من التواصل السياسي إلى السياسة الرقمية.. عندما يصبح السياسي علامة رقمية
حسن خرجوج
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد فضاء إضافي للتواصل السياسي أو منصة لنشر الصور والتصريحات والبلاغات بل أصبحت جزءا من البنية الجديدة للعمل السياسي وأعادت تشكيل العلاقة بين السياسي والمواطن بشكل عميق فالعلاقة التي كانت تقوم أساسا على اللقاءات والمهرجانات والخطابات والظهور في وسائل الإعلام التقليدية أصبحت اليوم أكثر مباشرة واستمرارية وتفاعلا حيث يستطيع المواطن متابعة السياسي بشكل يومي والتفاعل مع مواقفه، والتعليق عليها، وإعادة نشرها، والمساهمة بشكل غير مباشر في تشكيل صورته أمام الرأي العام.
ويكشف التحول الرقمي الذي رافق تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة يوم 29 شتنبر 2026 من طرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده عن جانب مهم من هذا التغير. فالتعيين، باعتباره حدثا سياسيا ومؤسساتيا غير مسبوق في تاريخ المغرب من حيث وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة، سرعان ما تحول أيضا إلى حدث رقمي واسع الحضور رافقه اهتمام متزايد بشخصيتها وحساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي مع تداول معطيات حول ارتفاع عدد متابعي حسابها على إنستغرام بأكثر من 300 ألف متابع خلال فترة وجيزة.
وبصرف النظر عن التدقيق في الرقم النهائي للمتابعين، فإن الظاهرة نفسها تستحق القراءة، لأنها تكشف كيف يمكن لحدث سياسي استثنائي أن يتحول بسرعة إلى موجة اهتمام رقمية.
فعندما يقع حدث يحمل قيمة سياسية ورمزية وإخبارية مرتفعة، ينتقل اهتمام الجمهور بصورة طبيعية من متابعة الخبر إلى البحث عن الشخصية المعنية، ومسارها، ومواقفها، وصورتها، وحضورها الرقمي.
وهنا تظهر إحدى أهم التحولات التي فرضتها المنصات الاجتماعية على الاتصال السياسي. فالمواطن لم يعد يتابع السياسي فقط بسبب انتمائه الحزبي، وإنما أصبح يتابع الشخصية نفسها: قصتها، مسارها، طريقة حديثها، صورها، حضورها أمام الكاميرا، أسلوبها في التفاعل، وطريقة إدارتها للأزمات والانتقادات. وبذلك أصبحت الشخصية السياسية تتحول تدريجيا إلى ما يعرف في الاتصال السياسي بـ”العلامة السياسية الشخصية” أو Political Brand
هذا التحول يعني أن بناء الصورة السياسية لم يعد يحدث فقط داخل المؤسسات الحزبية أو خلال الحملات الانتخابية، بل أصبح عملية مستمرة تجري كل يوم داخل المنصات الرقمية. صورة منشورة، تصريح قصير، فيديو، تعليق، مقابلة أو حتى طريقة التفاعل مع حدث معين، كلها عناصر يمكن أن تدخل في بناء الانطباع العام عن الشخصية السياسية.
ومن هنا أصبحت السمعة الرقمية جزءا من الرصيد السياسي والاتصالي للشخصية العامة. فالمواطن يستطيع اليوم أن يكون انطباعا عن سياسي معين دون أن يحضر له مهرجانا أو يلتقي به بشكل مباشر. يكفي أن يتابع حضوره الرقمي لفترة حتى تتشكل لديه صورة معينة عنه.
وفي حالة فاطمة الزهراء المنصوري، اجتمعت مجموعة من العناصر التي تساعد على تفسير سرعة انتشار الاهتمام بها. هناك مسار سياسي ومؤسساتي سابق، وتجربة في تدبير الشأن المحلي والعمل الحكومي، ثم جاءت لحظة سياسية تاريخية مرتبطة بوصول امرأة لأول مرة إلى رئاسة الحكومة. وعندما تجتمع هذه العناصر مع التغطية الإعلامية المكثفة والاهتمام الشعبي، تصبح منصات التواصل بيئة مثالية لتوسيع دائرة الاهتمام.
لكن من الخطأ اختزال هذه الظاهرة في الخوارزميات وحدها. فالخوارزمية لا تصنع الاهتمام من العدم، وإنما تعمل على تضخيم محتوى يمتلك أصلاً عناصر الجذب والتفاعل. الحدث السياسي الكبير يولد الاهتمام، ووسائل الإعلام ترفع مستوى التعرض للخبر، والجمهور يبحث عن الشخصية، ثم تتدخل المنصات في إعادة توزيع المحتوى على شبكات أوسع من المستخدمين.
وبذلك يمكن تصور دورة الانتشار الرقمي على شكل سلسلة تبدأ بحدث سياسي كبير، ثم اهتمام إعلامي، ثم بحث الجمهور عن الشخصية، ثم زيارة حساباتها، ثم التفاعل والمشاركة وإعادة النشر، ثم وصول المحتوى إلى جمهور جديد، وهو ما يمكن أن يؤدي في النهاية إلى ارتفاع عدد المتابعين.
هذه الآلية تكشف أيضا أن عدد المتابعين لا يمكن أن يكون المؤشر الوحيد على نجاح التواصل السياسي. فقد يحقق حساب سياسي نمواً سريعاً في المتابعة بسبب حدث استثنائي، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن جميع المتابعين تحولوا إلى جمهور سياسي دائم أو أن العلاقة معهم أصبحت علاقة ثقة وتفاعل.
السؤال الأهم يصبح إذن: من هم هؤلاء المتابعون؟ ماذا يريدون من الحساب؟ ما طبيعة تفاعلهم؟ هل يبحثون عن المعلومات؟ هل يشاركون المحتوى؟ وهل يتحول هذا التفاعل إلى نقاش حقيقي حول السياسات العمومية؟ وهنا ينتقل النقاش من “اقتصاد المتابعين” إلى “اقتصاد الثقة”.
فالسياسة الرقمية لا يمكن أن تختزل في عدد المشاهدات أو الإعجابات أو المتابعين. القيمة الحقيقية تظهر عندما يستطيع المسؤول السياسي تحويل الجمهور الرقمي إلى جمهور مطلع، وتحويل التفاعل إلى حوار، وتحويل المحتوى إلى وسيلة للتواصل المؤسساتي المسؤول.
وهذا يفرض تحولا آخر في طريقة التفكير في الاتصال السياسي. فامتلاك حساب على فيسبوك أو إنستغرام أو تيك توك لم يعد بحد ذاته إنجازا رقميا. السؤال الحقيقي يتعلق بكيفية استخدام هذه المنصات لفهم المجتمع، وتفسير السياسات، والرد على الأسئلة، وإدارة الأزمات، وتقديم المعلومات الرسمية في الوقت المناسب.
من هنا يظهر مفهوم “السياسة الرقمية”، وهو مفهوم يتجاوز بكثير فكرة الحضور على مواقع التواصل الاجتماعي. السياسة الرقمية تعني إدارة العلاقة بين المؤسسة والمواطن داخل بيئة تعتمد على البيانات والخوارزميات وسرعة تداول المعلومات وتغير سلوك الجمهور.
في هذا النموذج، تصبح معرفة سلوك المستخدم جزءاً من العمل السياسي والتواصلي، كما يصبح تحليل البيانات مهما لفهم القضايا التي تشغل المواطنين، والمحتوى الذي يثير اهتمامهم، ومصادر المعلومات التي يعتمدون عليها، وطريقة تفاعلهم مع الخطاب السياسي.
كما أن إدارة الأزمات السياسية أصبحت مرتبطة بشكل متزايد بسرعة الاستجابة الرقمية. فالمعلومة الخاطئة يمكن أن تنتشر خلال دقائق، والرواية البديلة يمكن أن تتشكل قبل صدور التوضيح الرسمي، والصورة الرقمية للسياسي يمكن أن تتأثر بحدث واحد ينتشر بشكل واسع.
ولهذا لم يعد التواصل السياسي وظيفة منفصلة عن التكنولوجيا. لقد أصبح مجالا يلتقي فيه الاتصال بالبيانات، والتسويق الرقمي بعلم السلوك، وإدارة السمعة بالأمن المعلوماتي، وصناعة المحتوى بفهم الخوارزميات.
وتصبح الحالة المرتبطة بفاطمة الزهراء المنصوري أكثر أهمية عند النظر إليها من هذه الزاوية. فالاهتمام الرقمي الذي رافق تعيينها يمثل مرحلة أولى، لكن المرحلة الأكثر دلالة ستكون في كيفية إدارة هذا الجمهور خلال الفترة المقبلة.
فالانتقال من لحظة سياسية تاريخية إلى علاقة رقمية مستدامة مع المواطنين يمثل تحديا مختلفا تماما. في لحظة التعيين يبحث الجمهور عن الشخصية، ومسارها، ودلالة الحدث، لكن بعد انتهاء موجة الاهتمام الأولى تبدأ مرحلة أخرى يصبح فيها الجمهور أكثر اهتماما بالقرارات والسياسات والنتائج وطريقة التواصل معها.
وهنا يظهر الفرق بين إدارة الصورة وإدارة التواصل. الأولى تركز على كيفية ظهور السياسي، بينما الثانية تتعلق بكيفية بناء علاقة مستمرة مع المواطن.
وهذا الفرق سيصبح أكثر أهمية في السنوات المقبلة، لأن المواطن الرقمي لا يكتفي بمشاهدة الرسالة الرسمية، بل يقارنها بتجارب الآخرين، ويبحث عن المعلومات البديلة، ويشارك في النقاش، ويعيد إنتاج المحتوى، وقد يصبح هو نفسه مصدرا للمعلومة أو للرواية المضادة.
لقد تغيرت بذلك طبيعة السلطة الاتصالية لم يعد السياسي يمتلك وحده القدرة على تحديد الرسالة أو توقيت انتشارها أصبح المواطن شريكا في عملية إنتاج وانتشار المعلومة، وأصبحت المنصات الرقمية فضاء تتفاعل داخله المؤسسات والإعلام والمواطنون والمؤثرون والخوارزميات في الوقت نفسه.
ولهذا فإن السياسي الذي لا يمتلك حضورا رقميا قد يفقد جزءا من قدرته على الوصول إلى المواطن، لكن امتلاك الحضور الرقمي وحده لا يكفي فالحضور دون استراتيجية قد يتحول إلى مجرد نشاط اتصالي متواصل بينما السياسة الرقمية تتطلب رؤية متكاملة تقوم على المعلومة، والبيانات، وسرعة التفاعل، وفهم الجمهور، والقدرة على بناء الثقة.
المعادلة الجديدة لم تعد تقوم على عدد المتابعين فقط، وإنما على قدرة السياسي أو المؤسسة على تحويل الحضور الرقمي إلى معرفة، والمعرفة إلى حوار، والحوار إلى علاقة مستدامة مع المواطن.
لقد انتهى تقريبا زمن السؤال: هل السياسي موجود على مواقع التواصل الاجتماعي؟ السؤال الجديد هو كيف يدير السياسي علاقته بالمواطن داخل مجتمع أصبحت فيه الخوارزميات جزءا من المجال العام؟ وهنا تحديدا يبدأ الانتقال من “التواصل السياسي الرقمي” إلى “السياسة الرقمية” فما يحدث اليوم لا يمثل مجرد تغيير في أدوات التواصل، وإنما تحولا في طبيعة العلاقة بين السياسي والمواطن. الهاتف أصبح نافذة على الحياة السياسية، والمنصات الاجتماعية أصبحت فضاء للنقاش العام، والبيانات أصبحت موردا لفهم الجمهور، والخوارزمية أصبحت عاملا مؤثرا في تحديد المحتوى الذي يصل إلى المواطن وفي هذه البيئة الجديدة، لن تكون القيمة الحقيقية في امتلاك أكبر عدد من المتابعين، وإنما في القدرة على بناء علاقة رقمية تقوم على المعلومة والثقة والتفاعل والمسؤولية.
وهذا هو التحول الذي ينبغي مراقبته في المرحلة المقبلة: ليس فقط كيف سيحضر السياسي المغربي على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما كيف ستتطور السياسة المغربية نفسها داخل العصر الرقمي.
مستشار متخصص في الهندسة الاجتماعية والتواصل والتسويق الرقمي