آخر الأخبار

أمن الملاعب المغربية في نهائيات كأس إفريقيا يتحول إلى "مدرسة عالمية"

شارك

تُعد تجربة المملكة المغربية في تأمين التظاهرات الرياضية الكبرى نموذجا ملهما تخطّى “البعد المحلي” ليفرض نفسه بمثابة “مدرسة أمنية” رائدة عالميا، خاصة مع النجاح الكبير الذي يرافق تنظيم نهائيات كأس إفريقيا للأمم “المغرب 2025”.

ولم تقتصر الريادة على الجاهزية الميدانية وامتدت لتشمل مقاربة مؤسساتية وقضائية صارمة جعلت من الملاعب فضاءات منضبطة يسُودها القانون، كما عكستها متانةُ شراكات استراتيجية مع كبريات المؤسسات الأمنية الدولية؛ وفي مقدمتها المكتب الفيدرالي الأمريكي (FBI) الذي قام وفد رفيع منه بزيارة لملاعب مغربية بالعاصمة أثناء إجراء بعض المباريات.

حصيلة الانضباط

تعكس الحصيلة الرسمية الصادرة عن رئاسة النيابة العامة نجاعة هذه المقاربة؛ فقد كشفت المعطيات الإحصائية (للفترة من 21 دجنبر إلى 6 يناير) عن ضبط 128 مخالفا في الملاعب المحتضنة لـ”الكان”.

وفقا لمعطيات إحصائية، حصلت عليها جريدة هسبريس الإلكترونية، فإن جنحة “الدخول أو محاولة الدخول إلى الملعب باستعمال التدليس” تصدرت قائمة الأفعال الجرمية بواقع 61 مخالفة من أصل 152 مخالفة مسجلة.

كما شملت المتابعات القضائية، التي تديرها مكاتب متخصصة داخل المنشآت الرياضية، قضايا تتعلق ببيع التذاكر بدون ترخيص (19 حالة) و”إشعال الشهب الاصطناعية” و”التزوير”، وحتى مساطر الدخول إلى رقعة الملعب.

“براديغم” مغربي

إحسان الحافظي، أستاذ بكلية العلوم القانونية والسياسية وخبير مستشار في الشؤون الأمنية، أكد أن المغرب “بات يتوفر، اليوم، على تجربة رائدة ومنفردة في إدارة التظاهرات الرياضية الكبرى مستندا إلى مستويين متكاملين؛ الأول مبني على التراكم والشركات الأمنية الواسعة التي مكنت المؤسسة الأمنية المغربية من المساهمة في تأمين تظاهرات عالمية كبرى (كما حدث في ‘مونديال قطر’ و’أولمبياد باريس’)، والثاني يتعلق بـ”النموذج الأمني المحلي الذي طورته المديرية العامة للأمن الوطني عبر قطب خاص متخصص في إدارة الحشود والمظاهرات الكروية”.

وأوضح الحافظي، ضمن تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن هذا “البراديغم الأمني” المغربي نجح في المزاوجة بين تدبير المخاطر الميدانية وبين مواكبة التطور التكنولوجي وتقنيات أمن الملاعب الحديثة.

ولتعزيز هذا المسار، استبق المغرب تنظيم “كان 2025” بإرساء آليات قانونية ميدانية متمثلة في “المكاتب القضائية داخل الملاعب”، والتي وفرت غطاء قانونيا ومتابعة فورية لمختلف الجرائم المرتبطة بالولوج للملاعب (تزوير، تدليس، انتحال صفة، أو سُكر)؛ مما “ساهم بشكل ملموس في ترسيخ الانضباط داخل الفضاءات الرياضية”، حسب قراءة الخبير.

وفي قراءته سياق التعاون الدولي، أشار الأكاديمي ذاته المختص بالعلوم الأمنية إلى أن حضور طاقم أمني رفيع المستوى من المكتب الفيدرالي الأمريكي (FBI) يندرج ضمن تعزيز الشراكات الاستراتيجية، خاصة أن الولايات المتحدة مقبلة على تنظيم “كأس العالم 2026”.

ويهدف هذا التعاون إلى تبادل الخبرات في “سيكولوجية الجماهير” وفهم الخصوصيات الثقافية والسلوكية التي تميز البعد الإفريقي في هذه التظاهرات؛ مما يعزز من قدرة المغرب على “تدبير التنوع الجماهيري باحترافية عالية”.

واختتم الحافظي قراءته بالإشارة إلى “انخفاض مؤشرات العنف في مباريات المنتخبات الوطنية مقارنة بمباريات الأندية، معزيا ذلك إلى غياب “ثقافة الإلتراس” في هذا النوع من التظاهرات؛ مما يمنح المغرب بيئة مثالية لتقديم نسخة استثنائية وآمنة من “الكان”، تؤكد جاهزيته التامة وتزكّي قدراته لاحتضان مونديال 2030 بمعايير أمنية وقضائية عالمية.

السيادة ولريادة

من منظور الخبير الرياضي والإطار التقني الوطني عزيز داودة، فإن نجاح المغرب في تأمين “كان 2025” يتجاوز الترتيبات الأمنية المعهودة؛ ليَدخُل نطاق “السيادة القانونية” و”الريادة الدولية”.

وفي تصريح لهسبريس، سجل داودة أن “المغرب كان سباقا بوضع ترسانة قانونية تسمح بإحداث محاكم داخل الملاعب”، لافتا إلى أن “هذه التجربة لا تقتصر أهدافها على الزجر فقط؛ بل تمتد إلى التأثير النفسي: ضبط المخالف ومحاكمته في “مكان الجرم” ذاته يعزز من قوة الردع ويربط العقوبة بالسلوك بشكل مباشر”.

وعرج الخبير الرياضي والإطار التقني الوطني على “بعد تربوي” غير خافٍ؛ بمساهمة ذلك في “تكريس ثقافة الانضباط الأخلاقي والرياضي لدى الجماهير”.

وأشار المتحدث مفصلا في “النجاعة الميدانية” إلى أنه “الحالات التي تم البت فيها داخل الملاعب أثبتت فاعلية القوانين المغربية الحالية في ضبط الفضاء الرياضي”.

وأكد داودة أن حضور عناصر من المكتب الفيدرالي الأمريكي (FBI) في المغرب هو “تقليد دولي” في التظاهرات الكبرى. وله أبعاد استراتيجية.

ويتقاطع الخبير الرياضي داودة مع رؤية الحافظي في نقطة “فهم سيكولوجية الجماهير”، شارحا أن “التعاون يساعد المنظمين على فهم تطور سلوكيات الجماهير باختلاف جنسياتهم؛ مما يمنح الأمن المغربي قدرة استباقية على التنبؤ بالمخاطر قبل وقوعها”.

وأضاف في السياق بأن الاستعداد للمونديال جعل المغرب يستعين بخبرات من سبقوه، كما تسعى الولايات المتحدة (منظم مونديال 2026) إلى الاستفادة من التجربة المغربية في إدارة الحشود وتنوع الجماهير”.

داودة لم يفُته التأكيد على أن “المتطلبات الأمنية لـ”فيفا” تظل تقنية وعامة، بينما ما يطبقه المغرب هو عمل أمني منسَّق وعلمي متطور”.

وبشأن “مركز القيادة الموحد”، وزاد قائلا إن المغرب يعتمد على مركز يضم “ملحقين أمنيين” من كافة الدول المشاركة؛ مما يسهل التواصل الفوري وفهم خصوصيات كل جمهور، ويوفر الكثير من الوقت في معالجة الحوادث”.

وأضاف المتحدث عينه أن الأمن المغربي يشتغل بعمق “ما وراء الستار”، مستعينا بخبراء في علم الاجتماع وعلوم متخصصة لفهم وتحليل حركية الجماهير. أما الريادة القارية والدولية؛ فهذه التجربة جعلت من “الأمن الرياضي المغربي” نموذجا مطلوبا دوليا، حيث سيشكل ركيزة أساسية ليس فقط في “الكان”، بل في مونديال 2030 بالتعاون مع دول مثل إسبانيا والبرتغال.

وخلُص عزيز داودة واضعا التجربة المغربية في إطارها الصحيح: “دولة آمنة قانونيا ومتمكنة تقنيا، مما يحوّل الملاعب من بؤر محتملة للتوتر إلى فضاءات احتفالية منضبطة”.

جدير بالتذكير أن المغرب يستضيف، على مدار 3 أيام، الملتقى العلمي “أمن الفعاليات الرياضية الكبرى.. التحديات الأمنية والقانونية في ظل التحولات الرقمية”، الذي تنظمه وزارة العدل بشراكة مع جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية والمديرية العامة للأمن الوطني والقيادة العليا للدرك الملكي والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم وبدعم وشراكة مع مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب والمنظمة الدولية للهجرة والمديرية العامة للأمن الوطني والاتحاد الرياضي العربي للشرطة؛ في سياق تنظيم المملكة المغربية لكأس إفريقيا للأمم 2025 والتحضير لتنظيم كأس العالم لكرة القدم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا