مالك زبلح*
تبدأ قصة القدس في الوعي العربي من مكانٍ أعلى من السياسة، وأعمق من الجغرافيا، تبدأ كمعنى، كاختبارٍ أخلاقي، وكمرآةٍ لمدى صدق الخطاب العربي مع نفسه، لم تكن القدس يومًا مجرد مدينة، بل معيارًا، ما نقوله عنها يكشف ما نريده لأنفسنا، وما نفعله لها يفضح حدود قدرتنا على الالتزام، في هذا المعنى، كانت القدس رمزًا جامعًا، تلتقي عنده السياسة بالأخلاق، والتاريخ بالراهن، والهوية بالفعل.
لم يكن حضور القدس في الوعي العربي حضورًا عاطفيًّا فقط، بل حضورًا مُلزِمًا، كانت المدينة التي تُقاس بها مصداقية المواقف، ويُختبر عبرها صدق الخطابات الكبرى، غير أنّ هذا الميزان اختلّ بوضوح بعد عام 2017، لا لأن القدس تغيّرت، بل لأن الوعي العربي بها أُعيد تشكيله، من معنى يُلزم، إلى رمز يُستهلك، من قضية جامعة، إلى عنوان يُستدعى عند الحاجة الخطابية ويُركَن عند تعقّد السياسة.
شكّل السادس من ديسمبر/كانون الأول 2017 لحظة فاصلة في تاريخ القدس السياسي والرمزي، حين أعلنت الولايات المتحدة اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل، ثم نقلت سفارتها إليها في مايو/أيار 2018، لم يكن القرار حدثًا دبلوماسيًّا معزولًا، بل تحوّلًا بنيويًّا استهدف تثبيت واقع الاحتلال وإعادة تعريف المدينة خارج أي مسار تفاوضي عادل.
ردّت العواصم العربية ببيانات إدانة، وعُقدت قمم طارئة، وأُعيد التأكيد على "مركزية القدس"، كما أعلنت منظمة التعاون الإسلامي أن القدس الشرقية هي عاصمة دولة فلسطين. في الأسابيع الأولى، بدا المشهد صاخبًا، عالي السقف لغويًّا، لكن سرعان ما انكشف الامتحان الحقيقي: ماذا بعد الخطاب؟
الأخطر من القرار الأمريكي لم يكن صدوره، بل ما تلاه، إذ انتقلت القدس تدريجيًّا من موقع "القضية المركزية" إلى موقع (الملف الحساس) الذي يجب احتواؤه لغويًّا، لا الاشتباك معه سياسيًّا، حتى لا يعطّل مسارات إقليمية ودولية أخرى أصبحت تُقدَّم بوصفها أكثر إلحاحًا.
من أبرز الأمثلة على ذلك إعلان القدس عاصمة للثقافة الإسلامية عام 2019، رافق الإعلان خطاب ثقافي واسع، شدّد على مكانة المدينة في التاريخ الإسلامي، وتحدّث عن الصمود والهوية، لكن في المقابل، لم تُرافق المناسبة خطة دعم حقيقية للمؤسسات الثقافية والتعليمية في القدس الشرقية، التي واصلت عملها تحت ضغط التهويد، والإغلاق، وشحّ الموارد، وتقييد الحركة.
هنا يبدأ العنوان في شرح نفسه، فالرمز حاضر، لكن وظيفته الجامعة تتآكل، يُقال اسم القدس كثيرًا، لكن ما يُفعل لها قليل.
يتجلّى الاستهلاك الخطابي في سلسلة من الفعاليات والعناوين التي تُمنح للقدس، من دون أن تُحدث تغييرًا ملموسًا في واقعها، فقد أُعلنت القدس عاصمة للمرأة العربية لعامي 2025–2026، وأُطلقت شعارات وبرامج وفعاليات تؤكد تمكين المرأة المقدسية، لكن السؤال الواقعي يظل حاضرًا: هل تغيّرت شروط حياة المرأة في القدس؟ حيث لا تزال المرأة فالقدس تواجه قيودًا على التنقل، وضغوطًا اقتصادية، وتفاوتًا في الخدمات الاجتماعية، وتهديدًا دائمًا للاستقرار الأسري.
