إن القاعدة القانونية، في جوهرها، ليست مجرد نص يستدعى عند النزاع؛ بل هي الإطار الذي ينظم السلوك ويمنح لأي نشاط جماعي معناه واستقراره. فهي تتسم بالعمومية والتجريد، وتطبق على الجميع دون استثناء، ولا تتغير بتغير الظروف أو بتقلبات اللحظة. ومن خصائصها الأساسية أنها لا تخاطب النوايا، بل الأفعال، ولا تقاس بمدى الرضا عنها، بل بمدى الالتزام بتطبيقها.
في هذا الإطار، جاء قرار لجنة الاستئناف التابعة للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، الذي اعتمد نتيجة النهائي بفوز المغرب بثلاثة أهداف لصفر ومنحه لقب البطولة القارية. قرار لا ينبغي أن يفهم على أنه ترجيح لكفة فريق دون آخر؛ بل كتفعيل مباشر لنص قانوني قائم، في لحظة استدعت إعماله بحسم ووضوح.
إن الوقائع، كما شهدها الجميع، لا تحتاج إلى توضيح. خلال أطوار اللقاء، غادر لاعبو المنتخب السنغالي أرضية الميدان احتجاجا على قرار تحكيمي؛ ما أدى إلى توقف السير العادي للمباراة. هذا الخروج لم يكن معزولا؛ بل ترافق مع أعمال شغب في محيط الملعب، حيث صدرت أفعال عدوانية من بعض الجماهير كادت أن تمس بسلامة الحدث وانتظامه.
غير أن الحسم، في نهاية المطاف، كان قانونيا. فقد استندت “الكاف” إلى المادتين 82 و84، اللتين جاء فيهما:
المادة 82: “إذا انسحب فريق من المنافسة لأي سبب، أو لم يحضر لمباراة، أو رفض اللعب، أو غادر أرضية الملعب قبل نهاية الوقت القانوني دون إذن الحكم، فإنه يعتبر خاسرا ويقصى نهائيا من المنافسة”.
المادة 84: “الفريق الذي يخرق مقتضيات المادتين 82 و83 يقصى من المنافسة، ويعتبر خاسرا للمباراة بنتيجة 3-0. وإذا كان الفريق المنافس متقدما بنتيجة أكبر، تعتمد تلك النتيجة. ويمكن اتخاذ عقوبات إضافية”.
القراءة القانونية لهذين النصين تظهر دقة في الصياغة وإحكاما في البناء. فعبارة “لأي سبب” تفيد استبعاد كل تبرير محتمل، مهما كان مصدره أو طبيعته. كما أن النص لا يربط تطبيقه بمدة مغادرة الملعب، ولا بعدد اللاعبين المعنيين بها. مناط تطبيق القاعدة هو تحقق الفعل ذاته: مغادرة أرضية الميدان بما يؤدي إلى تعطيل السير العادي للمباراة دون إذن الحكم.
ومن ثم، فإن جوهر المسألة لا يتعلق بما إذا كان اللعب قد استؤنف لاحقا؛ بل بما إذا كان قد انقطع بإرادة أحد الأطراف. لأن هذا الانقطاع، بمجرد وقوعه، ينشئ وضعية قانونية قائمة، لا يغير من طبيعتها الرجوع اللاحق إلى الميدان.
في هذا السياق، تطرح مسألة المسؤولية نفسها بوضوح. فالمنتخب لم يتخذ قرار مغادرة الملعب بشكل عفوي، بل استنادا إلى توجيه صادر عن الجهاز الفني. وهنا يبرز دور المدرب السنغالي Pape Thiaw، الذي كان في موقع يسمح له باتخاذ هذا القرار وتوجيه لاعبيه نحوه. قرار بهذا الحجم، في مباراة نهائية، لا يمكن أن يمر دون مساءلة. فهو يستدعي توضيح دوافعه وخلفياته، خاصة أن نتائجه كانت متوقعة في ضوء النصوص المنظمة.
وبالتالي، فإن أي نقاش داخل الساحة السنغالية، إذا أريد له أن يكون جديا، ينبغي أن يتجه أولا إلى هذا المستوى. فالجهة التي يمكن مساءلتها أو توجيه اللوم إليها هي الفريق نفسه، وطاقمه التقني، وسلوك بعض جماهيره التي ساهمت في توتير الأجواء. أما القوانين، أو الجهة التي قامت بتطبيقها، فلا يمكن تحميلها مسؤولية ما نتج عن أفعال تخضع لنصوص معروفة مسبقا.
في المحصلة، لم تقم “الكاف” إلا بدورها الطبيعي: تطبيق قاعدة قانونية قائمة؛ غير أن أهمية القرار لا تكمن فقط في أثره المباشر، بل في الرسالة التي يحملها. فالمسألة لا تتعلق بمباراة واحدة، بل بكيفية ضمان احترام القواعد في المسابقات المقبلة.
ومن حق الاتحاد السنغالي أن يلجأ إلى الهيئات الدولية المختصة، بما في ذلك محكمة التحكيم الرياضي (TAS)، وهو حق مشروع تكفله القواعد المنظمة؛ غير أن “الكاف” قد قالت كلمتها وفق النصوص المعتمدة.
لأن التغاضي عن مثل هذه الحالات لا يمر دون أثر، بل قد يتحول إلى سابقة تشجع أطرافا أخرى مستقبلا على خرق القواعد نفسها، تحت ضغط اللحظة أو بدافع الاحتجاج. وهنا يصبح الخطر أكبر من مجرد نتيجة مباراة، إذ يمس استقرار المنظومة برمتها.
بهذا المعنى، يمكن القول إن “الكاف” لم تراهن فقط على حسم نزاع، بل على ترسيخ مبدأ. راهنت على مستقبل كرة القدم في القارة، وعلى فكرة أن هذه اللعبة لا يمكن أن تتطور إلا في ظل قواعد واضحة تحترم وتطبق.
وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي ليس على من فاز في مباراة؛ بل على قدرة المنظومة ككل على ضمان احترام القانون، اليوم وغدا. لأن القاعدة، حين تفعل، لا تحمي طرفا بعينه؛ بل تحمي اللعبة نفسها.
المصدر:
هسبريس