آخر الأخبار

حرب بلا محرمات.. أي سيناريو ينتظر علاقات إيران مع دول الخليج؟

شارك

رسم محللون وخبراء صورة معقدة لمآلات الصراع الإقليمي، مؤكدين أن المواجهة الجارية لم تعد تقليدية، بل تحولت إلى حرب متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الحسابات الجيوسياسية مع معادلات الطاقة والأمن والردع، فيما تقف دول الخليج في قلبها باعتبارها ساحة التأثير الرئيسية وهدفا مباشرا لضربات تحمل رسائل تتجاوز الجغرافيا.

وأجمع المشاركون في برنامج "محاولة فهم" على صعوبة التنبؤ بنهاية الحرب، في ظل تداخل المسارات العسكرية والسياسية، واحتمالات التصعيد المرتبطة بمضيق هرمز وأسواق الطاقة العالمية، مع تأكيد أن مخرجات هذه الحرب ستعيد تشكيل توازنات المنطقة، وترسم ملامح مرحلة جديدة تقوم على الردع وإعادة تعريف العلاقات الإقليمية.

واستهل عثمان آي فرح الحلقة التي حملت عنوان "القواعد أم الطاقة.. ماذا تريد إيران؟" بالتساؤل عن مستقبل العلاقة الخليجية الإيرانية، قائلا "كيف ستتغير علاقة دول الخليج بإيران بعد هذه الحرب؟"، في إشارة إلى حجم التحولات التي فرضتها المواجهة على توازنات المنطقة.

محرمات الحرب

من جهته، قدم عبد القادر فايز الصحفي والخبير في الشؤون الإيرانية قراءة لطبيعة الصراع، مؤكدا أن لا محرمات في هذه الحرب، معتبرا أن إيران تنظر إلى المواجهة باعتبارها معركة وجودية تدار بمنطق "الكل أو لا شيء"، وهو ما يفسر -بحسبه- الانتقال من استهداف القواعد العسكرية إلى ضرب المنشآت المدنية، بعد سقوط السردية الرسمية التي حاولت طهران تسويقها في بداية الحرب.

وأوضح فايز أن إيران تتعامل مع دول الخليج بوصفها "نقطة ألم أمريكية"، وتعمل على "توزيع الألم" ليس فقط اقتصاديا، بل سياسيا ومجتمعيا، بهدف الضغط على الولايات المتحدة والنظام الدولي، مضيفا أن ما يجري يندرج ضمن عقيدة "الحرب غير المتكافئة" التي تبنتها طهران منذ تسعينيات القرن الماضي.

وخلص إلى أن إحدى خلاصات هذه الحرب هي أن العلاقة بين إيران ودول الخليج في المستقبل القريب ستكون سياسية فقط، مشيرا إلى تراجع الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية في هذه العلاقة.

إعلان

وفي تحليل لطبيعة القرار الإيراني، أشار فايز إلى أن "مَن يفاوض هو نفسه مَن يحارب، وهو نفسه مَن يحكم"، في إشارة إلى مركزية القرار داخل النظام الإيراني، وهو ما يمنحه -برأيه- قدرة أكبر على إدارة مسارات الحرب والتفاوض في آن واحد. ومع ذلك، حذر من أن الصراع قد يكون صفريا، قائلا: "ما زلت مقتنعا، رغم وجود سياق للتسوية، أن هذه الحرب صفرية".

تهديد وجودي

وفي السياق ذاته، شدد رئيس مركز "مدار" للدراسات صالح المطيري على أن دول الخليج تنظر إلى هذه الحرب باعتبارها تهديدا وجوديا، قائلا "مثلما تعتبر إيران هذه الحرب وجودية، نحن في دول الخليج نعتبرها أيضا حربا وجودية بلا شك"، لافتا إلى أن استهداف المنطقة لا يرتبط فقط بالجغرافيا، بل بمكانتها كمركز عالمي للطاقة وعقدة لوجستية بين الشرق والغرب.

وأكد المطيري أن المرحلة الحالية تفرض على دول الخليج إعادة صياغة قواعد الاشتباك، داعيا إلى التحول إلى فاعل ضابط، ووضع خطوط حمراء واضحة، في ظل ما وصفه بمحاولات "الابتزاز" والضغط التي تمارسها إيران، سواء عبر الهجمات المباشرة أو من خلال أدواتها الإقليمية.

كما أشار إلى أن استهداف المنشآت المدنية، من موانئ ومطارات ومرافق خدمية، ينسف مبررات استهداف القواعد العسكرية، ويعكس وجود أهداف إستراتيجية أعمق ضمن العقيدة العسكرية الإيرانية.

تحولات بنيوية

بدوره، قدّم الباحث الأول بمركز الجزيرة للدراسات الدكتور لقاء مكي قراءة مختلفة تركز على التحولات البنيوية في العلاقة بين الطرفين، مؤكدا أن كل شيء تغير في هذه العلاقة، "مرة واحدة وإلى الأبد"، مشيرا إلى أن دول الخليج وجدت نفسها فجأة في قلب حرب لم تخترها، بين أطراف تمتلك أجندات متشابكة وجذور صراع طويلة.

وأكد مكي أن الأزمة الحالية بين إيران ودول الخليج تميزت باستقطاب حاد وسوء فهم متعمد أحيانا، مشيرا إلى أن الصورة غالبا ما تبسط إلى منطق "الأبيض والأسود" بسبب موقف العرب من إسرائيل، حيث ينظر إلى كل من يحاربها باعتباره في صف "الملائكة والخيرين".

وأشار إلى أن السردية الإيرانية لم تقتصر على استهداف القواعد العسكرية، بل امتدت إلى ضرب الحكومات والمنشآت المدنية في دول الخليج، مع تدرج منسق أعد إعلاميا وتنظيميا عبر شبكة واسعة من الخلايا الإيرانية في المنطقة.

وأوضح أن طهران لم تراكم القوة الصاروخية فحسب، بل جهزت كوادر بشرية متطوعة ومنظمة للعمل وفق خطط محكمة في اللحظة المطلوبة، مع اعتماد أساليب "الإغراق" الإعلامي والضغط النفسي والتوجيه المباشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وحول الهجمات على الموانئ والمطارات والمنشآت المدنية، قال مكي إن إيران بدأت بالادعاء بأن استهدافها للقواعد العسكرية جاء ردا على مصادر العدوان، غير أن تصعيد الهجمات إلى مناطق مدنية أدى إلى "إعادة صياغة المبررات لتشمل دولا وأنظمة حليفة للأمريكان وإسرائيل. وأضاف أن دعم بعض الجماهير العربية للموقف الإيراني يعكس نجاح التنظيم الإعلامي في التأثير على الرأي العام.

مرحلة الردع

وأكد مكي أن دول الخليج وجدت نفسها فجأة متورطة في حرب لم تخترها، متأثرة بأهداف جيوسياسية أكبر، ومشيرا إلى أن الإدارة الأمريكية بقيادة ترمب وإسرائيل ساهمت في إدخال الخليج في مواجهة مباشرة دون استعداد كامل، ما جعل هذه الدول لقمة سائغة في بداية الأزمة. ورأى أن هذه الحرب أبرزت الحاجة لمراجعة العلاقات الإستراتيجية للخليج، خصوصا مع الولايات المتحدة، وإعادة تقييم التحالفات الإقليمية والدولية.

إعلان

وعن مستقبل العلاقة مع إيران، شدد مكي على أن المرحلة المقبلة ستقوم على أساس "الردع" أكثر من التعاون، مع ضرورة تعديل نمط التحالفات في ضوء القدرات العسكرية الإيرانية، وعدم الاعتماد على دعم القوى الغربية التي غالبا ما تتردد في حماية مصالحها ومصالح حلفائها. كما أشار إلى أن إسرائيل تسعى لإضعاف موقع الخليج في المنطقة، بينما تحاول إيران السيطرة على مجريات الصراع دون دخول أراضيها مباشرة.

وأضاف مكي أن الحروب في هذه المنطقة صعبة التنبؤ، وأن إيران أظهرت صلابة كبيرة، بينما فشلت إسرائيل في تحقيق أهدافها عبر سلسلة اغتيالات واستهدافات محدودة.

ورأى أن أي اتفاق إيراني أمريكي سيشكل مفاجأة كبيرة بسبب اتساع الفجوة بين الطرفين، مشيرا إلى أن الحل الأمريكي في حالة عدم الاتفاق قد يتجه نحو زيادة القوة العسكرية، بما يشمل تدخلات برية أو احتلال مواقع إستراتيجية، معتبرا أن طبيعة الحرب الحالية "صفرية"، حيث الانتصار لأحد الطرفين والهزيمة للآخر.

وبينما تبقى السيناريوهات مفتوحة، يظل المؤكد -وفق ما خلص إليه برنامج محاولة فهم- أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة، عنوانها الأساسي: صراع على النفوذ والطاقة والسردية، في عالم لم تعد فيه الحروب تخاض بالسلاح فقط، بل بكل أدوات التأثير الممكنة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا