع من أكتوبر 2023، وتلتقي هذه الممارسات مع المشهد السياسي العام في الضفة الغربية والقدس المحتلة".
وتضيف أن قوات الاحتلال تقتحم المنطقة في جميع الأوقات، ولم يعد الاقتحام يقتصر على ساعات الليل أو الفجر، وإنما في أوقات الذروة أيضا، وخلال الاقتحام يتسبب الجيش بأزمة مرورية تُعطّل الحركة في الشارع الرئيسي ومنطقة كفر، وهو الشارع منذف رام الله نحو القدس وجنوبي الضفة.
"وحتى عند انسحاب قوات الاحتلال من المنطقة، تتعمد إطلاق النار وقنابل الغاز والصوت تجاه منازل الأهالي والمارة، الأمر الذي أدى إلى استشهاد علي علقم الذي كان يسير باتجاه مدرسة أطفاله، والشهيد إبراهيم زايد أواخر 2023" تضيف الصحفية المقدسية.
وتطرقت الصحفية اللاجئة إلى ممارسات جيش الاحتلال أثناء اقتحام المخيم، والمتمثلة بتدمير المنازل وسرقتها والاعتداء على أهلها خلال تنفيذ عمليات الاعتقال، بالإضافة إلى تعمد أفراده تنفيذ حملات اعتقال جماعية بحق أبناء المخيم، يتعرضون خلالها للتنكيل والضرب، قبل أن يُطلق سراحهم في ساعات الصباح.
وتُرجّح أسيل صبحي أن الهدف من كل ذلك يكمن في محاولة السيطرة على مخيم قلنديا ومنع أي إسناد حقيقي خلال حرب الإبادة، عبر ترهيب الأهالي بشكل جماعي وشخصي على يد ضباط المخابرات الإسرائيليين، بالإضافة للأخبار التي تتوارد حول أوضاع السجون والقمع الذي يتعرض له الأسرى داخلها.
وانعكس هذا بطبيعة الحالي على المشهد في مخيم قلنديا من حيث مدى مشاركته السياسية الفاعلة على أرض الواقع، "فخلال الحرب تراجع دور المخيم، رغم أن أبناءه كانوا يقودون عددا من المسيرات والوقفات المساندة للأسرى ولقطاع غزة"، حسب تعبير الصحفية صبحي.
وتؤثر الاقتحامات شبه اليومية على مصالح المخيم الاقتصادية، وللاطلاع على ذلك زارت الجزيرة نت بقالة العم يوسف أبو لطيفة (72 عاما) ليروي تجربته كصاحب بقالة أسسها قبل 14 عاما، بُعيد إغلاق الفندق الذي عمل فيه موظفا لمدة 37 عاما في مدينة القدس المحتلة.
وتُشكِّل هذه البقالة مصدر رزقه الوحيد في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، ومن خلالها يُحافظ على علاقاته الاجتماعية مع الجيران والأصدقاء، ويجنب نفسه الوحدة في هذا السنّ المتقدم.
ويصف المسن اقتحام الجيش للمخيم بالعقاب الجماعي لسكانه، إذ يُجبره وجميع من يملكون مصالح تجارية على إغلاق أبوابها مع كل اقتحام، "خوفا من الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي، ونتيجة الإغلاق أخسر يوما كاملا من العمل، وقد يمتد هذا الاقتحام إلى أيام".
وثؤثر الإغلاقات المتتالية بشكل مباشر على الوضع الاقتصادي لأصحاب المصالح الصغيرة في مخيم قلنديا، وبينما يتحدث معنا أشار بيده إلى محتويات بقّالته قائلا "البقالة شبه فارغة وأجد صعوبة في تأمين البضاعة وسداد قيمتها للتجار.. وبعض الأهالي يُجبرون على أخذ ما يحتاجونه وسداد المال لاحقا نظرا للوضع الاقتصادي الصعب".
يعيش يوسف أو أبو شادي -كما يلقبه أبناء المخيم- الأوضاع الاقتصادية ذاتها، ويصفها بالأسوأ من السابق، فهو على يقين "بوجود عائلات مستورة تعاني الجوع دون أن تُقدم لها أي مساعدة أو دعم".
وعند المدخل الرئيسي لمخيم قلنديا، يجلس نوح الأعرج (65 عاما) في كُشكٍ صغير يُعِدُّ فيه المشروبات الساخنة لأبناء المخيم والمارّة المتجهين إلى مدينة رام الله، وهذا الكُشك هو الثاني له، بعد أن دُمِّر الأول وهُدِم خلال اقتحام لقوات الاحتلال للمخيم ومحيطه في 26 يناير/كانون الثاني المنصرم.
ويقول الأعرج للجزيرة نت إن هذا الكُشك يُعيل 7 أفراد منذ نحو 5 أعوام، ويُعَدّ أيضا مساحة للتفاعل الاجتماعي بين أبناء المخيم، وحلقة وصل بينه وبين زملائه الأسرى المحررين القادمين من مختلف مدن الضفة الغربية.
ويستحضر هذا المسن لحظة تدمير مصدر رزقه وأرزاق العشرات من أبناء المنطقة، قائلا "هدم جيش الاحتلال الكشك دون سابق إنذار، ولم نكن نتوقع هذا الدمار؛ فقد خسرت ما يقارب 10 آلاف شيكل (نحو 3300 دولار)، وطُمِست معالم المنطقة التي أعمل فيها، وهدموا أيضا صرح الشهداء الذي كنا نجلس أمامه".
"في كل مرة يقتحمون فيها المنطقة، نُجبر على إغلاق الأكشاك والمحال التجارية خشية تكرار سياسة الهدم، وتجنبا للتعرض للغاز المسيل للدموع والرصاص الحي" استطرد الأعرج.
يرى هذا الستيني الذي ينحدر من قرية عرتوف المقدسية المهجرة عام 1948 أن صموده هو تجسيدٌ لتمسكه بحق العودة. وفي المقابل، يرى أن سياسات الهدم والاقتحامات تهدف إلى تهجير اللاجئين من المخيم وقطع سبل العيش الكريم والاستقرار في المنطقة، مختتما حديثه بالقول "ما بدهم لاجئين.. طيب يرجعونا على عرتوف وقرانا المهجرة".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة