آخر الأخبار

إسرائيل تسرع ضم الضفة الغربية تحت غطاء الحرب مع إيران

شارك

في وقت يهيمن فيه صخب المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران على المشهد الإعلامي الدولي، تعمل آلة التغيير الديمغرافي والقانوني الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة بسرعة غير مسبوقة. وتستغل حكومة اليمين المتطرف الظروف الأمنية الراهنة كغطاء لتمرير سلسلة من التغييرات التشريعية والإدارية التي تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع على الأرض وطمس أي أفق لإقامة دولة فلسطينية مستقبلاً.

ويرى مراقبون أن المواجهة مع طهران تحولت بالنسبة لتل أبيب إلى 'فرصة جيوسياسية' تسمح بإعادة صياغة الواقع الإقليمي بعيداً عن أعين العالم. هذا 'الانقلاب التشريعي الصامت' يهدف عملياً إلى إنهاء الوجود القانوني والإداري الفلسطيني في مناطق واسعة، وتحويل الضفة إلى جزء لا يتجزأ من المنظومة الإدارية الإسرائيلية تحت ستار الدخان الكثيف للمعارك الإقليمية.

وشهد شهر فبراير 2026 خطوة تاريخية تمثلت في تصديق الحكومة الإسرائيلية، لأول مرة منذ عام 1967، على تسجيل مساحات شاسعة من أراضي الضفة الغربية كـ 'أراضي دولة'. هذه الخطوة تمهد لتغيير القانون الإداري وتقييد الحماية القانونية للأراضي الفلسطينية، مما يعد تمهيداً عملياً لعمليات ضم واسعة النطاق بتغطية قانونية جديدة تقوض حقوق الملكية التاريخية للفلسطينيين.

ولم تتوقف الإجراءات عند هذا الحد، بل شملت قرارات المجلس الوزاري المصغر 'الكابينت' إلغاء القانون الذي كان سارياً منذ العهد الأردني، والذي كان يمنع المستوطنين من شراء الأراضي في الضفة الغربية. هذا التعديل الجوهري يفتح الباب على مصراعيه أمام الجمعيات الاستيطانية للسيطرة على العقارات والأراضي الفلسطينية بشكل مباشر وقانوني وفق المنظومة الإسرائيلية الجديدة.

وفي سياق متصل، جرى نقل صلاحيات الإدارة المدنية إلى سلطات الاحتلال مباشرة، مما ساهم في تفكيك البنى القانونية القائمة التي كانت تنظم شؤون الفلسطينيين. واعتبرت منظمات حقوقية، من بينها 'السلام الآن' أن هذه الخطوات تمثل 'نافذة فرص' استغلها المستوطنون لتعزيز نفوذهم الإداري والسياسي في قلب التجمعات الفلسطينية.

وعلى الصعيد الميداني، تصاعد عنف المستوطنين بشكل لافت، حيث انتشر آلاف المسلحين بزي عسكري لممارسة اعتداءات يومية تشمل إطلاق النار ومصادرة الأراضي. وتعكس هذه التحركات تواطؤاً رسمياً من قبل أجهزة أمن الاحتلال لتعزيز سيطرة المستوطنين، وفقاً لتقارير منظمة 'بتسيلم' التي رصدت تزايداً في وتيرة الهجمات المنظمة ضد القرى والبلدات الفلسطينية.

وفي إطار ما يسمى عملية 'درع العاصمة'، أقدمت سلطات الاحتلال على هدم أكثر من 35 منشأة فلسطينية في منطقتي قلنديا وكفر عقب لتعزيز خط التماس الاستيطاني. وتكشف هذه الإستراتيجية المزدوجة عن رغبة إسرائيلية في تثبيت حقائق استيطانية صلبة داخل الضفة والقدس، مستفيدة من انشغال القوى الكبرى بمآلات الحرب في الإقليم.

بينما تترقب العيون صخب المعارك في الإقليم، تتقدم إسرائيل في الضفة الغربية والقدس بخطى ثابتة لإعادة رسم الخرائط على الأرض.

من جانبه، أكد المحلل السياسي عريب الرنتاوي أن الإجراءات الأخيرة، مثل إغلاق المسجد الأقصى خلال شهر رمضان، تمت دون ضجة كبيرة لتقليل تكلفة رد الفعل الشعبي. وأوضح الرنتاوي أن اليمين الإسرائيلي يراهن على تغييب رد الفعل الفلسطيني الرسمي والشعبي لفرض تغييرات جوهرية في بنية المدينة المقدسة ومحيطها الجغرافي.

وأشار الرنتاوي في تصريحات لمصادر إعلامية إلى أن إسرائيل تمارس 'ضماً عملياً' يومياً يشمل تسجيل الأراضي وإلغاء القوانين الأردنية القديمة وبناء مستوطنات في مواقع حساسة. وأضاف أن الهدف النهائي هو تطويق القدس وعزل أحيائها تماماً، إلى جانب تفريغ منطقة 'ج' وغور الأردن من سكانها الفلسطينيين لإلحاقها رسمياً بالسيادة الإسرائيلية.

وعلى المستوى الدولي، حذر مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، من أن إسرائيل استغلت الظروف الأمنية لتسريع 'الضم غير القانوني'. وأكد تورك في تقرير حديث أن أكثر من 36 ألف فلسطيني تم تشريدهم في الضفة الغربية منذ بداية العام الجاري، وهو ما يرقى إلى مستوى التغيير الديمغرافي الخطير والمستمر الذي يهدد السلم الدولي.

وفي سياق الضغوط الإقليمية، حذر ملك الأردن عبد الله الثاني من أي محاولات لتهجير الفلسطينيين أو ضم الأراضي في غزة والضفة الغربية. وشدد الملك خلال اتصالات دولية على أن هذه الإجراءات تثير زلازل سياسية وإستراتيجية تؤثر على أمن المنطقة برمتها، مؤكداً ضرورة تثبيت الفلسطينيين على أرضهم ومنع تصفية قضيتهم.

وتشير تقارير حقوقية إلى أن الحكومة الإسرائيلية فرضت قيوداً صارمة على عمل المنظمات الدولية داخل الضفة الغربية، مما يسهل عمليات الهدم والتهجير بعيداً عن الرقابة. ووفقاً لمنظمة 'هيومن رايتس ووتش'، فإن هذه القيود تهدف إلى حجب الحقائق الميدانية عن المجتمع الدولي ومنع توثيق الانتهاكات الممنهجة ضد المدنيين الفلسطينيين.

ويبدو المشهد الفلسطيني الرسمي، وفق مراقبين، عاجزاً عن تقديم استجابة سياسية ترتقي لمستوى التحديات الوجودية التي تفرضها إجراءات الاحتلال. فبينما تتسارع عمليات 'الأسرلة' في القدس والضفة، تظل السلطة الفلسطينية في رام الله غائبة عن التأثير الفعلي، مما يترك الميدان مفتوحاً أمام التوسع الاستيطاني المتسارع.

إن ما يحدث اليوم في الضفة الغربية ليس مجرد إجراءات أمنية عابرة، بل هو إعادة رسم شاملة للخارطة السياسية والجغرافية لفلسطين المحتلة. ومع استمرار دخان المعارك الإقليمية، تواصل إسرائيل قضم الأراضي وتفكيك الحقوق، مستغلة صمت العالم وانشغاله بملفات أخرى لتنفيذ مشروعها الاستيطاني النهائي.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا