آخر الأخبار

الاستهداف المشؤوم لرأس لفان ومسارات الطاقة العالمية

شارك

يمثل الهجوم الإسرائيلي على حقل "فارس الجنوبي" والاستهداف الإيراني اللاحق "رأس لفان" تحولا نوعيا في الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران، وهو تحول ستكون له عواقب ممتدة الأثر على دور الغاز الطبيعي المسال، وخاصة بالنسبة لقطر.

تصدر إيران كميات قليلة جدا من الغاز، يتجه معظمها إلى تركيا، وبالتالي فإن الأضرار التي لحقت بمنشآت الإنتاج في حقل "فارس الجنوبي" ستؤثر على الاقتصاد الإيراني، ولا سيما قدرته على توليد الكهرباء، لكن تأثيرها سيكون ضئيلا على بقية العالم.

في المقابل، تعد "رأس لفان" المصدر الذي تنطلق منه 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية، ومن هنا كان التأثير على أسعار الغاز فوريا، وسيكون طويل الأمد.

فقد صرح وزير الدولة لشؤون الطاقة القطري، سعد الكعبي، بأن خطين من أصل 14 خطا لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر، بالإضافة إلى إحدى منشأتي تحويل الغاز إلى سوائل، قد تعرضت لأضرار، مما أدى إلى خفض الطاقة الإنتاجية بمقدار 12.8 مليون طن سنويا من الغاز الطبيعي المسال لمدة تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات.

كانت الطاقة الإنتاجية الإجمالية لقطر قبل الضربات تبلغ 77 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال سنويا. وتستثمر "قطر للطاقة" بكثافة لتوسيع هذه الطاقة لتصل إلى 126 مليون طن بحلول عام 2027، وهو ما يقدر بأنه يعادل ثلث الطلب العالمي.

ويبدو من الصعب الآن الالتزام بهذا الجدول الزمني، ولكن مما لا شك فيه فإن هذه المشاريع ستستكمل، بعد أن تتراجع تلك التحديات.

إن الأضرار التي لحقت بمحطة التسييل أسوأ بكثير من التهديدات التي تواجه الملاحة الآمنة لناقلات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز. فقد يغلق المضيق، ولكن عند إعادة فتحه، قد يعود التدفق عبره إلى طبيعته بسرعة نسبية.

وحتى تضرر ناقلة غاز طبيعي مسال يمكن التقليل من شأنه نظرا لوجود عدد كبير نسبيا من هذه الناقلات العاملة حول العالم (أكثر من 700 ناقلة). في المقابل، فإن تضرر محطة التسييل يؤدي إلى إغلاق مصدر الغاز الطبيعي المسال نفسه.

إعلان

حتى عام 2022 والغزو الروسي لأوكرانيا، كانت كميات الغاز الطبيعي المتداولة دوليا عبر خطوط الأنابيب تفوق تلك المنقولة بحرا.

ولكن بعد عام 2022، أصبح الغاز الطبيعي المسال هو الشكل السائد في التجارة الدولية. وكان الرأي الغالب هو أن الغاز الطبيعي المسال أكثر أمانا ومرونة من غاز خطوط الأنابيب، مما أدى إلى تجميد معظم مشاريع هذه الخطوط.

حتى قبل الهجوم المشؤوم على "رأس لفان"، تعرضت سفينة غاز طبيعي مسال روسية تحمل اسم "أركتيك ميتاغاز" لهجوم وعُطلت في البحر الأبيض المتوسط على مسافة بعيدة جدا عن الشاطئ (270 كيلومترا جنوب غرب مالطا)، مما يثبت أن مثل هذه الهجمات ممكنة في أي مكان في العالم تقريبا. لم تغرق السفينة، وهي تنجرف حاليا نحو ليبيا بعد أن تخلى عنها طاقمها.

اتبعت قطر إستراتيجية تتمثل في تركيز جميع منشآت الغاز التابعة لها في قطب واحد هو "رأس لفان". ويتيح هذا الحل الاستفادة المثلى من العوامل الخارجية ووفورات الحجم.

وقد سعت إلى توقيع عقود طويلة الأجل مع العملاء لبيع الكميات الإضافية من الغاز الطبيعي المسال، وذلك لتعويض جزء من المخاطر الكبيرة جدا المرتبطة بهذا الاستثمار الذي تبلغ قيمته مليارات الدولارات.

ما الذي يمكن أن تفعله "قطر للطاقة" لاستعادة الثقة الكاملة في أمن الإمدادات؟

في الماضي، تركزت الكثير من النقاشات حول إمكانية إنشاء شبكة غاز لدول مجلس التعاون الخليجي، وربما ربطها أيضا بجيران عرب آخرين. لكن هذه النقاشات فشلت في تحقيق أي نتيجة عملية؛ بسبب إحجام الدول المعنية عن قبول قيود الاعتماد المتبادل التي تفرضها حتما منشأة ثابتة مثل خط الأنابيب.

خط الأنابيب الدولي الوحيد القائم في المنطقة هو خط أنابيب "دولفين"، الذي يربط قطر بالإمارات وعمان، ومع تحسن مناخ العلاقات الإقليمية، وتوافق دول الخليج في معظم قضايا المنطقة، وكذلك بعد تعرضها للهجمات الإيرانية الانتقامية ردا على حرب ليست طرفا فيها وحاولت بشتى السبل منعها، أقول بعد كل ذلك: سيكون لدى دول الخليج حافز للاعتراف بالحاجة إلى قدر أكبر من التماسك الإقليمي والتعاون الوثيق.

في هذا السياق، قد يعاد إحياء مشروعين بالغي الأهمية لنقل الغاز القطري عبر خطوط أنابيب تمر عبر السعودية. يتمثل المشروع الأول في خط أنابيب يمتد من قطر إلى الأردن ليرتبط بخط الغاز العربي القائم، مما سيسمح بنقل الغاز إلى مصر غربا، وإلى سوريا، ولبنان وصولا إلى تركيا شمالا.

وفي الوقت الحالي، تصدر قطر الغاز الطبيعي المسال إلى محطة إعادة تغويز (إعادة تحويل السائل إلى غاز) في العقبة، ليعاد ضخ الغاز بعد ذلك في خط الغاز العربي.

وتستورد مصر حاليا الغاز الطبيعي المسال من قطر ومصادر أخرى. وتوجد في مصر محطتان للتسييل تعملان حاليا بأقل من طاقتهما بكثير؛ بسبب نقص الغاز، وقد تكونان متاحتين لتسييل الغاز القطري لتصديره من البحر المتوسط.

أما المشروع الثاني فيتضمن خط أنابيب بحريا من قطر إلى الكويت. تستورد الأخيرة الغاز الطبيعي المسال من قطر ومصادر أخرى من خارج الخليج، ولكنها قد تحرم الآن من المزيد من الشحنات، وهو ما سيشكل مشكلة لتوليد الطاقة.

إعلان

ليس الطريق معبدا أمام هذه المشروعات، وهناك تعقيدات كثيرة، تواجه السير نحو تحققه، ومع ذلك، يبدو أنه في ظل الظروف الجديدة، يمكن معالجة هذه الإشكالات الفنية والاقتصادية، وغيرها من خلال مفاوضات بناءة لصالح جميع الأطراف المعنية.

بالطبع، يتجه الجزء الأكبر من الغاز الطبيعي المسال من قطر والإمارات إلى العملاء في الشرق الأقصى، والذين يعد تحميل الشحنات لهم من البحر المتوسط خيارا غير مثالي. قد يكون هناك احتمال آخر يتمثل في توسيع خط أنابيب "دولفين" ليصل إلى عمان وزيادة قدرة التسييل على المحيط الهندي.

وقد اتبعت قطر سياسة التنويع الدولي، حيث استثمرت في مشاريع كبرى للتسييل واستخراج الغاز في أجزاء مختلفة من العالم. والمثال الأهم على ذلك هو حصة الـ 70% التي تمتلكها "قطر للطاقة" في مشروع "غولدن باس" للغاز الطبيعي المسال، بالشراكة مع "إكسون موبيل". وقد بدأ تشغيل المشروع الشهر الماضي فقط، وهو في مرحلة زيادة الإنتاج.

مع ذلك، يهدف هذا التنويع إلى إنتاج وتسويق غاز ليس من أصل قطري. لكن تبني إستراتيجية للتنويع الإقليمي، والاستحواذ على منافذ لتصدير الغاز القطري خارج الخليج قد يمنحان العملاء المتعاقدين لآجال طويلة الثقة بأن إمداداتهم أكثر أمانا.

وتتمثل إستراتيجية محتملة أخرى لشركة "قطر للطاقة" في التكامل التنازلي نحو قطاع تسويق الغاز. وقد تم القيام بذلك إلى حد ما، من خلال الاستثمار في بعض محطات إعادة التغويز، مثل محطة "آيل أوف غرين" في المملكة المتحدة، أو محطة "روفيغو" في إيطاليا (قامت إكسون موبيل وقطر للطاقة مؤخرا ببيع حصتيهما في الأخيرة).

وستكون الخطوة التالية هي الاستثمار أيضا في تخزين الغاز بما يتجاوز الاحتياجات التشغيلية لمحطات إعادة التغويز، بما يضمن حدا أدنى من التخزين الإستراتيجي. ويمكن أن يوفر التخزين الإستراتيجي مخزونا احتياطيا يتيح الوقت الكافي لإعادة توجيه تدفقات الغاز الطبيعي المسال للتخفيف من مشاكل العملاء المتضررين.

وفي الوضع الحالي، صرحت "قطر للطاقة" بأن خطي تسييل محددين، مملوكين بشراكة مع إكسون موبيل، قد تعرضا لأضرار. والغاز الطبيعي المسال الذي ينتجه هذان الخطان متعاقد عليه لصالح كل من شركة "إديسون" الإيطالية، وشركة "إي دي إف تي" في بلجيكا، و"كوغاز" الكورية الجنوبية، و"شل" في الصين.

وليس من الواضح ما إذا كانت "قطر للطاقة"، عندما يتم استئناف الشحنات من خطوط الإنتاج الأخرى، تعتزم تحويل بعض الغاز الطبيعي المسال من عملاء آخرين للتخفيف من وطأة الوضع على العملاء المتضررين بشكل مباشر.

من الناحية التعاقدية، من الممكن ألا تكون "قطر للطاقة" ملزمة بالقيام بذلك، استنادا إلى بند "القوة القاهرة". وتعد كوريا الجنوبية ربما المتضرر الأكبر، حيث يغطي الغاز الطبيعي المسال المستورد من قطر نحو 20% من استهلاك الغاز الكوري. لكن شركة "كوغاز" أعلنت يوم الجمعة أنها تمتلك مستويات من مخزون الغاز الطبيعي المسال تتجاوز متطلبات الاحتياطي الإلزامي، مضيفة أن "كوغاز تتمتع بقدرات كافية للاستجابة لأزمات العرض والطلب".

سيكون الانقطاع الممتد لإمدادات الغاز الطبيعي المسال من قطر بمثابة مشكلة خطيرة للغاية للعديد من الدول الآسيوية. إذ تعتمد كل من باكستان، والهند على الغاز القطري المسال بنسبة 89% و40% من إجمالي وارداتهما من الغاز الطبيعي المسال على التوالي، وبنسبة 26% و22% من إجمالي استهلاكهما أيضا.

وإلى جانب ذلك، تعتمد الهند على الواردات من الإمارات. ومن بين الدول الأخرى التي تعتمد بشكل كبير على الغاز القطري المسال تايوان (25% من استهلاكها)، وسنغافورة (19%).

وفي الوقت الحالي، من السابق لأوانه وصف الوضع بالكارثة. فمن الممكن إعادة توجيه بعض تدفقات الغاز الطبيعي المسال، بما في ذلك الاستفادة من الطاقات الإنتاجية الجديدة مثل مشروع "غولدن باس" التابع لـ "قطر للطاقة". ومع ذلك، فإن إعادة توجيه هذه التدفقات ستعني منافسة أشد بين المشترين وارتفاعا في الأسعار للجميع.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا