مساءلة النموذج التنموي

تتشكل خلف اللغة المؤسسية للخطاب الذي وجهه الملك محمد السادس إلى البرلمان في افتتاح الولاية التشريعية الجديدة رؤية جديدة للأولويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمرحلة المقبلة، وتتوزع موضوعاته بين الهوية الوطنية والسيادة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والجهوية والهجرة والعلاقات الدولية، مع رؤية أوسع لطبيعة التحول الذي ينتظر الدولة المغربية ولموقع المؤسسات السياسية والإدارية والاقتصادية في إنجازه.

ويكتسب هذا الخطاب أهمية إضافية من ظرفيته الدستورية، إذ يتزامن مع افتتاح السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، وفق الموعد المعلن رسميا بموجب الفصل الخامس والستين من الدستور؛ لكن القيمة السياسية للنص تكمن في طبيعة الأسئلة التي يطرحها، بصورة مباشرة أو ضمنية، بشأن قدرة النموذج التنموي والمؤسساتي على الانتقال من مرحلة إطلاق الإصلاحات والمشاريع الكبرى إلى مرحلة إنتاج نتائج ملموسة في حياة المواطنين.

ينقل الخطاب، في أحد أبرز أبعاده، مركز الاهتمام من حجم ما تنجزه الدولة إلى نوعية ما يحققه هذا الإنجاز، ومن قوة القرار المركزي إلى فعالية تنفيذه محليا، ومن الاعتزاز بالمكاسب الوطنية إلى تحمل المسؤولية عن تحويلها إلى فرص وحقوق ومنافع مشتركة.

إننا أمام تصور جديد يسعى إلى الانتقال من دولة الإنجاز التي تُقاس فعاليتها بالمشاريع والاستثمارات والبنيات التحتية إلى دولة الأثر التي تُقاس فعاليتها بقدرتها على تحسين شروط العيش وتقليص الفوارق وتوفير الفرص وحماية استقلالية القرار الوطني؛ وهو أكبر تحدٍّ للمرحلة المقبلة.

تقوم بنية الخطاب على الجمع بين الاستمرارية وبين إعادة ترتيب الأولويات، ويضع المكتسبات التي تحققت أمام اختبار جديد: ماذا تعني القوة الاقتصادية أو البنية التحتية المتطورة إذا لم تتحول إلى عدالة اجتماعية ومجالية، وإلى فرص فعلية للشباب، وإلى إدارة قادرة على الاستجابة لحاجات المواطنين؟ هذه المفارقة هي المدخل الأعمق لفهم الخطاب.

الوطنية كمسؤولية تاريخية

من أكثر المقاطع دلالة في الخطاب استحضار الملك لعبارته التي قالها سنة 2014 عن اعتزازه بمغربيته، ثم الانتقال من الحديث عن عراقة الدولة وخصوصية الهوية إلى تعريف جديد للانتماء الوطني بوصفه مسؤولية وواجبا.

تؤدي الإحالة إلى الاعتزاز بالهوية وظيفة سياسية ورمزية أكثر تركيبا من مجرد استدعاء للذاكرة الجماعية أو تأكيد لشرعية تاريخية متجذرة؛ فالخطاب ينطلق من عناصر الاستمرارية التاريخية للمملكة والمكاسب الدبلوماسية والتنموية، ويجعل منها أساسا للمطالبة بالفعل والمسؤولية. وهنا يظهر انتقال مهم من مفهوم الوطنية الشعورية إلى مفهوم الوطنية العملية.

إن الوطنية الشعورية تتجلى في الاعتزاز بالتاريخ والرموز والانتماء؛ بينما تتجلى الوطنية العملية في الالتزام بالصالح العام وتحمّل المسؤولية والمساهمة في التنمية واحترام المؤسسات وربط الاعتزاز بالوطن بما يقدم له الفرد والمؤسسة من عمل. يمكن النظر إلى هذا التحول باعتباره محاولة لتجاوز الاستخدام الاحتفالي للهوية الوطنية نحو توظيفها بوصفها طاقة للتعبئة الجماعية.

يتعلق الرهان الحقيقي في الخطاب الملكي بتعزيز الشعور الوطني وبترجمة الانتماء إلى علاقة ثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع. ويمكن اختزال الرسالة العميقة لهذا البعد في أن عراقة الدولة ليست بديلا عن تجدد أدائها، وأن قوة الانتماء لا تنفصل عن جودة المواطنة.

من اقتصاد المشاريع الكبرى إلى اقتصاد السيادة الاستراتيجية

يشكل المحور الاقتصادي أحد أكثر أجزاء الخطاب انفتاحا على التحولات الجيوسياسية والجيو- اقتصادية التي يعرفها العالم. يضع الملك، إلى جانب تسريع مشاريع البنيات التحتية، جيلا جديدا من الاستراتيجيات الكبرى؛ يشمل الأمن المائي والطاقي والغذائي، والتصنيع، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والاحتياطات الاستراتيجية.

ولفهم دلالة هذا الانتقال، ينبغي الانتباه إلى أن مفهوم التنمية نفسه يشهد تحولا في الخطاب؛ ففي النموذج الاقتصادي التقليدي، كان التركيز ينصب على تطوير التجهيزات الأساسية واستقطاب الاستثمارات وتوسيع المبادلات وتعزيز تنافسية الاقتصاد. أما المنظور الذي يبرزه الخطاب الملكي، فيضيف إلى هذه الأهداف سؤالا آخر: كيف يستطيع المغرب الحفاظ على قدرته على الإنتاج واتخاذ القرار وتأمين حاجاته الحيوية في عالم تزداد فيه الاضطرابات والمخاطر؟

إن الانتقال من التركيز على النمو إلى الاهتمام بالمرونة الاستراتيجية يعني أن الاقتصاد لم يعد يُنظر إليه فقط باعتباره مصدرا للثروة، وإنما باعتباره أيضا إحدى ركائز الأمن الوطني.

الأمن المائي والغذائي والطاقي.. المثلث الجديد للسيادة

إن جمع هذه المجالات الثلاثة في سياق واحد يحمل دلالة استراتيجية، لأن الماء والطاقة والغذاء أصبحت عناصر مترابطة تتحكم في استقرار المجتمعات وقدرتها على النمو؛ فالأمن المائي يتعلق بالموارد الطبيعية والاستدامة والاستقرار الاجتماعي والمجالي، والأمن الغذائي يتعلق بقدرة المجتمع على تأمين حاجاته الأساسية ومواجهة اضطرابات الأسواق. أما الأمن الطاقي فيرتبط بالتكلفة الاقتصادية والقدرة الصناعية والاستقلال النسبي عن مصادر التوريد الخارجية. والتحدي هنا هو أن هذه الأهداف ليست دائما منسجمة بصورة تلقائية.

فقد تؤدي بعض الخيارات الزراعية إلى زيادة الضغط على الموارد المائية، وقد تتطلب بعض المشاريع الصناعية استثمارات طاقية ومائية كبيرة. ولذلك، فإن تحقيق الأمن الاستراتيجي يتم عبر تجميع السياسات القطاعية؛ وهو ما يستلزم تنسيقا يوازن بين كلفة الإنتاج وحماية الموارد، والإنصاف الاجتماعي والاستدامة البيئية.

من هنا، يمكن فهم الدعوة إلى الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية كتعبير عن تحول في وظيفة الدولة وانتقالها من تدبير الحاجات الاقتصادية في الظروف العادية إلى الاستعداد المؤسسي للأزمات غير المتوقعة؛ لكن ينبغي التمييز بين السيادة الاقتصادية والاكتفاء الذاتي المطلق، فالسيادة لا تعني بالضرورة إنتاج كل شيء محليا، وإنما تعني امتلاك هوامش كافية من الاختيار، وتنويع الشركاء والموردين، وتطوير القدرات الوطنية في القطاعات الحساسة.

من استهلاك التكنولوجيا إلى امتلاك القدرة على إنتاجها

إدراج الذكاء الاصطناعي ضمن الاستراتيجيات الكبرى يعكس وعيا ملكيا بأن التنافس الاقتصادي المقبل لن يتحدد بالبنيات المادية وحدها؛ بل كذلك بالبيانات والمعرفة والقدرات الحاسوبية والكفاءات البشرية.

ويطرح هذا الطموح أسئلة جوهرية: هل سيقتصر دور المغرب على استيراد التطبيقات والحلول الجاهزة، أم سيستثمر في البحث العلمي وتطوير منظومات محلية للإبداع التقني؟ وكيف سيوازن بين استخدام الذكاء الاصطناعي لتعزيز الإنتاجية وبين حماية فرص العمل والحقوق الرقمية؟

إن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى صلب الرؤية التنموية يقتضي منظومة متكاملة تشمل الجامعة، والبحث العلمي، والتمويل، والتكوين، والبنية الرقمية، وحوكمة البيانات. والاختبار لن يكون في عدد المبادرات المعلنة؛ بل في قدرتها على خلق قيمة مضافة وطنية وتوفير وظائف تتطلب مهارات مرتفعة. بهذا المعنى، يمكن قراءة المحور الاقتصادي باعتباره دعوة إلى بناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الصدمات الخارجية، لا مجرد اقتصاد أسرع نموا.

القطاع الخاص ومنطق تحمل المسؤولية التنموية

يكتسب توجيه الملك الخطاب إلى القطاع الخاص أهمية خاصة، عبر مطالبته بأن يصبح فاعلا استراتيجيا في التحول التنموي؛ فالدعوة إلى المبادرة والابتكار والاستثمار والتصدير وخلق فرص الشغل تعيد طرح سؤال العلاقة بين الدولة والرأسمال الوطني.

لقد اضطلعت الدولة المغربية بدور محوري في إطلاق المشاريع الكبرى، وإرساء التجهيزات الأساسية، وتهيئة شروط الاستثمار.. غير أن الخطاب يثير، بصورة ضمنية، إشكالية مدى قدرة القطاع الخاص على تحويل هذه الشروط إلى دينامية اقتصادية مستقلة ومنتجة. ويصبح الاستثمار الخاص شريكا في تحمل المخاطر وتطوير التكنولوجيا وتوسيع الصادرات وإحداث فرص العمل والمساهمة في تقليص التفاوتات.

إن التحدي الحقيقي هو الانتقال من تشجيع الاستثمار بوصفه غاية في ذاته إلى تقييم الاستثمار بالنظر إلى أثره الاقتصادي والاجتماعي والمجالي؛ فليس كل استثمار منتجا بالقدر نفسه، وليست كل زيادة في الثروة مؤشرا تلقائيا على اتساع دائرة المستفيدين منها. ومن هنا، تبرز أهمية النظر إلى مساهمة المقاولة في التنمية من خلال نوعية فرص العمل، ومستوى الأجور، والاندماج في سلاسل الإنتاج الوطنية، والقدرة على الابتكار، واحترام الالتزامات الاجتماعية والبيئية.

الشباب في قلب العقد الاجتماعي الجديد

يمثل إدراج قضايا الشباب ضمن أولويات السياسات العمومية أحد المحاور ذات الدلالة السياسية والاجتماعية القوية؛ فالخطاب الملكي لا يتحدث عن الشباب من زاوية التشغيل فقط، بل يربط قضاياهم بالتعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي وتكافؤ الفرص والثقة في المؤسسات وإمكانات الارتقاء الاجتماعي. وهذا الربط بالغ الأهمية؛ فالأزمة التي تواجهها فئات واسعة من الشباب تتسع لتشمل الشعور بانسداد الأفق وضعف الثقة في تكافؤ الفرص وتراجع القدرة على تحويل التحصيل الدراسي والجهد الفردي إلى تقدم اجتماعي. وبذلك، يمكن فهم الاهتمام بالشباب باعتباره اهتماما بمستقبل العلاقة بين المواطن والمؤسسة. فحين يشعر الشاب بأن التعليم لا يفتح أمامه فرصا متكافئة، وأن الكفاءة لا تكفي للارتقاء، وأن المجال الاجتماعي أو الجغرافي الذي ينتمي إليه يحدد مسبقا حدود طموحه، فإن الأمر يصبح مشكلة ثقة.

وتكشف هذه المسألة عن العلاقة الوثيقة بين التعليم والاقتصاد والعدالة الاجتماعية، حيث لا يكفي تحسين منظومة التكوين دون تطوير سوق الشغل، كما لا يكفي خلق وظائف لا تتناسب مع كفاءات الشباب وطموحاتهم.

الجهوية واللاتمركز الإداري.. من نقد التأخر إلى مساءلة بنية القرار

إذا كان المحور الاقتصادي يرسم أفق المغرب الذي يُراد بناؤه، فإن محور الجهوية واللاتمركز الإداري يطرح سؤالا أكثر حساسية. ويمكن اعتبار هذا المحور أحد أكثر مقاطع الخطاب الملكي وضوحا في تشخيص العوائق التي تحول دون تحويل الاختيارات الاستراتيجية إلى نتائج ميدانية.

لا يكتفي جلالة الملك بالدعوة العامة إلى تسريع الإصلاح الإداري، وإنما يسمي بعض مكامن الاختلال: التأخير، والتماطل، وغموض الاختصاصات، وضعف الموارد البشرية والمادية، وعدم استكمال نقل الصلاحيات، وقصور التنسيق بين الدولة والجهات.

وهنا، تكتسب اللغة المستخدمة دلالة سياسية؛ فالحديث عن عدم قبول مزيد من التأخير لا يتعلق بضرورة الإسراع الإداري فحسب، بل يفيد بأن المشكلة لم تعد محصورة في وضع التصورات أو إصدار النصوص، وإنما أصبحت مرتبطة بمدى تطبيقها.

فلا يمكن اختزال الجهوية المتقدمة في إحداث مؤسسات ترابية منتخبة أو نقل بعض المهام من الإدارة المركزية إلى المصالح المحلية. فاللامركزية الحقيقية حسب المنظور الملكي تقتضي توفر ثلاثة عناصر مترابطة: اختصاصات واضحة، وموارد كافية، وقدرة فعلية على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية. أما اللاتمركز الإداري، فيتعلق أساسا بإعادة توزيع ممارسة السلطة الإدارية للدولة على المستوى الترابي، بما يسمح باتخاذ القرارات وتنفيذها بالقرب من المواطنين.

والتمييز بين المفهومين ضروري، لأن نقل بعض مهام الدولة إلى مصالحها الترابية لا يعادل بالضرورة منح الجهات المنتخبة سلطة تقريرية أوسع؛ فالبعد الأساسي الذي يطرحه الخطاب هو تطوير قدرة المؤسسات الجهوية المنتخبة على صناعة القرار التنموي داخل حدود اختصاصاتها.

العدالة المجالية بوصفها اختبارا لوحدة الدولة

تظهر في هذا السياق دلالة أخرى لا تقل أهمية في الخطاب الملكي تتمثل بالوعي بأن الدولة الموحدة لا تعني بالضرورة أن تكون جميع الجهات متشابهة في مواردها وحاجاتها وإمكاناتها. ولذلك، فإن المساواة في المعاملة الإدارية لا تؤدي تلقائيا إلى العدالة المجالية. من هنا، يمكن النظر إلى الجهوية بوصفها أداة لإنتاج الإنصاف، لا مجرد تقنية لتنظيم السلطة. لذلك، فنجاح هذا التصور يتطلب آليات للتضامن بين المجالات ومؤشرات دقيقة لقياس الفوارق وقدرة على توجيه الموارد بحسب الحاجات الفعلية. وبدون ذلك قد تتحول اللامركزية، خلافا لأهدافها، إلى إعادة إنتاج الفوارق بين الجهات الغنية والجهات الأقل حظا.

إعادة صياغة معنى التنمية

من المفاتيح الأساسية لقراءة الخطاب الملكي اقتران النمو الاقتصادي بتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية. يكشف هذا الاقتران توترا جوهريا في السياسات التنموية: كيف يمكن تحقيق نمو اقتصادي متسارع دون أن تتسع معه الفجوات الاجتماعية أو الترابية؟

لقد أظهرت التجارب الدولية أن ارتفاع المؤشرات الاقتصادية الكلية لا يؤدي بصورة آلية إلى تحسن متوازن في مستوى عيش مختلف الفئات. وقد يتحقق نمو ملحوظ في قطاعات معينة دون أن يواكبه ارتفاع مماثل في فرص التشغيل، أو تحسن في جودة الخدمات العمومية، أو تراجع في الفوارق. وعليه، فإن الحديث عن الانسجام بين النمو والعدالة يقتضي تجاوز الفصل التقليدي بين السياسة الاقتصادية والسياسة الاجتماعية. فالتعليم والصحة والنقل والسكن ليست فقط نفقات اجتماعية؛ بل هي أيضا شروط لرفع الإنتاجية وتوسيع المشاركة الاقتصادية.

وبالمثل، فإن الاستثمار في المناطق الأقل تجهيزا ليس مجرد تعويض عن الحرمان؛ بل يمكن أن يشكل وسيلة لإطلاق طاقات اقتصادية معطلة. غير أن هذا الطموح يظل مرتبطا بسؤال توزيع الثروة الناتجة عن النمو.

فمن يستفيد من الزيادة في الإنتاج؟ وما نصيب الأجور وفرص العمل؟ وهل تساهم السياسات الجبائية والإنفاق العمومي في تقليص التفاوتات؟ وكيف تُقاس العدالة المجالية بعيدا عن الاكتفاء بأرقام الاستثمار؟

ومن هنا، فإن الانتقال إلى دولة الأثر -حسب البعد الاستراتيجي للخطاب الملكي- يقتضي أن تصبح المؤشرات الاجتماعية والمجالية جزءا أساسيا من تقييم النجاح الاقتصادي، لا مجرد نتائج جانبية له.

الهجرة والعلاقة مع إسبانيا.. إعادة تعريف مفهوم الشراكة والسيادة

يفتح الجزء المتعلق بالهجرة والعلاقات مع إسبانيا نافذة مختلفة على الرؤية السياسية للخطاب الملكي في افتتاح البرلمان. فبعد الحديث عن التنمية الداخلية والإصلاح الإداري، ينتقل الملك إلى موقع المغرب في محيطه الدولي، وإلى طبيعة علاقاته مع شركائه، وخاصة في الملفات التي تختلط فيها المصالح الاقتصادية والهواجس الأمنية والالتزامات القانونية والإنسانية. وتبرز هنا فكرة محورية:

رفض اختزال الشراكة في التزامات غير متوازنة أو في علاقة تتعرض للضغط السياسي المتبادل. ويمكن فهم هذا الموقف باعتباره مطالبة بإعادة النظر في قواعد التعاون، وليس بالضرورة إعلانا عن التخلي عنه.

إن الهجرة ظاهرة تتداخل فيها عوامل الفقر والتفاوت الاقتصادي والحروب والتغيرات المناخية والحاجات الديمغرافية وسوق العمل والسياسات الحدودية. لذلك، فإن اختزالها في إجراءات المراقبة والإبعاد يظل قاصرا عن معالجة أسبابها البنيوية. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الدعوة إلى تصور جديد للشراكة باعتبارها سعيا إلى توسيع التعاون ليشمل التنمية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي والفرص القانونية للتنقل والعمل مفتاحا جديدا لناء علاقة توازن بين المغرب وإسبانيا؛ غير أن نجاح هذا التوجه يقتضي تحديد المسؤوليات المتبادلة بصورة دقيقة، والتمييز بين مكافحة شبكات الاتجار بالبشر وحماية الحقوق الأساسية للمهاجرين.

الشراكة كعلاقة تفاوض لا علاقة تبعية

يكتسب الإعلان عن إعداد وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية للتعاون دلالة مهمة. فإذا أخذناه في سياق بنية الخطاب الملكي، فإنه يعكس توجها إلى الانتقال من معالجة الأزمات المنفردة إلى بلورة إطار تفاوضي أشمل ينظم المصالح والأولويات والالتزامات. ومن المهم هنا عدم الخلط بين التأكيد على الاستقلالية السيادية في القرار وبين الاستغناء عن الشراكات الدولية.

فالمغرب وإسبانيا تجمعهما مصالح متداخلة، ويظل التعاون بينهما مرتبطا بقدرة الطرفين على إدارة الاختلافات القانونية والسياسية ضمن مؤسسات وآليات تفاوض واضحة. إن القراءة الأعمق لهذا المحور تتعلق، بالتالي، بإعادة تعريف شروط الشراكة: من تعاون تحكمه أحيانا ضرورات تدبير الأزمات إلى تعاون مؤطر بالمصالح المتبادلة والاستقرار طويل المدى.

من شرعية الانتخاب إلى شرعية الأداء

يختتم الخطاب الملكي بالتوجه المباشر إلى البرلمانيين، وتذكيرهم بأن الانتداب البرلماني التزام سياسي وتعاقد أخلاقي مع المواطنين. إن الانتخاب يمنح الممثل البرلماني شرعية دستورية وسياسية؛ لكنه لا يعفيه من واجب تقديم الحصيلة والخضوع للمساءلة.

ولا يعني ذلك أن الشرعية الانتخابية تتوقف قانونيا على رضا المواطنين عن كل قرار، وإنما أن الثقة السياسية تبقى مرتبطة بما يقدمه المنتخبون من تمثيل ومراقبة وتشريع ومساءلة.

إن استحضار المسؤولية أمام الله والمواطنين والتاريخ يضفي على الوظيفة البرلمانية بعدا أخلاقيا واضحا. فالبرلمان لا يؤدي وظائفه اعتمادا على الضمير الفردي وحده؛ بل من خلال آليات التشريع، ومراقبة العمل الحكومي، وتقييم السياسات العمومية، وتتبع تنفيذ الميزانيات، وإتاحة المعلومة والنقاش العمومي.

ومن هنا، يطرح الخطاب سؤالا بالغ الأهمية: كيف يمكن ترجمة التعاقد الأخلاقي إلى ممارسة مؤسساتية؟

يمكن أن يتحقق ذلك من خلال تعزيز جودة العمل التشريعي، وتطوير لجان التقييم والمراقبة، وربط الأسئلة البرلمانية بالنتائج الفعلية، وتوسيع النقاش العمومي حول السياسات الكبرى. كما أن الالتزام الأخلاقي بالتمثيل يقتضي ألا يختزل دور البرلماني في نقل المطالب المحلية أو الدفاع عن مصالح فئوية ضيقة، وإنما أن يشمل المساهمة في صياغة اختيارات وطنية تحقق الصالح العام. وفي هذا السياق، تصبح العلاقة بين الأغلبية والمعارضة جزءا من فعالية المؤسسة؛ لأن الاختلاف السياسي والرقابة والنقاش النقدي وظائف دستورية ضرورية لتجويد القرار العمومي.

إن البرلمان القادر على أداء دوره ليس مؤسسة تكتفي بتأييد السياسات، ولا مؤسسة تحصر عملها في المعارضة الخطابية؛ بل فضاء لإنتاج التشريع ومساءلة الاختيارات العمومية بصورة مسؤولة.

ما الذي تقوله بنية الخطاب ولغته السياسية؟

يمكن للقراءة التحليلية أن تتجاوز الموضوعات المعلنة إلى دراسة طريقة بناء الخطاب الملكي نفسه. فترتيب محاوره ليس بلا دلالة، وإن كان تفسير هذا الترتيب يظل اجتهادا تحليليا لا تصريحا مباشرا من النص.

الهوية: تأسيس الإطار الرمزي للثقة والانتماء والمسؤولية الوطنية.

الاقتصاد: تحديد مصادر القوة المستقبلية وشروط السيادة والمرونة.

المجتمع: ربط التنمية بالشباب وتكافؤ الفرص والثقة في المؤسسات.

المجال: نقل النقاش إلى شروط التنفيذ وتوزيع الاختصاصات والموارد.

الخارج: تحديد موقع المغرب في علاقات الاعتماد المتبادل والتفاوض.

البرلمان: إسناد مسؤولية سياسية وأخلاقية إلى ممثلي المواطنين.

هذا البناء يسمح بقراءة الخطاب باعتباره انتقالا من أسس الشرعية الوطنية إلى شروط الفعل الاقتصادي، ثم إلى غايته الاجتماعية، فأدواته الترابية، ثم إلى علاقات المغرب الخارجية، قبل العودة إلى مسؤولية المؤسسة التشريعية.

كما يمكن التوقف عند ثلاثة مستويات في لغته:

لغة الاعتزاز: وهي التي تؤكد الاستمرارية التاريخية والمكاسب الوطنية، وتمنح الإصلاح إطارا رمزيا جامعا.

لغة الاستشراف: وتتجلى في الدعوة إلى استراتيجيات جديدة، وفي استحضار الذكاء الاصطناعي والاحتياطات الاستراتيجية والأمن الاقتصادي، بما يجعل المستقبل والقدرة على توقع مخاطره جزءا من النقاش التنموي.

لغة الاستعجال والمساءلة: وتظهر بوضوح في المقاطع المتعلقة بتأخر اللاتمركز والإصلاح الترابي، حيث ينتقل الخطاب الملكي من عرض الأهداف إلى التشديد على إزالة العراقيل التي تحول دون تنفيذها.

والجمع بين هذه المستويات يمنح النص طابعا مركبا؛ فهو يجمع بين تثبيت الاستمرارية، وتحديد آفاق جديدة، وتوجيه انتباه المؤسسات إلى الاختلالات العملية.

المسكوت عنه والأسئلة المفتوحة.. حدود الطموح وشروط تحققه

لا تكتمل القراءة العميقة لأي خطاب سياسي بالاكتفاء بما يعلنه، وإنما تقتضي أيضا مساءلة ما يتركه مفتوحا للتفسير أو التنفيذ. ولا يعني الحديث عن المسكوت عنه أن النص يتعمد إخفاء قضايا معينة، وإنما أن طبيعته التوجيهية لا تسمح بتفصيل جميع الآليات والسياسات. وفي هذا الإطار، تبرز خمس إشكاليات أساسية:

1ـ فجوة التنفيذ

يحدد الخطاب الملكي اتجاهات استراتيجية واضحة؛ لكنه يضع مسؤولية ترجمتها على مؤسسات متعددة. وهنا تبرز الحاجة إلى تحديد الأولويات التنفيذية والآجال والموارد والمسؤوليات.

فقد تكون الاستراتيجية متماسكة على المستوى المفاهيمي؛ لكنها تتعثر عندما تتوزع المسؤولية بين إدارات عديدة دون تنسيق أو محاسبة كافيين.

2ـ تمويل التحولات الكبرى

تحتاج مشاريع الأمن المائي والطاقي والغذائي والتصنيع والرقمنة وتطوير الخدمات العمومية إلى استثمارات كبيرة. ويطرح ذلك مسألة التوازن بين تعبئة الموارد والقدرة على الحفاظ على استدامة المالية العمومية، خصوصا عندما تتزاحم الأولويات الاقتصادية والاجتماعية.

فأية استراتيجية ينبغي أن تجيب عن سؤالين متلازمين: ما الذي يجب إنجازه؟ وكيف يمكن تمويله بصورة مستدامة وعادلة؟

3ـ إعادة توزيع الاختصاصات والمسؤوليات

من الصعب مساءلة الفاعلين الترابيين عن نتائج لا يملكون الوسائل اللازمة لتحقيقها. ولذلك، فإن وضوح المسؤوليات يظل شرطا مركزيا لإنجاح الجهوية. ويقتضي هذا الوضوح تحديد من يقرر، ومن يمول، ومن ينفذ، ومن يراقب، ومن يتحمل مسؤولية الإخفاق.

4ـ مشاركة المواطن في تقييم التنمية

إذا كانت التنمية تستهدف تحسين الحياة اليومية، فإن تقييمها لا ينبغي أن يقتصر على التقارير الإدارية والمؤشرات الاقتصادية؛ فجودة الخدمات وزمن الحصول عليها والإحساس بالإنصاف والثقة في المؤسسات والقدرة على المشاركة كلها أبعاد تستحق أن تدخل في منظومة التقييم.

والانتقال إلى دولة الأثر يقتضي إتاحة المعلومات والبيانات، وتمكين المواطنين من مناقشة النتائج، لا الاكتفاء بتلقي حصيلة المشاريع.

5ـ التوفيق بين الاستراتيجيات القطاعية

يضع الخطاب الملكي أهدافا متعددة تتعلق بالنمو والسيادة والعدالة والبيئة والابتكار؛ لكن هذه الأهداف قد تتنافس على الموارد أو تفرض اختيارات صعبة.

إن التوسع الصناعي يحتاج إلى موارد ومهارات، والتحول الطاقي يتطلب استثمارات، والأمن المائي يفرض قيودا على بعض الأنشطة؛ بينما تستدعي العدالة الاجتماعية توسيع الإنفاق على الخدمات. ومن ثم، فإن جودة القرار العمومي ستتحدد أيضا بقدرته على إدارة المفاضلات بين الأهداف المختلفة.

نحو تعاقد سياسي وتنموي جديد

إذا جمعنا مختلف محاور الخطاب، أمكن استخلاص تصور لعقد تنموي يرتكز على توزيع المسؤوليات بين عدد من الفاعلين.

فالدولة مطالبة بتوفير الرؤية الاستراتيجية وشروط السيادة الاقتصادية والمؤسساتية. والحكومة والإدارة مطالبتان بتحويل هذه الرؤية إلى برامج قابلة للتنفيذ، والجهات مطالبة بالقيام بدور أكبر في التنمية الترابية. والقطاع الخاص مدعو إلى الاستثمار المنتج والابتكار والتشغيل. والبرلمان مطالب بالتشريع والمراقبة والتقييم. أما المواطنون، وخاصة الشباب، فينبغي أن يجدوا في هذه المنظومة فرصا فعلية للمشاركة والاستفادة.

إن إحدى الإشكاليات الجوهرية التي يثيرها الخطاب الملكي هي العلاقة بين الطموح الاستراتيجي للدولة وقدرة مؤسساتها الوسيطة على الإنجاز. فيمكن للدولة أن تمتلك رؤية بعيدة المدى، وأن تطلق مشاريع كبرى، وأن تحدد اختيارات اقتصادية طموحة؛ لكن الأثر الاجتماعي لهذه المشاريع يظل مرتبطا بكفاءة الإدارة، وبجودة المؤسسات التمثيلية، وبمستوى التنسيق بين الفاعلين، وبقدرة المجتمع على الاستفادة والمشاركة. ومن هنا، فإن تحديث النموذج التنموي لا ينفصل عن تحديث أساليب الحكامة.

ولعل أهم ما يمكن استخلاصه من هذه القراءة أن الخطاب الملكي لا يطرح فقط سؤال ما ينبغي فعله؛ بل يثير أيضا سؤال من سيفعله، وبأية صلاحيات، وبأية موارد، وتحت أية رقابة.

كيف نقيس التحول الذي يدعو إليه الخطاب الملكي؟

يمكن تحويل التوجهات العامة إلى مجموعة من الأسئلة والمؤشرات التي تسمح مستقبلا بتقييم النتائج.

مصدر الصورة

مصدر الصورة

إن القراءة المتأنية للخطاب الملكي الموجه إلى البرلمان في افتتاح الولاية التشريعية الثانية عشرة تكشف عن مجموعة من التحولات في تصور أولويات المرحلة المقبلة؛ فالقوة الاقتصادية لم تعد منفصلة عن الأمن الاستراتيجي، والانتماء الوطني أصبح مقترنا بمسؤولية العمل، والنمو لا ينفصل عن العدالة، والشباب يُنظر إليهم بوصفهم جزءا من مستقبل الثقة في المؤسسات، والجهوية شرطا لتحويل السياسات إلى نتائج ملموسة.

وفي الوقت نفسه، يبرز في المحور الخارجي تصور للشراكة الدولية يقوم على الدفاع عن المصالح الوطنية وإعادة النظر في شروط التعاون؛ بينما يعيد المحور البرلماني التأكيد على المسؤولية الأخلاقية والسياسية للتمثيل.

إن الخيط الذي يصل بين هذه المحاور جميعا هو مسألة الفعالية المؤسسية؛ فالمغرب الذي يتطلع إلى تعزيز مكانته الاقتصادية والاستراتيجية يحتاج، وفق المنطق الذي يمكن استخلاصه من الخطاب الملكي، إلى مؤسسات قادرة على مواكبة هذا الطموح، وإلى إدارة تستطيع تحويل القرارات إلى خدمات، وإلى اقتصاد ينتج الفرص، وإلى جهات تمتلك القدرة على تدبير تنميتها، وإلى برلمان يمارس وظائفه في التشريع والمراقبة والتقييم.

إن الفرق بين دولة تنجز ودولة تحقق الأثر هو أن الأولى تستطيع أن تقدم حصيلة بما بنته وعبأته واستثمرته؛ بينما تحتاج الثانية إلى أن تبرهن أيضا على ما تغير في حياة الناس بفضل ذلك كله. وهذا الانتقال يحمل أبعادا سياسية واجتماعية وأخلاقية؛ لأنه يجعل نجاح السياسات العمومية مرتبطا بما تنتجه من ثقة وإنصاف وفرص وحقوق وخدمات.

يمكن تلخيص الرهان الكبير الذي يثيره الخطاب الملكي في الانتقال من سؤال: ماذا أنجز المغرب؟ إلى سؤال أكثر عمقا: كيف ينعكس ما أنجزه المغرب على حياة المغاربة، وعلى قدرتهم على المشاركة في صناعة مستقبل بلدهم؟ ذلك هو الاختبار الذي تلتقي عنده السيادة بالتنمية، والعدالة بالنمو، والجهوية بالحكامة، والتمثيل السياسي بالمسؤولية. وتلك أيضا هي المسافة التي ينبغي أن تقطعها المؤسسات بين قوة الطموح وواقع الإنجاز.