لا يعد استهداف منشآت الغاز في جنوبي إيران حدثا أمنيا عابرا ضمن يوميات الحرب المستعرة. فحين يقع الهجوم في منشآت حقل بارس الجنوبي تحديدا، يمتد أثره إلى ما هو أبعد من المنشأة المستهدفة، إلى الكهرباء التي تصل المدن، والغاز الذي يدخل البيوت، والطاقة التي تقوم عليها المصانع.
ولهذا اكتسب الهجوم الإسرائيلي على منشآت غازية في مدينة عسلوية الإيرانية المطلة على الخليج أهمية استثنائية، بعدما أفادت وكالة فارس باندلاع حريق في بعض المنشآت في مصفاة فجر جم والمرحلة 14 من بارس الجنوبي قبل الإعلان عن احتوائه.
وتزداد حساسية الضربة لكون بارس الجنوبي ليس مجرد حقل غاز كبير، بل مركز الثقل في معادلة الطاقة الإيرانية. فهذا الحقل -المشترك بين إيران وقطر والمعروف في الجانب القطري باسم حقل الشمال- يُنتج أكثر من 70% من الغاز الذي تحتاجه إيران، بحسب ما أوردته وكالة إرنا الرسمية.
وعندما يعتمد بلد بمساحة إيران -التي تبلغ 1.6 مليون كيلومتر مربع- على حقل واحد إلى هذا الحد، فإن أي تهديد له لا يعود خبرا قطاعيا، بل يصبح تطورا يمس الداخل الإيراني كله.
وتأتي هذه الضربة في سياق اقتصاد مثقل بعقوبات قيدت قدرة إيران على استيراد المعدات والتقنيات والتمويل بسهولة، ودفعتها إلى توسيع الاعتماد على الإنتاج المحلي، خصوصا في قطاعات الطاقة والصناعة.
لذلك يبدو استهداف بارس الجنوبي أكثر خطورة، لأن تعويض أي اضطراب فيه لا يكون سهلا ولا سريعا عبر الخارج، سواء على مستوى المعدات أو الصيانة أو الإمدادات البديلة.
ويظهر أول انعكاس مباشر في الكهرباء، إذ نقلت إرنا أن نحو 70% من إنتاج الكهرباء في إيران يعتمد على الغاز، فيما يشكل الغاز قرابة 84% من الوقود المستخدم في المحطات الحرارية.
وعليه، فإن أي ضغط على إمدادات الغاز ينعكس سريعا على كفاءة شبكة تشغيل محطات التوليد، أو يدفع إلى استخدام الوقود السائل الذي هو بديل أعلى كلفة وأقل استقرارا.
ولا تتوقف المسألة عند الشبكة الكهربائية، حيث إنه في إحدى ذروات الاستهلاك ذكرت إرنا أن الاستهلاك المنزلي بلغ قرابة 600 مليون متر مكعب يوميا، وأن 80% من الغاز المنتج كان يذهب إلى القطاع المنزلي.
وتكشف هذه الأرقام أن الدولة تدير توازنا دقيقا بين حاجات البيوت ومتطلبات المحطات واحتياجات الاقتصاد، مما يجعل أي اهتزاز في بارس الجنوبي ضغطا مباشرا على آلية توزيع محدودة الهامش أصلا.
أما الصناعة فهي الضلع الثالث في هذه المعادلة. فبحسب ما نقلته إرنا عن مراجعات ودراسات رسمية، يعد القطاع الصناعي أكبر مستهلك للكهرباء، كما أن أثر الانقطاعات فيه هو الأشد على الاقتصاد، مع أضرار تشمل قطاعات مثل المعادن والكيميائيات والمواد الغذائية.
ومن هذا المنظور، لا يقتصر استهداف بارس الجنوبي على تهديد قطاع الطاقة بوصفه عنوانا عاما، بل يضغط على الحلقة التي تتغذى منها المصانع وعلى الكلفة اليومية للإنتاج.
وتتضاعف خطورة الضربة لأنها تأتي فوق هشاشة موجودة مسبقا في معادلة الطاقة الإيرانية، إذ تشير إرنا إلى أن إيران تنتج سنويا نحو 275 مليار متر مكعب من الغاز، وتستهلك قرابة 246 مليار متر مكعب، وهي أرقام تعكس ضيق الهامش بين الوفرة النظرية والطلب الفعلي.
لذلك، فإن السؤال الأهم بعد استهداف بارس الجنوبي ليس فقط حجم الضرر المباشر في المنشآت، بل كيف سينعكس ذلك على الداخل الإيراني إذا تحول التهديد إلى نمط متكرر.
فحين يعتمد الجزء الأكبر من الغاز الوطني على هذا الحقل، ويقوم عليه قسم واسع من التوليد الكهربائي، وتتنافس عليه المنازل والمحطات والصناعة، فإن أي اضطراب فيه يصبح مسألة معيشية واقتصادية في آن واحد.
ومن هذه الزاوية، يبدو استهداف بارس الجنوبي أكثر من ضربة على منشأة. بل يمثل اقترابا واضحا من عصب الحياة اليومية داخل إيران، بدءا من الكهرباء التي تحتاجها المدن، مرورا بالغاز الذي تعتمد عليه البيوت، وصولا إلى الطاقة التي يقوم عليها الإنتاج والصناعة.
وإذا كانت الحروب تقاس أحيانا بعدد الصواريخ أو بحجم الحرائق، فإن أثرها هنا يقاس أيضا بمدى اقترابها من البنية التي تحفظ تماسك الحياة الاقتصادية والمعيشية في البلاد.
المصدر:
الجزيرة