هبة بريس – شفيق عنوري
دقّت الشعارات العنصرية التي رفعتها الجماهير الإسبانية أمس الثلاثاء ضد المسلمين في مباراة “لاروخا” ومصر، ناقوس الخطر، ووضعت ترشح مدريد لاستضافة نهائي مونديال 2030، موضع تساؤل حول مدى قدرة المملكة الإيبيرية على ضبط النزعة الإقصائية لشريحة واسعةً من مواطنيها.
لم تمرّ الواقعة التي شهدتها مدرجات ملعب “كورنيّا إل برات” مرور الكرام، إذ فتحت الشرطة الإسبانية تحقيقًا رسميًا في هتافات ذات طابع إسلاموفوبي ردّدتها فئات من الجماهير، من بينها عبارة “من لا يقفز فهو مسلم”، في مشهد أثار موجة استنكار داخل إسبانيا وخارجها.
ونقلت وكالة “رويترز” عن مصادر أمنية تأكيدها مباشرة التحقيق في الحادث، فيما عبّر مسؤولون رياضيون عن إدانتهم لما وصفوه بسلوك “غير مقبول ولا يعكس قيم الرياضة”، رغم أن الواقعة ليست الأولى من نوعها، إذ سبق لملاعب إسبانيا تسجيل العديد من الحالات المشابهة.
وتكتسي الحادثة حساسية مضاعفة لأنها تأتي في سياق دولي، حيث تتابع الهيئات الكروية العالمية عن كثب مدى التزام الدول المرشحة لاحتضان التظاهرات الكبرى بمعايير مكافحة التمييز، وعلى رأسها الاتحاد الدولي لكرة القدم الذي يضع ضمن لوائحه مبدأ “عدم التسامح مطلقًا مع العنصرية”.
إسبانيا.. بؤرة العنصرية الرياضية
خلال السنوات الأخيرة، تحوّل الدوري الإسباني إلى بؤرة متكررة للحوادث العنصرية، التي كان أبرز ضحاياها نجم ريال مدريد، فينيسيوس جونيور، الذي تعرض، وفق معطيات نشرتها شبكة “ESPN”، لما لا يقل عن 16 حادثة عنصرية موثقة منذ انضمامه إلى “الليغا”.
وبلغت هذه الاعتداءات ذروتها سنة 2023 خلال مباراة فريقه أمام فالنسيا، حين توقفت المواجهة بعد تعرضه لإهانات وهتافات عنصرية مباشرة من المدرجات، في واقعة هزّت الرأي العام الرياضي عالميًا وقتها.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على حالة معزولة، إذ سبق أن تعرض لاعب أتلتيك بيلباو، إيناكي ويليامز، لهتافات عنصرية مشابهة، انتهت بإدانة أحد المشجعين قضائيًا بعقوبة سجنية ومنع من دخول الملاعب، في حكم وُصف حينها بالتاريخي.
كما سجلت تقارير أكاديمية صادرة عن معهد “IE” الإسباني أن تكرار هذه الحوادث يضع كرة القدم في البلاد عند “نقطة تحول حرجة”، حيث لم تعد الإجراءات التقليدية كافية لاحتواء الظاهرة.
وتعكس الأرقام بدورها حجم الإشكال، إذ أظهر تقرير للمرصد الإسباني لمناهضة العنصرية أن نسبة كبيرة من الإساءات الرقمية خلال موسم 2024-2025 استهدفت لاعبين من أصول إفريقية، وعلى رأسهم النجم ذو الأصول المغربية لامين يامال، الذي كان هدفًا لآلاف المنشورات المسيئة.
جهود بدون فائدة للتصدي للظاهرة!
ورغم إعلان رابطة الدوري الإسباني عن تراجع ملحوظ في الإساءات على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن الواقع داخل الملاعب لا يزال يطرح تحديات مختلفة، خصوصًا في ظل صعوبة التحكم في سلوك الجماهير لحظة المباريات.
في المقابل، حاولت السلطات الإسبانية مواكبة هذه التطورات بإجراءات قانونية وتنظيمية، حيث تم اعتماد بروتوكولات تسمح بإيقاف المباريات عند تسجيل سلوك عنصري، كما أصدرت المحاكم أول أحكام تُصنف الإهانات داخل الملاعب ضمن جرائم الكراهية، غير أن تكرار الحوادث، رغم هذه الترسانة القانونية، يكشف عن فجوة واضحة بين النص والتطبيق، ويطرح تساؤلات حول فعالية الردع.
وتزداد هذه التساؤلات حدة مع اقتراب مونديال 2030، الذي تستعد إسبانيا لتنظيمه بشكل مشترك مع المغرب والبرتغال، حيث تتنافس المملكة الإيبيرية مع المغرب على احتضان المباراة النهائية، غير أن نجاح هذا الرهان لا يرتبط فقط بجاهزية الملاعب والبنية التحتية فقط، بل أيضًا بقدرة البلد على تقديم صورة جماهيرية منسجمة مع القيم التي تدافع عنها الهيئات الرياضية الدولية.
وتبدو “مزاجية المدرجات” في إسبانيا عاملاً حاسمًا، إذ إن أي انفلات جماهيري يُدخل المحفل العالمي في نفق العنصرية قد يتحول إلى كارثة غير مسبوقة في تاريخ كرة القدم، تتجاوز حدود المستطيل الأخضر، الذي يفترض أنه يجسد قيم التسامح والتعايش بين مختلف الأعراق والثقافات والديانات. لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام الاتحاد الدولي لكرة القدم، هو عدم التسامح مع أي احتمال لـ”الخروج عن السّطر” في أكبر حدث رياضي مشاهدةً على الكوكب.
المصدر:
هبة بريس