في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تعد العلاقة بين ضفتي المحيط الأطلسي في الوقت الراهن واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الدوائر السياسية والإعلامية الألمانية، حيث تسلط الصحافة الألمانية الضوء على الأزمة المتصاعدة مع واشنطن، وتحديدا التهديدات التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن سحب القوات الأمريكية من القارة الأوروبية.
ويأتي هذا التلويح كإجراء عقابي ردا على الموقف الأوروبي الرافض للمشاركة في الحرب التي تلوح في الأفق ضد إيران، وهو ما فتح باب التساؤلات على مصراعيه حول مستقبل حلف شمال الأطلسي ( الناتو) والدور الذي تلعبه ألمانيا كحجر زاوية في الإستراتيجية العسكرية الأمريكية.
وفي تقرير مفصل بصحيفة دير شبيغل، التي تعد من كبريات المجلات الألمانية المحسوبة على التيار الليبرالي، تناول الصحفيان تيمو ليهمان وكريستوف شولت هذه القضية من خلال تحليل معمق لأبعاد التوتر الراهن.
وأشارت المجلة إلى أن التشكيك في العلاقة مع واشنطن والتحذير من القطيعة ليست ظاهرة جديدة، بل هي امتداد لمسار بدأ منذ الولاية الأولى للرئيس ترمب بين عامي 2017 و2021.
غير أن اللحظة الحالية تتسم بحساسية أمنية شديدة، نظرا لأن الرئيس الأمريكي لم يعد يكتفي بالتلميحات، بل بدأ بفتح ملف الإنهاء الكامل للوجود العسكري على الأراضي الأوروبية.
وترى دير شبيغل أن هذا التطور لا يمكن فصله عن المبدأ الأساسي الذي تنتهجه الإدارة الأمريكية، وهو "أمريكا أولا"، إذ تعيد واشنطن تقييم تحالفاتها وفق معيار الربح والخسارة.
ترمب لم يعد يخفي استياءه مما يصفه بالعبء غير المتكافئ الذي تتحمله بلاده في حماية أوروبا
وتقول المجلة إن ترمب لم يعد يخفي استياءه مما يصفه بالعبء غير المتكافئ الذي تتحمله بلاده في حماية أوروبا، ويجد في الأزمة الإيرانية الحالية فرصة مثالية للضغط على الحلفاء واتهامهم بالتقاعس عن دعم الولايات المتحدة في لحظة مفصلية.
ونقلت دير شبيغل عن صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية وجود نقاشات فعلية داخل الإدارة الأمريكية لسحب أجزاء من القوات المنتشرة في دول رئيسية، مثل ألمانيا وفرنسا وإسبانيا والمملكة المتحدة.
وعند البحث في مدى جدية التهديد الأمريكي، تجيب دير شبيغل بأن التصريحات وإن كانت حادة، فإن الواقع الميداني يفرض قيودا معقدة.
فألمانيا تستضيف منذ عام 1945 قرابة 38 ألف جندي أمريكي، مما يجعلها مركزا لوجستيا وعملياتيا لا يمكن استبداله بسهولة. وتعد قاعدة رامشتاين الجوية في ولاية راينلاند بفالتس القلب النابض للنقل الجوي العسكري العالمي، حيث تمر عبرها الإمدادات الموجهة إلى الشرق الأوسط وأفريقيا.
بالإضافة إلى ذلك، تحتضن مدينة لاندشتول أكبر مستشفى عسكري أمريكي خارج الحدود، وهو مرفق حيوي لعلاج الجنود المصابين في العمليات الخارجية.
وإلى جانب هذه المرافق، تبرز مراكز قيادة إستراتيجية في مدن شتوتغارت وفيسبادن، ومن أهمها القيادة الأمريكية في أفريقيا، فضلا عن مركز غرافينوهر في ولاية بافاريا، الذي يعد أكبر مركز تدريب أمريكي في أوروبا.
وتشير دير شبيغل إلى أن هذه الشبكة المتكاملة من البنى التحتية تجعل من ألمانيا جغرافيا لا غنى عنها في الإستراتيجية الدفاعية الأمريكية، وهو ما يفسر التردد داخل المؤسسة العسكرية في واشنطن تجاه أي قرار جذري بالانسحاب الشامل، رغم أن تقليص عدد القوات يظل خيارا ممكنا ومنطقيا في ظل التوجهات السياسية الحالية.
ومن الناحية الاقتصادية، وفقا لدير شبيغل، يمثل الوجود الأمريكي أهمية كبرى للولايات الألمانية المستضيفة، فالمجتمعات المحلية تعتمد على القواعد العسكرية كمصدر للنشاط الاقتصادي وتوفير الوظائف والإنفاق الاستهلاكي لعائلات الجنود.
لذا، فإن أي انسحاب سيعني هزة اقتصادية لتلك المناطق. وفي المقابل، لا تقف دول الاتحاد الأوروبي مكتوفة الأيدي، إذ بدأ حلف شمال الأطلسي منذ سنوات بإعادة تقييم إستراتيجيته الدفاعية تحسبا لهذه اللحظة عبر زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز القدرات الذاتية في مجالات الدفاع الجوي والاستخبارات والنقل.
وألمانيا، كما تقول دير شبيغل، بصفتها القوة الاقتصادية الكبرى في القارة، بدأت بالفعل في رفع ميزانيتها الدفاعية والاستثمار في تحديث قواتها المسلحة لتقليل الاعتماد على المظلة الأمريكية.
ومع ذلك، يقر الخبراء بأن الطريق نحو الاستقلالية الإستراتيجية الكاملة لا يزال طويلا وصعبا.
وفي خضم هذا المشهد، يتجلى التوتر في العلاقة الشخصية بين الرئيس ترمب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، إذ وجه ترمب غضبه لميرتس ناسبا إليه تصريحات تدعي أن الحرب على إيران ليست حرب ألمانيا، رغم أن هذه الكلمات صدرت في الواقع عن نائبه لارس كلنغبايل ووزير دفاعه بوريس بيستوريوس.
وفي مكتب المستشارية ببرلين، يحاول ميرتس إشاعة أجواء من الهدوء، مؤكدا التزام حكومته بالشراكة مع واشنطن ونافيا تلقي أي إخطارات رسمية بانسحاب وشيك.
وفي المحصلة النهائية، يبدو أن التهديد الأمريكي لا يزال يندرج تحت إطار الضغط السياسي ولم يتحول بعد إلى قرار إستراتيجي نهائي، لكن تكرار هذه التهديدات على لسان الرئيس ووزير خارجيته ماركو روبيو يضع القارة الأوروبية أمام واقع مرير.
وتختم دير شبيغل تقريرها بالقول إن الركائز التي قامت عليها علاقة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والمتمثلة في الحماية العسكرية المجانية والأسواق المفتوحة، قد سقطت، مما يفرض على أوروبا ضرورة الاستعداد لعالم متغير لا يؤمَن جانبه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة