تراجعت أسهم كبرى شركات الدفاع الأمريكية منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أواخر فبراير/شباط، على خلاف التوقعات بأن يؤدي الاستهلاك العسكري المكثف للذخائر والصواريخ إلى موجة صعود جديدة في القطاع.
يعكس هذا الأداء مفارقة واضحة في وول ستريت، إذ تبدو دفاتر طلبات شركات السلاح أكثر قوة، بينما يتعامل المستثمرون بحذر مع قدرة الشركات على تحويل الطلب العسكري إلى أرباح سريعة، في ظل قيود الطاقة الإنتاجية وطول دورات التسليم وتزايد الشكوك السياسية حول ميزانية الدفاع الأمريكية.
وحسب صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، تراجعت أسهم شركات لوكهيد مارتن ونورثروب غرومان وآر تي إكس وإل 3 هاريس وجنرال داينامكس منذ القصف الأمريكي لإيران في نهاية فبراير/شباط، رغم أن شركات عدة سجلت نموا في المبيعات أو رفعت توقعاتها السنوية.
كما تراجعت أسهم هذه الشركات في جلسة أمس، آخر جلسات الأسبوع.
وأعلنت آر تي إكس، المالكة لوحدة رايثيون المنتجة لأنظمة باتريوت وصواريخ وذخائر بحرية، أن مبيعاتها في الربع الأول بلغت 22.1 مليار دولار، بزيادة 9%، كما بلغ حجم طلباتها المتراكمة 271 مليار دولار، بينها 109 مليارات دولار في قطاع الدفاع.
ورفعت الشركة توقعاتها لمبيعات 2026 المعدلة إلى ما بين 92.5 و93.5 مليار دولار، كما رفعت توقعات ربحية السهم المعدلة، وقالت إن أداءها يستند إلى قوة قطاع الدفاع وزيادة الاستثمارات لتسريع الإنتاج ونشر قدرات جديدة.
وفي وحدة رايثيون وحدها، ارتفعت المبيعات 10% في الربع الأول إلى 6.945 مليارات دولار، مدفوعة بزيادة أحجام الإنتاج في أنظمة الدفاع الجوي والبري، بما في ذلك باتريوت و"جي إي إم-تي"، إضافة إلى برامج الذخائر البحرية.
أما نورثروب غرومان، فأعلنت ارتفاع مبيعات الربع الأول 4% إلى 9.9 مليارات دولار، وبلوغ الطلبات الجديدة 9.8 مليارات دولار، مع دفتر طلبيات متراكمة عند 95.6 مليار دولار، مشيرة إلى اتفاقات مع القوات الجوية الأمريكية لزيادة الطاقة الإنتاجية للقاذفة "بي-21" وتسريع برنامج الصاروخ الباليستي العابر للقارات "سنتينل".
في المقابل، أعلنت لوكهيد مارتن مبيعات قدرها 18 مليار دولار في الربع الأول، من دون تغير تقريبا عن الفترة نفسها من العام السابق، لكن صافي أرباحها انخفض إلى 1.5 مليار دولار من 1.7 مليار دولار، وأكدت في الوقت نفسه اتفاقات متعددة السنوات مع وزارة الدفاع الأمريكية لزيادة إنتاج الذخائر.
يدعم البيت الأبيض ظاهريا فرضية النمو الطويل لشركات الدفاع، إذ طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب 1.5 تريليون دولار إجمالي موارد دفاعية للسنة المالية 2027، بزيادة قدرها 445 مليار دولار، أو 42%، عن مستوى 2026، وفق وثيقة رسمية للبيت الأبيض.
وتتضمن الخطة 1.1 تريليون دولار كإنفاق تقديري أساسي لوزارة الدفاع، و350 مليار دولار كموارد إلزامية إضافية تشمل أولويات مثل زيادة الوصول إلى الذخائر الحيوية وتوسيع قاعدة الصناعة الدفاعية.
لكن السوق لا تتعامل مع هذا الرقم باعتباره إيرادا مؤكدا للشركات، إذ يحتاج إلى مسار تشريعي وسياسي طويل داخل الكونغرس، كما أن الانتخابات النصفية المقبلة تزيد درجة عدم اليقين بشأن حجم الإنفاق الفعلي وتوزيعه.
ونقلت رويترز عن محللين قولهم إن أسهم الدفاع الأمريكية تراجعت رغم استمرار الحرب، في إشارة إلى أن علاوة الصراع كانت قد دخلت بالفعل في التقييمات قبل اندلاع المواجهة، إذ هبط مؤشر " نيويورك أركا" الدفاعي بنحو 8% في مارس/آذار مقابل تراجع 5% لمؤشر ستاندرد آند بورز 500.
تواجه شركات الدفاع معضلة مختلفة عن شركات السلع الاستهلاكية أو التكنولوجيا، إذ لا يكفي ارتفاع الطلب لزيادة الأرباح بسرعة، لأن إنتاج الصواريخ والذخائر والطائرات يحتاج إلى خطوط إنتاج مؤهلة وسلاسل توريد معقدة وموافقات حكومية وعقود طويلة الأجل، حسب فايننشال تايمز.
وتقول الصحيفة إن الجيش الأمريكي استخدم كميات كبيرة من الذخائر في حرب إيران، بما في ذلك صواريخ توماهوك، وهو ما لفت الانتباه إلى الحاجة إلى تجديد المخزونات، لكنه زاد في الوقت نفسه التساؤلات حول قدرة الشركات على تلبية الطلب بسرعة.
تظهر هذه المعضلة في بيانات الشركات نفسها، فلوكهيد مارتن أعادت تأكيد توقعاتها السنوية رغم الضغط على الأرباح والتدفقات النقدية، بينما تعكس نتائج نورثروب وآر تي إكس قوة الطلب لكنها لا تنهي مخاوف المستثمرين من أن النمو سيكون مقيدا بطاقة التصنيع لا بحجم العقود.
تأتي هذه المخاوف في وقت يدفع فيه البنتاغون نحو إصلاح منظومة المشتريات العسكرية وتسريع توريد القدرات المطلوبة، وكانت وزارة الدفاع الأمريكية أعلنت العام الماضي توجيهات لإصلاح نظام التعاقدات بهدف إعادة بناء القاعدة الصناعية الدفاعية وتسريع إيصال القدرات العسكرية.
يضاف إلى ذلك أن الحرب أعادت إبراز دور الطائرات المسيرة والأنظمة ذاتية التشغيل والصواريخ الأرخص تكلفة، ما يدفع بعض المستثمرين إلى التساؤل عما إذا كانت الشركات الدفاعية التقليدية ستستحوذ على الحصة الأكبر من الإنفاق الجديد، أم أن جزءا أكبر سيتجه إلى شركات تكنولوجيا دفاعية أصغر وأكثر مرونة، وفق فايننشال تايمز.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة