بوز: احترام “المنهجية الديمقراطية” يجعل تعيين الأمين العام للحزب المتصدر رئيسا للحكومة الأكثر انسجاما مع الدستور
قال أحمد بوز، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس السويسي بالرباط، إنه كلما أفرزت الصناديق الانتخابية خريطة تشريعية جديدة، تطفو على سطح النقاش السياسي والدستوري تجاذبات حول منهجية تعيين رئيس الحكومة، وتحديدا حول السؤال المركزي: هل يُعين الأمين العام للحزب المتصدر للانتخابات أم شخصية أخرى من داخل الهيئة السياسية ذاتها؟ فما إن تهدأ حمى الحملات الانتخابية وتُعلن النتائج الرسمية، حتى تتناسل القراءات التأويلية بين اتجاه يلتزم بصريح النص والمنهجية الديمقراطية، واتجاه يسعى لإقحام فصول ومبادئ دستورية عامة لفتح هامش أكبر للتأويل.
واعتبر بوز، في تدوينة على “فيسبوك” بعنوان “الدستور واضح ولا يحتاج إلى فصل مواز”، أن مثل هذه التحليلات والتوضيحات التي تحاول تأطير مسألة التعيين بمرجعيات تتجاوز المنطق المباشر للاقتراع، تدعو إلى التوقف والمساءلة؛ إذ تطرح سؤالا جوهريا حول الحدود الفاصلة للتأويل الدستوري، وما إن كانت هذه التفسيرات تعيد الممارسة السياسية، بعلم أو دون علم، إلى مربع ما قبل محطة 2011 التاريخية.
وأشار إلى أن الفصل 47 من دستور 2011 ينص في فقرقته الأولى، بشكل لا يدع مجالا للشك، على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. ويتضح من القراءة الأولى لهذه الفقرة أن المشرع الدستوري صاغ قاعدة قانونية آمرة ومباشرة لا تتسم بالغموض ولا تحتمل خيارات متعددة خارج إطار الهيئة السياسية الفائزة. وتُمثل هذه الفقرة القالب القانوني الصريح لما يُعرف بـ”المنهجية الديمقراطية”، وهو المبدأ الذي أقره دستور 2011 لربط القرار السياسي والتنفيذي بإرادة الناخبين الصريحة عبر صناديق الاقتراع.
وأضاف أنه في الفقه الدستوري وقواعد التفسير القانوني المستقرة، تطبق قاعدة أساسية مفادها أن النص الخاص يُقدم على النص العام. وبالتالي، فإن الفصل 47 يمثل النص الخاص والحصري المنظم للحظة تكليف رئيس الحكومة وتشكيلها، وأي محاولة لتجاوزه أو التخفيف من إلزاميته بآليات تأويلية عامة تعد خروجا عن المقصد المباشر للوثيقة الدستورية.
محاولة للعودة إلى ما قبل 2011
وأكد بوز أن الإشكالية تكمن في محاولات إقحام الفصل 42 من الدستور في لحظة سياسية يحكمها النص الخاص وهو الفصل 47. وتصبح هذه الإشكالية أكثر دلالة عندما نستحضر أن الممارسة السياسية المغربية عانت لعقود من التوظيف الموسع للفصل 19 -غير المأسوف عليه- في دساتير ما قبل 2011؛ حيث كان يُنظر إليه كـ “دستور فوق الدستور” سمح تأويله بمنح الملك صلاحيات تكاد تكون مطلقة، وجعلته يحل محل المؤسسات الدستورية في ممارسة بعض اختصاصاتها.
وأبرز أنه خلال الهندسة الدستورية لسنة 2011، كان الهدف الأساسي للمشرع الدستوري هو وضع حد صريح لهذه الازدواجية الدستورية بين “الدستور المكتوب” و”الدستور الفعلي”، ولذلك تم تقسيم هذا الفصل إلى الفصل 41 الذي يحدد الاختصاصات الدينية للملك بصفته أميراً للمؤمنين، والفصل 42 الذي يحدد صفة الملك كرئيس للدولة وممثلها الأسمى، وضامناً لدوام الدولة واستمرارها وحسن سير مؤسساتها الدستورية.
ولفت إلى أن الفصل 42 نفسه حسم مسألة ممارسة هذه المهام بعبارة صريحة تنص على أن الملك يمارس هذه المهام بمقتضى ظهائر من خلال الاختصاصات المحددة صراحة في الدستور. ولذلك، فالصلاحيات المرتبطة برئاسة الدولة وحسن سير المؤسسات ليست شيكا على بياض للحلول محل باقي النصوص الأخرى، بل هي اختصاصات تُمارس عبر الطرق المحددة حصرا في بقية فصول الوثيقة الدستورية.
وشدد بوز على أن التلويح بالفصل 42 في لحظة تعيين عادية منظمة بالفصل 47 يعد استحضارا غير مبرر لمنطق الفصل 19 القديم، وهو ما يعني عمليا تهميش مخرجات العملية الانتخابية، والالتفاف على مبدأ الإرادة الشعبية التي جعلها الدستور مصدر السلطات، والعودة بنا إلى ما قبل 2011.
وأوضح أن أصحاب مثل هذه القراءة غالبا ما يستشهدون بسيناريو تشكيل الحكومة ما بعد انتخابات 2016 وما عُرف إعلاميا بـ “البلوكاج”، غير أن القراءة الدستورية الهادئة لتلك المحطة تثبت العكس تماما؛ فمن جهة، تم الالتزام الحرفي بالفقرة الأولى من الفصل 47 عبر تكليف الأمين العام للحزب المتصدر لنتائج الانتخابات (حزب العدالة والتنمية). ومن جهة ثانية، وحتى عندما طال “البلوكاج السياسي” وهدد باختلال السير العادي لمؤسستي البرلمان والحكومة، لم يقع أي التفاف على نتائج الصناديق، إذ أُعيد التكليف لشخصية أخرى من الحزب المتصدر نفسه، وهو ما ينسجم تماما مع جوهر الفصل 47 وأفضليته الإلزامية.
وسجل بوز أن الإحالة المرجعية لـ “روح الدستور” أو الفصل 42 في بيان الديوان الملكي آنذاك لم تكن لتخلق آلية تعيين جديدة أو موازية للفصل 47، بقدر ما كانت مجرد تغطية سياسية لتجاوز حالة الشلل وتيسير التكليف الثاني داخل الحزب المتصدر نفسه. وبذلك، تظل هذه المحطة تأكيدا على أولوية الممنهجية الديمقراطية ومحورية الفصل 47، وتفند محاولات تحويل الاستثناء العلاجي إلى قاعدة، أو اتخاذ الانسداد السياسي ذريعة للتقليص المسبق من قيمة نتائج الاقتراع.
النأي عن التأويلات الملتوية
وألح بوز على أن احترام الدستور بوصفه وحدة متكاملة لا تقبل التجزئة، وتوطيد دولة المؤسسات، وتطوير الممارسة السياسية الفضلى، أمور تقتضي الاستقرار على “قواعد لعب” واضحة، والنأي عن التأويلات الملتوية التي تفرغ الاستحقاقات الانتخابية من مدخلها الديمقراطي رغم ما تثيره مخرجاتها من ملاحظات بل وانتقادات. فلا أحد يجادل في السلطة التقديرية للملك في اختيار الشخصية الأنسب لرئاسة الحكومة من داخل الحزب المتصدر، سواء أكان أمينه العام أم قياديا آخر به، فهذا حق دستوري مكرس ويُمارس حصريا داخل دائرة الحزب المتصدر.
وأشار إلى أنه بما أن النص الدستوري لا يمنع ذلك، فإن احترام “المنهجية الديمقراطية” يجعل تعيين الأمين العام للحزب المتصدر التطبيق الأكثر انسجاما مع روح الدستور وجوهر هذه المنهجية، وهي ممارسة حرص الملك على ترسيخها وتثبيتها منذ مراجعة 2011، بل وفعل الأمر نفسه حتى في ظل دستور 1996 حين عين الأمين العام لحزب الاستقلال عقب انتخابات 2007، تداركا للجدل السياسي والمؤسساتي الذي أعقب تعيين شخصية تكنوقراطية (إدريس جطو) سنة 2002 على حساب الحزب المتصدر آنذاك (حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية).
وخلص بوز إلى أن الانطلاق من هذا المسار التاريخي والدستوري المراكم تجعل كل محاولة لإقحام الفصل 42 لتوسيع السلطة التقديرية خارج حدود الفصل 47 -والتي قد تخفي في جوهرها دفاعا ضمنيا عن ترتيبات أو أشخاص بأعينهم- ارتدادا عن المكتسبات الدستورية لسنة 2011. وبالتالي، فإن حماية الدستور وضمان الممارسة السياسية السليمة تقتضيان صيانة الفصل 42 في موقعه الطبيعي كضمانة سيادية استراتيجية لوحدة الدولة واستمراريتها، وترك الفصل 47 يعمل بسلاسة دون تشويش لتكريس الإرادة الشعبية المصرح بها عبر صناديق الاقتراع.