الحسن أوزغربلت – إطار متخصص في اللغة والثقافة الأمازيغية بالمكتبة الوطنية للمملكة المغربية//

يتعين أن يثير تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةللحكومة عقب انتخابات 23 شتنبر 2026 كسابقة في تاريخ المغرب المعاصر، أسئلة تتجاوز التمثيل النسائي إلى طبيعة السلطة وعلاقاتها الاجتماعية والتاريخية. فهل يعكس هذا الاختيار تحولا في بنية الحكم، أم يندرج ضمن إعادة تشكيل النخب السياسية دون تغيير جوهري في موازين القوة؟ وكيف يمكن فهمه في ضوء التاريخ المغربي والأمازيغي والتناقضات التي تطبع الممارسة السياسية المعاصرة؟

القيادة النسائية لم تكن يوما غريبة عن تاريخ شمال إفريقيا؛ فقد جسّدت تيهيا، التي عرفها “العدو” بالكاهنة، نموذجا للقيادة العسكرية والمقاومة في الأوراس خلال القرن السابع الميلادي، فيما أدت زينب النفزاوية دوراسياسيا بارزا في نشأة الدولة المرابطية “الأممية”. كما عرف المجتمع المغاربي أشكالا متنوعة من مشاركة النساء في تدبير الشأن الجماعي وحفظ الذاكرة وممارسة الوساطة.

وعلى المستوى القدسي يستحضر هذا الإرث أيضا “تانيتTANNIT )، المعبودة في الحضارة القرطاجية بشمال إفريقيا، باعتبارها رمزا للحضور الأنثوي فيالقدسية الاعتقادية القديمة عند سكان هذا المجال الافريقي، ثم في المخيال الديني القديم، دون الخلط بين التاريخ القرطاجي والهوية الأمازيغية أو إسقاط مفاهيم المساواة الحديثة على الماضي…

إن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة يكتسب دلالة رمزية وسياسية، لكنه لا يكفي وحده لإثبات تحول المجتمع نحو المساواة. فالمعيار هو مدى انعكاس هذا التمثيل على أوضاع النساء العاملات والفلاحات والفئات الشعبية، وعلى حقوقهن الاقتصادية والاجتماعية وقدرتهن على المشاركة الفعلية في القرار. ومن منظور يساري ماركسي متجدد، لا تنفصل قضية المرأة عن علاقات الإنتاج وتوزيع الثروة والسلطة؛ لذلك ينبغي التمييز بين صعود امرأة من داخل النخب وبين تحرر النساء من البنيات الاجتماعية التي تعيد إنتاج التهميش واللامساواة.

.. ومن الذاكرة التاريخية إلى سؤال التمكين.. فانه يتعيتن علينا الوقوف عند التناقضات الإيديولوجية والمصالح السياسية، بالاعتبار الثقافي الشعبي المغربي، حيث يقتضي هذا المنظور مساءلة التباعد المحتمل بين الخطاب والممارسة لدى حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية مثلا ، أو لدى حزب الاستقلال المنتمي إلى اليمين الوطني التقليدي، وكذلك لدى بقية القوى المحافظة. فالمواقف المعلنة من مكانة المرأة لا تُختبر بالشعارات وحدها، بل بالممارسة التشريعية والسياسات الاجتماعية والمواقف من المساواة في الحقوق والفرص.. كما أن مشاركة حزب الاستقلال في التحالفات الحكومية لا تعني، في حد ذاتها، مراجعة مرجعيته أو تحول موقفه من تمكين المرأة؛ إذ ينبغي تحليلها في ضوء البرامج والتحالفات والمصالح الانتخابية والاقتصادية، دون اختزال دوافعها في تفسير واحد غير مثبت.

وأما بخصوص المنظومات العائلية والريع وإعادة إنتاج النفوذ، فإن الامر يتطلب تحليل البنية السياسية المغربية دراسة العلاقة بين الأعيان والروابط القبلية والعائلية وشبكات المال والإدارة والتمثيل الانتخابي. وفي هذا السياق، يمكن التوقف عند عائلات وشبكات سياسية من قبيل آل الفاسي، وآل الفاسي الفهري، وشبكات الأعيان المرتبطة بآيت شباط، كما يمكن تناول النفوذ المحلي في الأقاليم الجنوبية من خلال أسماء مثل آيت الرشيد، والخطاط ينجى، وآيت بوعايدة، وعائلة تامك في آسا الزاك، إلى جانب البورجوازية الباعمرانية الناشئة.. مع استحضار عبد الوهاب بلفقيه في سياق دراسة تشكل النفوذ السياسي المحلي.

إن إدراج هذه الأسماء لا يثبت، بذاته، استفادة أصحابها من الريع أو تورطهم في ممارسات غير مشروعة؛ ولكنه يحدد موضوعاً للبحث في كيفية تداخل القرابة والوساطة والموارد الاقتصادية مع التمثيل السياسي. ومن هنا تبرز إشكالية دستورية أعمق: إلى أي حد تستطيع المؤسسات المنتخبة ممارسة استقلالها ومساءلة مراكز النفوذ، عندما تتداخل المنافسة الحزبية مع شبكات الأعيان والمصالح الاقتصادية؟ إن الجواب يقتضي أدلة محددة حول الصفقات والأراضي والامتيازات والقرارات العمومية، لا الاكتفاء بالأنساب أو الانتماءات الجهوية.

وفي الأخير، أعتقد شخصيا إن؛ تعيين امرأة على رأس الحكومة المغربية يلتقي مع ذاكرة تاريخية مغاربية عرفت نماذج من القيادة النسائية، لكنه لا يضمن وحده تغييراً في بنية السلطة. فالقراءة الحية المتجددة لسياقات تطور الفعل البديموقراطي بالبلد، تربط بين تمكين المرأة والتحول الديمقراطي والاجتماعي، وتضع إعادة إنتاج النخب والريع والزبونية في صلب مساءلة الممارسة السياسية. لذلك، لا يُقاس التقدم بمجرد وصول امرأة إلى قمة الحكم، بل بمدى توسيع الحقوق والحريات، وتقليص الفوارق الطبقية، وتعزيز استقلال المؤسسات ومساءلتها، وتحويل التمثيل السياسي إلى مساواة فعلية في السلطة والثروة والفرص.