في هذا السياق، يتحول الاحتفاء بالعنوان إلى احتفال بالشعار أكثر من كونه استجابة لحاجة ملموسة، الأمر ذاته ينطبق على إعلان القدس عاصمة للكشافة العربية لعام 2026، إذ إن العنوان يُبرز دور الشباب والعمل التطوعي، لكن المؤسسات الشبابية في القدس لا تزال تصطدم بعقبات في التصاريح، والتنقل، والاستمرارية. لا تنفي هذه الملاحظات قيمة المبادرات الرمزية، لكنها تكشف فجوة واضحة بين الخطاب والواقع، وهكذا يُصنع حضور لغوي كثيف للقدس، بينما يُنتَج غياب فعلي في السياسات.
هذا التراكم الرمزي غير المصحوب بأدوات تنفيذية واضحة أنتج حالة من الإنهاك الرمزي في الوجدان العربي، حين يُستدعى اسم القدس بكثافة دون مقابل عملي، يتآكل المعنى بدل أن يتجذر، فالرمز الذي لا يُحمى يفقد قدرته على التحشيد، ويتحوّل من قضية حيّة إلى صورة مألوفة.
لا يعود السؤال: لماذا تراجعت مكانة القدس في الخطاب؟ بل: لماذا لم يعد الخطاب قادرًا على إنتاج أثر؟
جاءت اتفاقيات أبراهام (2020) لتُسرّع هذا المسار، فالتطبيع مع إسرائيل، كما جرى مع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، لم يُلغِ ذكر القدس من الخطاب الرسمي، لكنه أعاد ترتيبها في سلّم الأولويات، لم تعد القدس شرطًا في العلاقات، بل تفصيلًا حساسًا تجب إدارته لغويًّا حتى لا يعقّد مسارات التعاون الاقتصادي والأمني. في هذا السياق، استُخدم الاستهلاك الخطابي أداةً سياسية، تُذكر القدس في البيانات لتفادي تهمة التخلّي، بينما تُفرّغ عمليًّا من قدرتها على الإرباك أو التعطيل، ويُطلب من القدس أن تكون هادئة، رمزية، غير مزعجة لمعادلات الإقليم الجديدة.
لا يكتمل تحليل هذا التحوّل دون التوقف عند البعد الفلسطيني الداخلي، فمنذ اتفاق أوسلو، جرى إقصاء القدس عمليًّا من بنية الحكم الذاتي الفلسطيني، وبقيت خارج الولاية الإدارية والأمنية للسلطة الفلسطينية، ومع الزمن، تحوّل هذا الإقصاء من قيد مفروض إلى واقع سياسي مُعتاد.
حافظت السلطة الفلسطينية على القدس في الخطاب الدبلوماسي، لكنها لم تتمكن من تطوير استراتيجية وطنية مستدامة خاصة بالمدينة، فالدعم للمؤسسات المقدسية بقي محدودًا ومتقطعًا، وغالبًا مرتبطًا بالتمويل الخارجي وشروطه، لا بخطة وطنية واضحة.
أما الفصائل الفلسطينية، فقد جرى التعامل مع القدس غالبًا بوصفها ورقة رمزية عالية التعبئة، تُستدعى في لحظات التصعيد، كما في أحداث الشيخ جرّاح والأقصى عام 2021، ثم تُترك خارج الفعل اليومي المنظم، تُحقّق توحيدًا عاطفيًّا عابرًا، لا يتحول إلى برنامج سياسي مستدام.
بهذا المعنى، أسهم الأداء الفلسطيني الداخلي -من دون قصد- في إعادة إنتاج الاستهلاك الخطابي للقدس: إجماع لغوي واسع، وغياب إداري وسياسي فعلي.
يتجلّى التهميش الناعم للقدس في طريقة حضورها الإعلامي والسياسي بعد 2017، حيث إن المدينة لا تُغيَّب عن الخطاب، لكنها تُفرَّغ من قدرتها على الإلحاح، يظهر ذلك بوضوح في التغطيات الرسمية والإعلامية التي تكرّر توصيف القدس بوصفها "ملفًا معقّدًا" أو "قضية حسّاسة"، في حين تُنقل أولويات النقاش سريعًا إلى ملفات "أكثر واقعية" كالتطبيع، أو الاقتصاد، أو الاستقرار الإقليمي، في هذا السياق، يُذكر اسم القدس كي لا يُقال إنها نُسيت، لا كي تُستعاد بوصفها بوصلة سياسية.
هذا النمط من الحضور الإعلامي يُنتج ما يمكن تسميته بكيّ الوعي، بمعنى اعتياد تدريجي على فجوة القول والفعل، من دون صدمة أو قطيعة، ومع تكرار هذا الاستدعاء الخالي من الأثر، يتحول الاحتلال من سياسة قابلة للمساءلة إلى واقع يُدار لغويًّا، ويُختزل الصمود في مبادرات فردية أو موسمية، لا في سياسات عامة، وهكذا، لا يُستهلك اسم القدس فقط، بل يُستهلك المعنى ذاته، معنى الالتزام ومعنى التضامن حين يتحوّل من سياسة إلى خطاب.
تتجلّى هذه الفجوة بوضوح في اللحظات المفصلية التي شهدتها القدس بعد 2017، في أزمة الشيخ جرّاح واقتحامات المسجد الأقصى عام 2021، إذ عادت المدينة فجأة إلى مركز الوعي العربي والعالمي، لا عبر البيانات، بل عبر الشارع والصورة والاشتباك.
كذلك في مسيرة الأعلام السنوية، التي تمر عبر أحياء القدس القديمة، وتؤدي إلى إغلاق المتاجر الفلسطينية وتصاعد التوترات، يظهر الفرق الصارخ بين مدينة تُدار بالضغط اليومي، ومدينة يُحتفى بها عربيًّا كشعار.
هذه اللحظات تكشف الحقيقة، فالقدس لا تغيب لأنها ضعيفة، بل لأنها تُترك دون حماية سياسية مستدامة، فتعود إلى الواجهة فقط في لحظات الانفجار.
تبنّي مقاربة عربية قائمة على التزامات قابلة للقياس، ومتابعة دورية لما يُنفَّذ فعليًّا، من شأنهما أن يعيدا التوازن بين القول والفعل
هذا الواقع يستدعي مقاربة مختلفة، لا تقوم على استبدال الشعارات بشعارات أخرى، بل على إعادة تعريف العلاقة مع القدس بوصفها مسؤولية عملية، المطلوب هو:
لم تتراجع مكانة القدس في الوعي العربي نتيجة تفوّق أدوات القمع العسكري للاحتلال وسياساته التهويدية الناعمة فحسب، بل بسبب تحوّل الخطاب العربي نفسه من إطار مُلزِم يُفترض أن ينتج سياسات ومواقف قابلة للتنفيذ، إلى إطار رمزي استهلاكي يكتفي بإعادة إنتاج المعنى دون حمايته.
إن غياب آليات تنفيذ واضحة، ومساءلة مؤسسية علنية، أسهم في تعميق الفجوة بين مركزية القدس في الخطاب، وهشاشتها في السياسات العملية، وعليه، فإن تبنّي مقاربة عربية قائمة على التزامات قابلة للقياس، ومتابعة دورية لما يُنفَّذ فعليًّا، من شأنه أن يعيد التوازن بين القول والفعل. فحين تُحمَّل اللغة السياسية كلفةً تنفيذية، تستعيد القدس موقعها بوصفها مرجعًا جامعًا في الوعي العربي، لا مجرد شعار رمزي يُستدعى في السياقات الخطابية العابرة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
*مالك زبلح: كاتب وباحث فلسطيني من القدس، يهتم بالسياسات الثقافية وقضايا الهوية والصمود، وينشر مقالات ودراسات حول الواقع التربوي والثقافي في المدينة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة