أسدل الستار على نتائج الانتخابات التشريعية، وانطلق معها موسم الاحتفالات بالتهاني والتبريكات والذبائح وتقديم الهدايا، فنُصبت الخيام وأُقيمت الموائد وفُرشت الأرض زرابي مبثوثة من كل ألوان زاهية، وخرج البرلماني الفائز المُحتفى به مُنتشيا بنصره أمام قبيلته وعشيرته وأمام من صوتوا عليه وحتى لم يصوتوا قدموا من حدب وصوب يحضرون الوليمة ويؤرخون للحظة ويلتقطون الصور..

من حق المرء أن يفرح بنصره، ومن حقه أن يظهر ذلك زغاريدا ورقصا وأهازيجا، ومن حق من شاركوه الحملة أن يحتفلون معه وبجانبه…
ومن حقهم أن يذكروه بالوعود المنتظرة المعلقة التي تعهد بها يوم حملته وهو يطوف القرى والمداشر والمناطق النائية يتصبب عرقا في عز موجة الحر يجالس الفقير والصغير وذو الحاجة..

وكذلك، من حق الحاضرين أن يفرحوا ويهللوا ويكبروا ويدعون له بالصلاح والفلاح…
لكن الملاحظ أن هذه الحفلات الضخمة تُقام غالبا في جماعات ومناطق تفتقر لأدنى شروط العيش…حيث ضعف الخدمات في مرافق صحية ومؤسسات تعليمية وشبكات الماء والكهرباء والاتصالات والطرقات…
ليبقى السؤال المطروح: هل الفوز بالمقعد الانتخابي هو نهاية المطاف، أم هو بداية لمرحلة جديدة بتعهدات جديدة والتزامات كذلك؟
هي احتفالات سيقت فيها إبل وأنعام من الأعناق إبلٌ وأنعام كهدايا للمحتفى به وكعربون محبة وتقدير ووفاء…
هي احتفالات نُصبت فيها خيامٌ تستقبل الوفود القادمة أفرادها فرادى وجماعات…
سيارات وشاحنات ودراجات نارية ودواب وعربات… كلها اصطفت تحصي عدد الحاضرين..
ومعهم ومن ورائهم هرع موثقو الصور والصوت ونقل الحفل لايفاتٍ وتعليقاتٍ يمدحون ويثنون ويعدون مناقب الفائز….
مبالغ مالية لا تعد ولا تحصى صُرفت في مناسبات احتفالية مكلفة، ضمن مشاهد أعادت إلى الواجهة سؤال العلاقة بين الفوز الانتخابي وثقل المسؤولية التي تبدأ مباشرة بعد إعلان النتائج.
فلا ينكر ذلك إلا جاحد، أن الحملات الانتخابية كانت بمثابة ميثاق شرف يطوق رقاب أصحابه، فمنهم من تعهد بإنشاء الطرقات وتأهيل الممرات وبناء المستشفيات والمدارس والفرعيات، ومنهم من كان خطابه ينصب على ” ضرورة تغيير “الوجوه القديمة” التي عمرت كثيرا دون أثر…
ولا ينكر ذلك إلا جاهل للقانون ، بأن دور البرلماني (سواء في مجلس النواب أو مجلس المستشارين) ينحصر في تمثيل الأمة، والمساهمة في التشريع، ومراقبة عمل الحكومة، وتقييم السياسات العمومية وفقاً للدستور، وأن كل ما يتعلق بالتجهيزات والبنيات التحتية فهي من صميم المجالس المنتخبة محليا وإقليميا وجهويا، لكن وعلى من الرغم من ذلك، تجد البعض من المتنافسين يقدمون ذلك كوعود انتخابية وكأنهم يبيعون للناس الوهم.
هكذا، خُتمت المجالس دعاء وتعهدا، وانتشرت الحشود مودعة ولسان حالها يقول ” الله يخلف أرئيس” ومن بين ثنايا الحاضرين انسل الحديث همسا وغمزا لاسيما مع بداية غسل اليدين من دسم الأطباق، وجاء موعد الانصراف من خيمة الحفل….
ومعها وبعدها كثُر السؤال عن المستقبل وما يحمله من مستجدات وانتظارات وآمال للساكنة التي عانت الويلات تماشيا ومقولة ” الكرش ملي تشبع تقول للراس غنّي”..
استفسر البعض وطرح سؤاله المتعلق سواء بالوضع الصحي مع غياب المستوصفات أو ضعف الخدمات بها وقلة التجهيزات والموارد البشرية….مع التعليم وهشاشة البنيات التحتية للأقسام والحجرات والممرات الطرقية المؤدية إليها….مع الشغل وانتشار البطالة في الحي أو في الدوار، مع النقل بمختلف أنواعه سواء العمومي أو المدرسي…مع المسالك الطرقية والإنارة العمومية…

مطالب كبيرة وعديدة، يقابلها كلام معسول من الرئيس القادم، الذي يقول ” كل شيء يهون في سبيل تحقيق الوعود”…غير كونوا هانين….
إليك يارئيس أقول، يا من استقبلوك بالورود والثمر والحليب وزغاريد النسوة البريئات…إليك أقول: لا تتنكر لوعودك لهم وأنت في أبهى حلتك ونشوتك…لا تكن كضيفا خفيفا عليهم لا تظهر إلا مع قرب موعد الانتخابات…تذّكر أيها الرئيس برنامجك الانتخابي الذي حملته أمانة في عنقك لتكون مدافعا عنه وعن تنزيله… وأنت الذي وعدت وتعهدت بتحقيق الأفضل…لا تكن من الذين ارتأوا تغليب مصالحهم الشخصية على مصالح الناس العامة…
فاعلم أن كل مريض يئن في منزل بمنطقة نائية يعاني وسيلة نقل أو سيارة اسعاف أو وعورة مسالك، فذنبه في رقبتك…يُحاجِجُك به غدا أمام رب العزة…