في المفاوضات الكبرى، لا تكون الأسماء تفصيلا بروتوكوليا؛ الاسم نفسه يصبح جزءا من التفاوض. وهذا ما يفسر لماذا برز اسم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف في الواجهة بإيران، ولماذا دفعت واشنطن باسم جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي إلى صدارة وفدها إلى إسلام آباد.
فقد أعلن البيت الأبيض أن فانس سيقود الفريق الأمريكي، وأكدت مصادر إيرانية -للجزيرة نت- أن طهران ستدخل المباحثات بوفد يقوده قاليباف ويضم وزير الخارجية عباس عراقجي، كما أضافت أنه من المرجح أن يرافقهما الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محمد باقر ذو القدر.
ويكتسب ذلك بعدا أوضح مع ما أعلنه مساعد وزير الخارجية الإيراني من أن باكستان أبلغت إيران بأن فانس سيرأس الوفد الأمريكي، "لذلك يحتمل أن يرأس وفدنا قاليباف".
لا يضيف هذا التطور مجرد اسم إلى قائمة الحاضرين، بل يكشف عن منطق التمثيل نفسه، أي أن كل طرف يريد أن يفاوض شخصية مكافئة في الوزن السياسي، لا مجرد مفاوض تقني أو ناقل رسائل.
من هنا، لا يعود السؤال الأساسي هو هل سيحضر الرجلان فعلا أم لا؟ بل لماذا يتمسك كل طرف باسمهما حتى قبل تثبيت صورة الجلسة النهائية؟ والجواب الذي توحي به المعطيات هو أن الملفات المطروحة أكبر من مفاوضات فنية عادية.
فالمحادثات تأتي بعد هدنة هشة، وخلافات حول شمول لبنان، وصدام بشأن شروط تخصيب اليورانيوم، ومطالب متعارضة بشأن مضيق هرمز والعقوبات.
في مثل هذه البيئة، لا يكفي مبعوث بارع في المساومة، بل يحتاج كل طرف إلى شخص يملك صلة مباشرة بمركز القرار، أو يستطيع على الأقل أن يضمن مرور أي تفاهم داخل مؤسسات الحكم.
بالنسبة إلى واشنطن، يبدو قاليباف الاسم الأكثر فائدة لهذا النوع من التفاوض، فهو ليس رئيس برلمان فحسب، بل إن ثمة إجماعا في إيران وخارجها على أنه صار شخصية أكثر مركزية في طهران بعد أن اغتالت إسرائيل علي لاريجاني الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي، وأنه حلقة وصل بين النخب السياسية والأمنية والدينية، وذلك باستناده إلى سجل يجمع بين منصب قيادي سابق في الحرس الثوري، ورئاسة الشرطة، وإدارة بلدية طهران، ثم رئاسة البرلمان.
وتعني هذه السيرة، في الحساب الأمريكي، أن التفاوض معه لا يجري مع وزارة الخارجية وحدها، بل مع جزء من البنية الصلبة للنظام الإيراني.
وهذه هي النقطة الأهم في شخصية قاليباف، فهو متشدد بما يكفي لئلا يبدو في الداخل الإيراني رجل تنازلات، وبراغماتي بما يكفي ليكون قابلا للعمل معه من الخارج.
هذا ليس وصفا دعائيا، بل خلاصة متكررة في التغطيات عنه. في هذا السياق، نقل موقع بوليتيكو أن بعض الدوائر في البيت الأبيض تنظر إليه بوصفه "شريكا قابلا للعمل"، بل شخصية يمكن البناء على العلاقة معها في مرحلة لاحقة.
وحتى لو بدا هذا التقييم صادما، فإنه يفسر لماذا يبدو اسم قاليباف مفضلا أمريكيا، إذ إن الأمريكيين يرونه ممثلا للدولة العميقة الإيرانية، لا للدبلوماسية وحدها.
كما أن وجود عباس عراقجي إلى جانب قاليباف يوضح طريقة توزيع الأدوار داخل الوفد الإيراني، فعراقجي هو المفاوض المحترف وصاحب الخبرة النووية الطويلة، في حين يمنح قاليباف الوفد ثقله السياسي والأمني الداخلي.
هذا يعني أن طهران لا ترسل خبيرا فنيا فقط، بل ترسل معه رجلا يمكنه أن يربط ما يقال على الطاولة بما يمكن تمريره في مؤسسات القرار.
وفي الجهة المقابلة، تبدو قيمة فانس لطهران نابعة من موقعه قبل شخصه؛ البيت الأبيض قال صراحة إنه لعب دورا مهما في ملف إيران منذ بداية الإدارة، وإنه سيقود الوفد الأمريكي إلى باكستان.
وبالنسبة إلى الإيرانيين، فهذه ليست مسألة بروتوكول، فالتفاوض مع فانس يعني التفاوض مع شخص على بعد خطوة واحدة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وقادر على العودة إليه مباشرة، لا مع وسيط يحتاج إلى المرور بطبقات من البيروقراطية الأمريكية.
لهذا يصبح الإصرار عليه، حتى لو تغيبت مشاركته لاحقا لأي سبب، إصرارا على مستوى التفويض السياسي، لا على الاسم في ذاته.
ثم إن سيرة فانس السياسية تمنح طهران سببا إضافيا لتفضيله، حيث توصَف مقاربته بأنها أكثر حذرا من التورط العسكري الطويل، وأكثر تعبيرا عن نزعة جمهورية متشككة في الحروب المفتوحة، مقارنة بوجوه أكثر صقورية داخل الإدارة مثل وزير الخارجية ماركو روبيو.
لا يجعله هذا رجل تسوية سهلا، فهو نفسه وصف الهدنة بأنها هشة، وقال إن ترمب "غير صبور" حيال التقدم مع إيران، كما أوضح أن واشنطن لم توافق على شمول لبنان بالاتفاق.
لكنه، من الزاوية الإيرانية، خصم يمكن قراءة منطقه بأنه قريب من القرار، وحازم، لكنه ليس مندفعا إلى حرب بلا سقف.
لهذا، فإن حضور فانس وقاليباف، أو حتى مجرد الإصرار على اسميهما، يقول إن الطرفين تجاوزا مرحلة الرسائل الاستكشافية.
تريد طهران من يمثل القرار الأمريكي مباشرة، وواشنطن تريد من يمثل مراكز القوة الإيرانية مباشرة.
في المحصلة، لا يبدو أن واشنطن أرادت قاليباف لأنه أكثر ليونة، ولا أن طهران أرادت فانس لأنه أقل تشددا، بل العكس أقرب إلى الحقيقة.
كل طرف أراد الرجل الذي يجمع بين الصلابة والقدرة على "البيع الداخلي"، إذ رأت واشنطن في قاليباف ممرا إلى عمق النظام الإيراني، لا إلى واجهته الدبلوماسية فقط. في حين رأت طهران في فانس ممرا مباشرا إلى ترمب، لا إلى جهاز تفاوضي قد يملك الكلام أكثر مما يملك القرار.
وقد يكون هذا هو الفارق، في مثل هذه المحادثات، بين جلسة لشراء الوقت، وجلسة قد تفتح باب الصفقة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة