آخر الأخبار

فيروس "نيباه" يهدد الأنظمة الصحية: هل يتحوّل إلى جائحة شبيهة بـ"كورونا"؟

شارك

لا يوجد حاليًا لقاح أو علاج مخصّص لفيروس "نيباه"، ويقتصر العلاج على معالجة الأعراض ومتابعة الحالة طبيًا، وقد يتطلب ذلك العناية المركزة في الحالات الشديدة.

دفعت موجةٌ حديثة من حالات الإصابة بفيروس نيباه في الهند خبراء الصحة العالمية إلى تجديد التحذيرات بشأن الاستعداد لمواجهة هذا العامل الممرض القاتل، الذي يُصنَّف منذ سنوات كواحد من أخطر التهديدات الفيروسية الناشئة.

وكان التحالف من أجل ابتكارات التأهب للأوبئة (CEPI) قد أشار في ورقة بحثية صدرت عام 2023 إلى أن "فيروسات الهنيبافا، ومن بينها فيروس نيباه، تُعد من أكثر الفيروسات إثارة للقلق، وقد تم رصدها في الخفافيش"، موضحاً أن هذا الفيروس، الذي اكتُشف لأول مرة في ماليزيا قبل أكثر من عقدين، يسبب التهاب الدماغ المميت، وبلغت معدلات الوفاة فيه سبع حالات من أصل كل عشر إصابات خلال سلسلة من فاشياته السابقة.

من جانبه، أكد ديكّي بوديمان، عالم الأوبئة في جامعة غريفيث الأسترالية، أن فيروس نيباه لا ينبغي التعامل معه باعتباره تهديداً صحياً فحسب، بل كظاهرة "اجتماعية وبيئية" تتفاقم بفعل التدمير البيئي، والسلوك البشري، وضعف النظم الصحية.

وفي حديثه إلى "تيمبو"، شدّد بوديمان على أن تفشي الفيروس ليس حدثاً عشوائياً، بل نتيجة مباشرة لإزالة الغابات، والتوسع الحضري، وتدهور النظم الإيكولوجية، وزيادة التنقّل البشري، ما يعزز الاحتكاك المتكرر بين البشر، والحيوانات، والمستودعات الطبيعية للفيروس، ويُسهم في رفع احتمالات انتقال العدوى من الحيوان إلى الإنسان.

من الخفافيش إلى البشر، ومن المستشفيات إلى المجتمع

فيروس نيباه هو فيروس حمض نووي ريبوزي (RNA) يُعدّ خفافيش الفاكهة من جنس Pteropus مستودعه الطبيعي الرئيسي. وينتقل إلى الإنسان عادةً عبر استهلاك فواكه أو عصارة نخيل التمر الملوثة بلعاب الخفافيش أو بولها أو برازها.

كما يمكن أن ينتقل الفيروس من شخص إلى آخر عبر المخالطة اللصيقة، ما يجعل العاملين في مجال الرعاية الصحية عرضةً بشكل خاص أثناء تقديمهم الرعاية للمرضى.

ووفقاً لبوديمان، فإن الاستهلاك غير المنظم للأغذية، وضعف ممارسات سلامة الأغذية، وعدم كفاية تدابير الأمن الحيوي في القطاع الزراعي، تسهم جميعها في تسريع انتشار الفيروس.

وأوضح بوديمان قائلاً: "التشخيص المبكر غير كافٍ في معظم الأماكن. وعندما تكون مكافحة العدوى في المرافق الصحية ضعيفة، يمكن للفيروس أن ينتشر بصمت"، مشيراً إلى أن البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط أكثر عرضة للإصابة.

ارتفاع معدل الوفيات ومحدودية التأهب

وأفادت إيميلي غورلي، أستاذة علم أوبئة الأمراض المعدية في جامعة جونز هوبكنز، في تصريح لـ UNILAD بأن معدل الوفيات بين المصابين بفيروس نيباه نتيجة التعرّض المباشر للخفافيش يبلغ 90%، بينما يتراوح هذا المعدل بين 40% و50% في حالات العدوى المنقولة من إنسان إلى إنسان.

وتشمل الأعراض الأولية للمرض حمى وصداعاً وآلاماً عضلية وقيئاً والتهاباً في الحلق أعراضاً تشبه الإنفلونزا. ومع تقدّم الحالة، قد يتطوّر المرض إلى التهاب رئوي، أو فشل تنفسي، أو التهاب دماغي، وقد يؤدي في الحالات الشديدة إلى فقدان الوعي، أو النوبات، أو الغيبوبة، وصولاً إلى الوفاة.

وأعاد ظهور حالات في ولاية البنغال الغربية بالهند في يناير/كانون الثاني الماضي تسليط الضوء على هذه المخاطر. ووفقاً لبيانات منظمة الصحة العالمية، سُجّلت حتى 25 يناير/كانون الثاني حالتان مؤكّدتان وثلاث حالات مشتبه بها في المنطقة. ويشير إصابة بعض العاملين في مجال الرعاية الصحية إلى احتمال حدوث انتقال للعدوى داخل المرافق الصحية.

لا لقاح ولا علاج

لا يوجد حالياً لقاح معتمد أو علاج مضاد للفيروسات مُخصّص لفيروس نيباه. ويعتمد العلاج على الرعاية الداعمة، بما في ذلك العناية المركزة.

وفيما لا تزال تجارب اللقاح التي أجرتها جامعة أكسفورد في بنغلاديش قيد التنفيذ، جرى استخدام أدوية مثل ريبافيرين وريمديسيفير خلال بعض فاشيات الفيروس، لكن لم يُثبَت بعد فعاليتها بشكل قاطع.

ويصف الخبراء هذا الوضع بأن فيروس نيباه يمثل "إنذاراً مبكراً". ويؤكد بوديمان وعدد من علماء الأوبئة أن التحدي الحقيقي لا يكمن في نقص المعرفة العلمية، بل في غياب تحويل هذه المعرفة إلى سياسات فعّالة ونظم تأهب مستدامة.

الدعوة إلى نهج "الصحة الواحدة

ويشير الخبراء إلى أن استمرار انتشار فيروس نيباه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بعمليات طويلة الأمد، من بينها تغير المناخ، وإزالة الغابات، والتوسع الحضري.

ولهذا السبب، لا تُعدّ تدابير الطوارئ المُفعَّلة أثناء الأزمات وحدها كافية. بل يُشدَّد على ضرورة اعتماد نهج "الصحة الواحدة"ــ الذي يدمج صحة الإنسان، والحيوان، والبيئة ضمن إطار متكامل ــ ودعمه بمراقبة مستمرة، وتمويل مستقر، وإرادة سياسية فاعلة.

ويقدّم ديكّي بوديمان تحذيرات واضحة بشأن التدابير الوقائية، مشددًا على أهمية الحد من الاحتكاك بالخفافيش، وغسل الفواكه التي تُجمَع من مناطق قريبة من الغابات بشكل دقيق، وتجنّب استهلاك أي أغذية يُشتبه في تلوثها.

كما يدعو إلى العزل السريع للحالات المشتبه بها، واستخدام معدات الحماية الشخصية في المرافق الصحية. بالإضافة إلى ذلك، يُوصى بأن تعزّز المطارات إجراءات فحص المسافرين القادمين من المناطق المعرضة للخطر.

ويؤكد الخبراء أن عدم تحوّل فيروس نيباه إلى وباء عالمي حتى الآن لا يعني أن الاستراتيجيات الحالية كافية، بل يُنظر إلى هذا الواقع على أنه نافذة ضيقة للتحرك. فكما أظهرت تجربة جائحة كوفيد-19، فإن كل تأخير في الاستجابة قد يترتّب عليه تكاليف باهظة.

هل سيتحول إلى جائحة مثل كوفيد-19؟

وفقاً للخبراء، أظهرت جائحة كوفيد-19 بوضوح التكلفة الباهظة لتجاهل علامات الإنذار المبكر. ولا يقتصر هذا الدرس على الأوبئة فحسب، بل يمتد ليشمل التهديدات "الصامتة" مثل فيروس نيباه، الذي يُنظر إليه اليوم كفرصة حاسمة للتصرف قبل أن تتفاقم الأزمة.

وتشير التقييمات العلمية الحالية إلى أن احتمال تحوّل فيروس نيباه إلى جائحة عالمية على غرار كوفيد-19 ضعيف، لكنه ليس مستحيلاً تماماً، إذ قد تتغير ديناميكيات انتشاره وقدرته على التطور مع مرور الوقت.

ومن العوامل الحاسمة التي مكّنت كوفيد-19 من التحوّل إلى جائحة عالمية سهولة انتقاله من شخص إلى آخر، وهو ما يُعبَّر عنه بـ"قيمة R₀ العالية". في المقابل، يُظهر فيروس نيباه حالياً قدرة محدودة على الانتقال بين البشر.

وتشير منظمة الصحة العالمية وعلماء الأوبئة إلى أن الفيروس ينتقل عادةً من شخص واحد إلى أقل من شخص واحد في المتوسط (R₀ < 1)، ما يعني أن احتمال استمرار سلاسل العدوى بشكل ذاتي يبقى منخفضاً مقارنةً بكوفيد-19.

وفي مقابلة مع "UNILAD"، قال الدكتور إيميلي غورلي، العضو في فرقة العمل المعنية بفيروس نيباه التابعة لمنظمة الصحة العالمية: "إذا كان هذا التفشي مشابهاً للفاشيات السابقة، فإن الفيروس ليس معدياً جداً".

وأضاف أن منذ اكتشاف فيروس نيباه لأول مرة عام 1998، نقل كل مريض مصاب الفيروس في المتوسط إلى 0.3 شخص فقط، موضحاً: "في معظم الحالات، لا ينقل المرضى العدوى لأي شخص على الإطلاق".

وللمقارنة، يتراوح معدل الإصابة الأساسي (R₀) لفيروس كورونا في الولايات المتحدة بين 0.95 و1.43، وفقاً لتقرير صادر عن المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC).

وأشار الدكتور غورلي إلى أن بعض الفاشيات قد تشهد حالات فردية ينقل فيها شخص العدوى لأكثر من شخص، خصوصاً في البيئات المغلقة أو عند ضعف إجراءات الوقاية، لكن هذه السلسلة سرعان ما تنقطع وتعود إلى المتوسط المنخفض، وتنتهي الفاشية—وهو نمط ثابت شُوهد في جميع التفشيّات السابقة. وأضاف: "ما لم يتطور بالطبع شيء مختلف تماماً يعزز قدرة الفيروس على الانتشار".

ويختلف فيروس نيباه عن كوفيد-19 أيضاً في طريقة الانتقال؛ فهو لا ينتشر عبر الهواء (الرذاذ التنفسي) بشكل رئيسي، بل من خلال المخالطة اللصيقة، أو التعرض للسوائل الجسدية، أو الاتصال غير المباشر عبر الحيوانات الوسيطة—وهو عامل يحدّ بشكل كبير من احتمالات انتشاره على نطاق واسع.

ومع ذلك، يحذر عالم الأوبئة ستيفن لوبي من جامعة ستانفورد من أن الفيروس قد يكتسب قدرة جديدة إذا تكيّف مع الجهاز التنفسي البشري بما يسمح له بالتكاثر بكفاءة أعلى، ما قد يؤدي إلى زيادة في انتقال العدوى. وكان لوبي قد أصدر تحذيراً مبكراً في هذا السياق عام 2018.

يجب تعزيز الأنظمة

ولا يتطلب فيروس نيباه طفرات بيولوجية كبيرة ليشكل خطراً متزايداً؛ فحتى ارتفاعات طفيفة في قابلية انتقاله، إذا اقترنت بتأخر في التشخيص وضعف في إجراءات مكافحة العدوى، قد تُربك أنظمة الرعاية الصحية المحلية وتُفقدها السيطرة.

وتشير التقييمات العلمية الحالية إلى أن احتواء تفشي الفيروس ممكن عبر تدابير صحية عامة مألوفة: كشف الحالات مبكراً، وعزلها فوراً، وتتبّع المخالطين، وفرض بروتوكولات صارمة لمكافحة العدوى داخل المرافق الطبية. غير أن نجاح هذه الإجراءات لا يعتمد على تصميمها فحسب، بل على قوة النظام الصحي القادر على تنفيذها بكفاءة.

ففي البيئات التي تعاني من ضعف القدرات التشخيصية، أو اكتظاظ الكوادر الصحية، أو تآكل الثقة المجتمعية، حتى الفيروسات المعروفة جيداً قد تنتشر بسرعة. وعندما تنقص معدات الحماية، أو يغيب التدريب الكافي، أو يقل عدد الموظفين المؤهلين، تتحول المستشفيات من أماكن للعلاج إلى بؤر رئيسية لانتقال العدوى.

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار