تضع الأرقام الأخيرة المتعلقة باحتجاجات تلاميذ المدارس الثانوية في فرنسا، والتي أسفرت عن تسجيل 6059 حالة اعتقال في صفوف التلاميذ والمراهقين، العديد من علامات الاستفهام حول المقاربة الأمنية المعتمدة في التعامل مع الحركات الاحتجاجية، وتفتح الباب واسعًا لمساءلة الخطاب الإعلامي والحقوقي الغربي.

والمؤسف أن هذه الأحداث لم تقتصر فقط على مجرد توقيفات روتينية، بل رافقها توثيق واسع لاستعمال مفرط للقوة في حق قاصرين وأطفال خرجوا للتعبير عن مطالب مرتبطة بإصلاح قطاع التعليم، مسنودين بأساتذتهم، فضلًا عن تنامي الاعتقالات العشوائية بشكل غير مسبوق.

كما أظهرت الصور والمقاطع المتداولة لجوء القوات العمومية الفرنسية إلى وسائل تدخل مطبوعة بالعنف، شملت استخدام العصي المعدنية ومقذوفات البلاستيك القوية، في مشاهد تعرض سلامة المحتجين لخطر داهم وتتنافى مع أبجديات الحق في التظاهر السلمي.

وتكشف هذه الوقائع عن مفارقة صارخة حين يتم وضعها في ميزان التغطية الإعلامية والمواقف الحقوقية، فالإعلام الفرنسي، بشقيه الرسمي والمستقل، على غرار قنوات (France 24)، و(CNews)، و(BFM TV)، و(France Info)، غالبًا ما يتبنى مقاربة “حفظ النظام العام” و”فرض هيبة الدولة” عندما تتعلق الصور والمقاطع المسجلة بشوارع باريس أو مارسيليا أو ليون أو بريست وتولوز.

وفي المقابل، تتحول هذه المنابر ذاتها إلى منصات لتقديم الدروس والمواعظ في حقوق الإنسان، وتتوشح برداء الدفاع عن الحريات، مسارعة إلى إدانة أي تدخل أمني مهما كان محدودًا عندما يتعلق الأمر بدول الجنوب، وتحديدًا المغرب.

ويعكس هذا التحول الجذري في التناول الإعلامي ازدواجية معايير فجة؛ فما يُعتبر في فرنسا إجراءً سياديًا ومشروعًا لحماية الممتلكات ومرتكزات النظام العام، يُصوَّر في المغرب على أنه قمع ممنهج وتضييق على حرية التعبير، ولو كان بدرجة أخف كثيرًا مما يحدث حاليًا في فرنسا.

إن التغاضي عن الكلفة الحقوقية الثقيلة في فرنسا، التي تتجلى في تضييق هامش التظاهر، وتصاعد وتيرة العنف البوليسي، واللجوء إلى الاعتقالات العشوائية في صفوف القاصرين، يقابله صمت مطبق أو تبرير ممنهج من قبل العديد من المنظمات الحقوقية والمنصات الإعلامية الأوروبية.

وتصر التغطيات الإخبارية الموجهة للداخل الفرنسي على تغييب مصطلحات “القمع” و”الانتهاكات الجسيمة” و”الحرب الحضرية”، ويتم التركيز بدلًا من ذلك على الخسائر المادية وأحداث الشغب التي يتسبب فيها المحتجون لتبرير الاستخدام المفرط للقوة.

لكن بمجرد انتقال عدسة الكاميرا إلى الضفة الجنوبية للمتوسط، تبرز لغة الاستنكار والتباكي المزعوم على وضعية الحريات، وينبري الإعلام الفرنسي للبحث عن قاموس موغل في التطرف الأمني، في تجاهل تام للحقائق الميدانية ولطبيعة التحديات الأمنية المسجلة.

فعند إجراء مقارنة موضوعية لأساليب إدارة الاحتجاجات، تبرز فروق جوهرية في العقيدة الأمنية، إذ إن القوات العمومية في المغرب، ووفقًا للعديد من المتابعين للشأن الحقوقي والأمني، تتبنى مقاربة تتسم بالتدرج وضبط النفس. فاللجوء إلى العنف الجسدي يظل استثناءً نادرًا، ويرتبط أساسًا بحالات الدفاع الشرعي عن النفس أو التدخل العاجل لتفادي عمليات تخريب كبرى تستهدف الأرواح والممتلكات العامة والخاصة.

وفي المقابل، توثق الأحداث في دول أوروبية كبرى مثل فرنسا، وإسبانيا، وألمانيا، لجوء قوات مكافحة الشغب إلى أقسى وأقصى أدوات العنف، والتي لا تقتصر على الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي، بل تصل في مشاهد صادمة إلى دهس المتظاهرين بخيول الشرطة واستخدام خراطيم المياه عالية الضغط في طقس شديد البرودة، دون أن يثير ذلك حملات استنكار دولية أو مطالبات بفرض عقوبات.

هذه الازدواجية لا تسيء فقط إلى مصداقية الإعلام الفرنسي، بل تضرب في مقتل عالمية وشمولية حقوق الإنسان التي تُتخذ مطية لتمرير أجندات سياسية.

إن تحويل قضايا الحريات إلى أداة للضغط الدبلوماسي، حيث يتم غض الطرف عن فظائع الشرطة الفرنسية في حق تلاميذ عُزّل، بينما تُجيّش المنصات الإعلامية لانتقاد دول كالمغرب تسعى للموازنة بين حفظ النظام وضمان الحق في الاحتجاج، يفقد هذه المنابر صفتها كرقيب محايد.

ويبقى الاستنتاج الأبرز من هذه الأحداث هو سقوط سردية التفوق الأخلاقي التي حاول الإعلام الغربي ترويجها لعقود. فالأرقام الصادمة للاعتقالات في صفوف قاصرين فرنسيين، ومشاهد العنف غير المبرر ضد مطالب اجتماعية، تعيد صياغة المشهد لتؤكد أن احترام حقوق الإنسان لا يتجزأ حسب الجغرافيا.

إن أي نقاش جاد حول حرية التعبير والتظاهر يجب أن يبدأ بكنس العتبات الداخلية أولًا، والتخلي عن نظرة الاستعلاء التي تصنف شعوب العالم إلى دول يحق لها استخدام كل وسائل العنف للحفاظ على استقرارها، ودول أخرى تُطالب بتقديم التنازلات المستمرة تحت طائلة التشهير الإعلامي والحقوقي.

ورغم كل الملاحظات المسجلة على انتقائية الإعلام الفرنسي، إلا أن هذا الأخير يصر على الوفاء لمنطلقاته وخلفياته الراسخة: فهو يكون لسان حال الدولة الفرنسية عندما يتعلق الأمر بقضايا تتعلق بالأمن الفرنسي، بينما يتحول إلى بوق للدعاية المغرضة وآلية للتشهير عندما يتعلق بالأحداث الأمنية المسجلة خارج الحدود، وتحديدًا بالمغرب.