العدالة والتنمية والمعارضة.. ملاذ سياسي أم استراتيجية لإعادة البناء؟
هبة بريس – عبد اللطيف بركة
عاد حزب العدالة والتنمية إلى الواجهة البرلمانية من بوابة المعارضة، بعدما رفع عدد مقاعده من 13 في انتخابات 2021 إلى 54 مقعدا في استحقاقات 23 شتنبر 2026، لكن المفارقة التي تستحق التوقف عندها لا ترتبط فقط بحجم هذا الانتعاش الانتخابي، وإنما بكون الحزب اختار، مباشرة بعد هذه العودة، عدم المشاركة في الحكومة المقبلة، حيث صادق مجلسه الوطني بالإجماع على الاصطفاف في المعارضة.
من هنا يبرز سؤال سياسي أكثر عمقا، هل أصبح موقع المعارضة بالنسبة إلى العدالة والتنمية مساحة لإعادة بناء الرصيد الانتخابي بأقل كلفة سياسية، مقارنة بكلفة تحمل مسؤولية التسيير الحكومي؟ فالتجربة السابقة تقدم مفارقة تستحق النقاش، الحزب الذي تصدر انتخابات 2016 بـ125 مقعدا بعد سنوات من وجوده في المعارضة، انتهى إلى 13 مقعدا في انتخابات 2021 عقب ولايتين حكوميتين، وبعد خمس سنوات في المعارضة، عاد ليرفع رصيده إلى 54 مقعدا.
هذه المعطيات لا تثبت وحدها وجود علاقة سببية، لكنها تجعل السؤال حول علاقة الحزب بين المعارضة والانتخاب من جهة، والتسيير وكلفته السياسية من جهة أخرى سؤالا مشروعا.
في المقابل، لا يمكن اختزال قرار الحزب في البحث عن موقع مريح، فقيادته تقول إن المعارضة تمثل موقعه الطبيعي لممارسة أدواره الدستورية والرقابية، كما يعتبر أن نتيجته الانتخابية دليل على استعادة جزء من حضوره الشعبي، كما أن قرار المعارضة لم يكن فرديا، بل صادق عليه المجلس الوطني بالإجماع بعد التداول فيه.
لذلك، فإن الاختبار الحقيقي أمام العدالة والتنمية لن يكون في عدد المقاعد التي استعادها، وإنما في كيفية توظيف هذه العودة، فإذا استطاع الحزب أن يقدم معارضة برلمانية ذات بدائل وبرامج ومقترحات، فسيكون اختياره للمعارضة تموقعا سياسيا واضحا، أما إذا تحولت المعارضة إلى مجرد مساحة لانتقاد الحكومة وانتظار الاستحقاق الانتخابي المقبل، فسيبقى السؤال مطروحا حول ما إذا كان الحزب يريد فعلا العودة إلى ممارسة مسؤولية التسيير، أم أن قوته الانتخابية باتت ترتبط أكثر بموقعه خارج الحكومة.
وبهذا المعنى، فإن قرار العدالة والتنمية يفتح نقاشا أوسع من مجرد المشاركة أو عدم المشاركة في الحكومة، هل يريد الحزب استعادة السلطة، أم استعادة موقعه الانتخابي أولاً؟ فالمرحلة المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كانت المعارضة بالنسبة إليه محطة لإعادة بناء مشروع سياسي قادر على العودة إلى التسيير، أم موقعا سياسيا أثبت، في تجربته الأخيرة، قدرة أكبر على استعادة المقاعد والرصيد الانتخابي.