عقب الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية وتعيين رئيسة الحكومة المكلفة، تدخل المشاورات السياسية لتشكيل الحكومة المقبلة مرحلة جديدة للبحث عن صيغة الأغلبية القادرة على تأمين الدعم البرلماني للحكومة، في ظل تعدد السيناريوهات الممكنة أمام الأحزاب السياسية المعنية بالمشاركة.

وفي هذا السياق، يرى أستاذ القانون الدستوري، أمين السعيد، أن العودة إلى المجالس الوطنية أو عقد دورات استثنائية للحسم في قرار المشاركة في الحكومة أو الاصطفاف في المعارضة، أصبحت تقليدا تكرس خلال محطات تشكيل الحكومات المتعاقبة، بهدف إضفاء الشرعية على القرار السياسي وتقاسم مسؤوليته داخل الأجهزة التقريرية للأحزاب.

ويشير السعيد إلى أن هذه الممارسة تطرح، في بعض الحالات، سؤالا حول طبيعة القرار الذي تتخذه هذه المؤسسات الحزبية، خصوصاً أن القيادات السياسية، وفق تعبيره، تتوفر أحياناً على طرق متعددة لتوجيه المؤتمرات الوطنية الاستثنائية، بما يجعل النقاش لا يرتبط فقط بعرض القرار على مؤسسة حزبية، وإنما أيضاً بكيفية تدبير هذا العرض والظروف التي يتم فيها الحسم.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة مع انطلاق مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة، حيث ستجد الأحزاب المعنية نفسها أمام قرارات تتعلق بالمشاركة أو المعارضة، قبل الانتقال إلى التفاوض حول شروط الدخول إلى الحكومة وحجم التمثيل الوزاري وطبيعة الحقائب التي ستتولاها.

وبحسب السعيد، فإن رئيسة الحكومة المكلفة يتعين عليها، وفق ما جرى عليه العمل الحزبي، القيام بجولة أولى تستهدف مختلف وفود الأحزاب السياسية، وفق الترتيب الذي أفرزته انتخابات 2026، وذلك لاستكشاف مواقفها وقراءة تصوراتها ورصد طبيعة التحالفات الممكنة قبل الانتقال إلى مرحلة التفاوض حول الأغلبية الحكومية.

وتوفر الخريطة البرلمانية الجديدة، وفق أستاذ القانون الدستوري، هامشا واسعا لتشكيل أكثر من صيغة ائتلافية، في ظل اختيار بعض الأحزاب موقع المعارضة، مقابل إبقاء أحزاب أخرى الباب مفتوحاً أمام المشاركة في الحكومة.

ولا ترتبط أهمية هذه الخريطة بعدد المقاعد فقط، وإنما أيضاً بموقع كل حزب داخل التركيبات الممكنة، وهو ما يمنح بعض الأحزاب قوة تفاوضية أكبر خلال المشاورات.

ويبرز في هذا السياق حزبا التجمع الوطني للأحرار والاستقلال، بالنظر إلى وزنهما البرلماني وإمكانية دخولهما في أكثر من صيغة ائتلافية، الأمر الذي يوسع هامش التفاوض حول شروط المشاركة وموقع كل منهما داخل الحكومة المقبلة.

كما تظل أمام رئيسة الحكومة المكلفة صيغ متعددة لبناء الأغلبية، سواء من خلال الحفاظ على تحالف حزبي قريب من التركيبة السابقة، أو الاتجاه نحو أغلبية أكثر اتساعاً من حيث عدد الأحزاب والمرجعيات السياسية، بما قد يجعل هندسة التحالفات مرتبطة ليس فقط بالحسابات العددية، وإنما أيضاً بدرجة التقارب السياسي والبرنامجي بين مكونات الأغلبية.

وبعد تجاوز مرحلة تحديد الأحزاب الراغبة في المشاركة، ستدخل المفاوضات في تفاصيل أكثر حساسية، تتعلق بشروط المشاركة وحجم التمثيل الوزاري وطبيعة الحقائب التي سيحصل عليها كل حزب. وهنا ستبرز العلاقة بين القوة البرلمانية والقوة التفاوضية، خصوصاً بالنسبة للأحزاب التي يمكن أن يكون انضمامها حاسماً في تأمين الأغلبية.

وبذلك، فإن تشكيل الحكومة المقبلة لن يكون مجرد عملية حسابية لتجميع العدد المطلوب من المقاعد، بل سيجمع بين مسارين متوازيين: مسار يتعلق بالتفاوض بين الأحزاب حول الأغلبية والتحالفات، ومسار داخلي يرتبط بكيفية اتخاذ كل حزب لقرار المشاركة ومدى حضور مؤسساته التقريرية في الحسم فيه.

وتصبح هندسة الحكومة، في هذا السياق، امتداداً لهندسة الأغلبية، من خلال اختيار الشركاء وتوزيع المسؤوليات وانتقاء الكفاءات وتحديد الأولويات، بما سيحدد صورة المرحلة السياسية المقبلة وطبيعة الحكومة المنبثقة عن انتخابات 2026، وفق الممصدر ذاته.