آخر الأخبار

كيف تبخرت جثامين آلاف البشر في غزة؟

شارك

غزة- كان من المفترض أن تجوب جنازته المهيبة أروقة المدينة المدمّرة، المدينة نفسها التي كان صوته يطوف في ليلها عزاء لأهلها في أحلك ساعات الحرب. وكان الغزيون يتمنّون لو حملوا نعشه على أكتافهم، أو لو شيّعوه إلى قبرٍ بسيط ليكون وجهتهم، ولو وُضع فوق مثواه شاهدٌ يقول:

"هنا يرقد الناطق باسم المقاومة أبو عبيدة".

لكن شيئا من ذلك لم يحدث، 6 قنابل انهالت على مكان وجود الملثم مع عائلته، لم تترك من جسده أثرا، "لقد تلاشت جثة الملثم تماما"، هذا ما كشفته مصادر عسكرية خاصة للجزيرة نت.

لم يكن جسد أبو عبيدة الحالة الأولى التي يقول المختصون بتبخرها، فتقديرات الدفاع المدني، التي كشفها للجزيرة نت، تشير إلى اختفاء جثامين أكثر من 3000 غزي.

ويوجد من عاين ظاهرة تبخر الجثامين في غزة وجاهيا، حيث يستعيد محمود بصل، أحد عناصر الدفاع المدني، حادثة استهداف مقرهم في حي التفاح في ديسمبر 2023، ويقول للجزيرة نت "كنّا 8 أشخاص، سقط صاروخان مباشران علينا، استشهد الجميع، نجوت أنا، لكن اثنين من زملائنا لم نجد لهما أي أثر سوى فروتي رأسيهما".

ويكمل "لقد بخّرهما الصاروخ على الفور حيث سقط عليهما بشكل مباشر".

أثر بعد عين

وتؤكد شهادات المسعفين في الميدان، للجزيرة نت، وجود أنواع من القنابل والصواريخ تحيل البشر رمادا، يقول بصل "تأتينا إشارة من الناجين من الاستهدافات بأن الشقة تحوي عددا محددا من الأشخاص، وحين نبدأ الانتشال، نجد جزءا منهم ويظل الباقون بلا أثر".

شهدت الجزيرة نت على أحد مواقع عمليات الانتشال التي تقوم بها فرق الدفاع المدني والصليب الأحمر، ضمن عمليات البحث عن الشهداء تحت الأنقاض التي تقوم بها في محافظة غزة حاليا، انتشالٌ من منزل عائلة خضرة في حي الشيخ رضوان شمالي غزة، كانت المهمة تقتصر فيه على البحث عن 5 مفقودين تحت الأنقاض، ثم بعد البحث ليومٍ كامل لم يُعثر إلا على واحد منهم فقط، أما الجثامين الأربعة الأخرى فلم يجدوا منها عظمةً واحدة، كما قالت الفرق لأفراد العائلة الذين حددوا بالضبط مكان وجود ذويهم قبل استهدافهم.

إعلان

تحدثت مراسلة الجزيرة نت مع "م.د." أحد عناصر الأدلة الجنائية في المكان، الذي أكّد لنا أن هذه ليست المرة الأولى التي تختفي فيها جثامين الشهداء. يقول م.د. "في مخيم الشاطئ قبل شهور استشهد 17 شخصا في إحدى الشقق، ولم يُعثر على جثمان أي منهم، وفي منزل آخر لعائلة عوض في حي الشيخ رضوان، عثر على 12 شهيدا فقط، من أصل 45 شهيدا، والبقية بلا أي أثر".

في مسرح الانتشال، يبدو الانتظار على أمل العثور على أي أثر سيد الموقف لدى ذوي الضحايا، الذين تبدو وجوههم مثقلة بالوجوم، وعيونهم لا تكفّ عن التحديق بالحفّار وهو يقلب الأنقاض بحثا عن جمجمة، أو قطعة ثوب، أو أي أثر يربطهم بأحبائهم. بالكاد بدأوا بتقبّل فقد أبنائهم، لكن صدمة ألا يبقى لهم أي أثر يكرمونه بعد رحيلهم أكبر من أن تتحمله القلوب، وتضعهم أمام صدمة مضاعفة، إذ لم يكتفِ الاحتلال بإبادة حياتهم، بل أذاب أجساد أبنائهم بعد الموت.

مصدر الصورة بحث عناصر الدفاع المدني عن جثث عالقة تحت أنقاض المباني المدمرة، وسط نقص حاد في المعدات والقدرات اللازمة لانتشال الضحايا (رويترز)

قنابل جديدة

وفي خضم هذا الصمت، ينبثق تساؤل واحد يسكن المكان كله: أين اختفت جثامين أبنائنا؟ وكيف تلاشت؟

وفي محاولة لفهم هذه الظاهرة، حملت الجزيرة نت هذا السؤال إلى أحد خبراء ومهندسي المتفجرات، الذي عاين منذ الأسابيع الأولى للحرب مواقع الاستهداف التي سُجّل فيها اختفاء كامل للجثامين.

يقول الخبير، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، للجزيرة نت، إن ما يواجهه الأهالي في مواقع الاستهداف ليس لغزا غامضا، بقدر ما هو نتيجة مباشرة لاستخدام أنواع محددة من القنابل ذات التأثير الحراري والضغطي الهائل.

ويوضح المصدر أن إسرائيل استخدمت في غزة ذخائر أمريكية الصنع مثل MK-84 و BLU-109 الخارقة للتحصينات، إضافة إلى قنابل دقيقة التوجيه من طراز GBU-31 وGBU-32 وGBU-38 وGBU-39، وهي ذخائر صُمِّمت أساسا لتدمير المواقع العسكرية المحصّنة والأنفاق والمباني الخرسانية الضخمة، لا لاستهداف منازل يسكنها مدنيون.

ويقول خبير المتفجرات إن قتل إنسان أعزل لا يحتاج أكثر من نصف كيلوغرام من المواد المتفجرة، لكن القنابل المستخدمة في هذه الاستهدافات تحمل كميات هائلة قد تصل إلى 250 كيلوغراما أو أكثر.

ويوضح "عندما تسقط على شقة سكنية أو منزل صغير، فإن مزيج المتفجرات، مثل التريتونال والـPBX، إلى جانب بودرة الألمنيوم المؤكسدة، يُطلق حرارة وضغطا هائلين يصلان إلى 3000 درجة مئوية، وربما تتجاوز 5000، مما يؤدي خلال جزء من الثانية إلى تحويل الجسد داخل الدائرة الأولى من مركز الانفجار إلى رماد أو أجزاء متناهية الصغر، أما من يبعدون بضعة أمتار فيتعرضون لتمزق وتشظٍ شديد يجعل العثور على جثثهم شبه مستحيل.

وبذلك يصبح ما يُعرف بـ"الاختفاء" نتيجة مباشرة لتأثير هذه الذخائر التي تُحيل الإنسان إلى ما يشبه الغبار.

جريمة غير مسبوقة

"إنها سابقة خطِرة في تاريخ النزاعات المسلحة المعاصرة" هكذا علّق المكتب الإعلامي الحكومي، للجزيرة نت، على حالات اختفاء الجثامين، حيث قال "إن استخدام هذه الذخائر شديدة الانفجار في مناطق مكتظة بالسكان المدنيين ترقى لجريمة حرب، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار لمصداقيته القانونية والأخلاقية".

إعلان

ويضيف المكتب على لسان مديره إسماعيل الثوابتة أن هذا النمط من القتل الجماعي يشكل انتهاكا صارخا لمبادئ القانون الدولي الإنساني، وعلى رأسها مبدأ التمييز ومبدأ التناسب، وحظر استخدام القوة المفرطة، وهو مؤشر إضافي على ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية بحق المدنيين المحميين، ما يستدعي مراجعة شاملة للآليات القانونية الدولية وتعزيز إجراءات المساءلة والردع.

وطالب الثوابتة بتشكيل لجان تحقيق دولية مستقلة لتوثيق الجرائم وتوصيفها علميا وقانونيا، وتفعيل أدوات المساءلة الدولية دون ازدواجية أو انتقائية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا