فتحت مكاتب التصويت في المغرب أبوابها، صباح الأربعاء، أمام أكثر من 15.8 مليون ناخب لاختيار أعضاء مجلس النواب الجديد، في انتخابات تشريعية تتصدر نسبة المشاركة أبرز رهاناتها، بعد حملة انتخابية حاشدة، وفي سياق اجتماعي واقتصادي يتسم بارتفاع كلفة المعيشة وبطالة الشباب، بينما تستعد البلاد لاستثمارات كبرى مرتبطة باستضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2030.
وبدأت عملية التصويت في الساعة الثامنة صباحا بالتوقيت المحلي، على أن تغلق مكاتب الاقتراع في السابعة مساء، لتبدأ بعدها عمليات فرز الأصوات وتجميع النتائج. ومن المنتظر ظهور مؤشرات أولية خلال الليل، فيما يبدأ الإعلان الرسمي عن النتائج المؤقتة اعتبارا من الخميس 24 شتنبر.
ودعي إلى الاقتراع 15 مليونا و801 ألفا و162 ناخبا وناخبة مسجلين في اللوائح الانتخابية، يمثل الرجال منهم 54 في المائة والنساء 46 في المائة، بينما ينتمي 55 في المائة إلى الوسط الحضري و45 في المائة إلى الوسط القروي. ولا يمثل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة سوى أربعة في المائة من مجموع المسجلين.
ويتنافس المرشحون على 395 مقعدا في مجلس النواب، موزعة على 305 مقاعد في 92 دائرة انتخابية محلية، و90 مقعدا في 12 دائرة جهوية مخصصة للوائح النسائية، ليصل مجموع الدوائر إلى 104 دوائر. وتجري عملية التصويت عبر نحو 40 ألفا و700 مكتب اقتراع، إضافة إلى نحو 3750 مكتبا مركزيا لتجميع المحاضر وإحصاء الأصوات.
وتفيد الأرقام الرسمية بتقديم 1850 لائحة تضم 7288 ترشيحا، بمعدل يزيد على 18 ترشيحا لكل مقعد، بينها 5505 ترشيحات في الدوائر المحلية و1783 مرشحة ضمن اللوائح الجهوية. وتشارك في المنافسة 28 تشكيلة سياسية، بينها تحالف أحزاب أنشئ بمناسبة الانتخابات، إضافة إلى لائحتين لمترشحين غير منتمين سياسيا.
وتجرى هذه الانتخابات، وهي الثانية عشرة من نوعها منذ استقلال المغرب، بعد حملة رسمية امتدت من 10 إلى 22 شتنبر وشهدت تجمعات ومهرجانات انتخابية وجولات ميدانية مكثفة للأحزاب في مختلف مناطق البلاد.
المشاركة.. الرقم الأكثر ترقبا
وتبقى نسبة المشاركة أحد أهم الأرقام التي ستتجه إليها الأنظار عند إغلاق صناديق الاقتراع، ليس فقط لقياس حجم الإقبال على التصويت، ولكن أيضا باعتبارها مؤشرا على مستوى انخراط المواطنين وثقتهم في المؤسسات المنتخبة، خصوصا بين الشباب.
ويكتسب هذا الرهان أهمية إضافية بالنظر إلى الفارق الكبير بين عدد المغاربة في سن التصويت وعدد المسجلين فعليا. فبينما يقدر عدد من بلغوا سن التصويت بنحو 27 مليون شخص، لا يتجاوز عدد المسجلين 15.8 مليون ناخب. وأشارت وكالة “رويترز” إلى أن المشاركة، ولا سيما بين الشباب، ستكون من أكثر المؤشرات متابعة في هذا الاقتراع.
وتأتي الانتخابات بعد نحو عام من احتجاجات قادها شباب “جيل زد”، وفي أعقاب أحداث العبور الجماعي نحو مدينة سبتة في يوليوز الماضي، وهما حدثان أعادا إلى الواجهة قضايا بطالة الشباب والتفاوت الاجتماعي والمجالي والثقة في المؤسسات السياسية.
وتتمثل أبرز الرهانات الداخلية للحكومة التي ستنبثق عن الانتخابات في خلق فرص العمل وتحسين الأجور والقدرة الشرائية، والحد من التفاوتات الاجتماعية والمجالية، وتحسين خدمات الصحة والتعليم والسكن، وهي ملفات حضرت بقوة في برامج الأحزاب وفي حديث الناخبين خلال الحملة.
وتشير الأرقام الرسمية إلى أن 29 في المائة من المسجلين في اللوائح الانتخابية يبلغون 60 عاما أو أكثر، مقابل أربعة في المائة فقط للفئة بين 18 و24 عاما، ما يطرح أيضا سؤال مشاركة الأجيال الشابة في المؤسسات السياسية والانتخابية.
حكومة ستدير مرحلة التحضير للمونديال
اقتصاديا، ستتولى الحكومة المقبلة إدارة مرحلة تتزامن مع استثمارات ضخمة في الملاعب والسكك الحديدية والبنيات التحتية استعدادا لتنظيم كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال. وقدر صندوق النقد الدولي، بحسب “رويترز”، الاستثمارات المبرمجة في هذا الإطار بنحو 190 مليار درهم، أي قرابة 20 مليار دولار.
وعلى المستوى الخارجي، تأتي الانتخابات في مرحلة تواجه فيها الرباط ملفات تتجاوز التدبير الحكومي اليومي، من بينها العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وإسبانيا بعد أزمة العبور الجماعي إلى سبتة، والتحضير المشترك لمونديال 2030، إلى جانب ملفات السياسة الخارجية الاستراتيجية. ويشير الدستور والممارسة السياسية إلى احتفاظ المؤسسة الملكية بدور مركزي في التوجهات الاستراتيجية والسياسة الخارجية والدفاع.
وتجري الانتخابات أيضا في ظل اهتمام خارجي بمسار الاستقرار السياسي والاجتماعي للمملكة، مع استمرار ملفات إقليمية مثل الصحراء والعلاقات مع الشركاء الغربيين في موقع متقدم ضمن السياسة الخارجية المغربية، وهي مجالات لا يتوقع مراقبون أن يؤدي تغير الأغلبية البرلمانية وحده إلى تحول جوهري فيها.
الحزب الأول يقود مشاورات تشكيل الحكومة
وسيحدد الاقتراع كذلك الحزب الذي سيقود الحكومة المقبلة. وينص الفصل 47 من الدستور المغربي على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي يتصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، ثم يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها.
ولا تعني المرتبة الأولى، في ظل النظام الانتخابي المغربي وتعدد الأحزاب، الحصول تلقائيا على أغلبية برلمانية، ما يجعل الحزب المتصدر مطالبا بخوض مفاوضات لتشكيل ائتلاف قادر على تأمين الأغلبية في مجلس النواب.
وتتنافس في الاقتراع أحزاب الأغلبية المنتهية ولايتها، وفي مقدمتها التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، إلى جانب أحزاب المعارضة، بينها العدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية وتشكيلات يسارية أخرى. وكانت قضايا التشغيل والأجور والسكن والصحة والتعليم والقدرة الشرائية في صلب الوعود التي قدمتها الأحزاب خلال الحملة.
وبذلك، لن تقتصر الأنظار مساء الأربعاء على ترتيب الأحزاب وعدد المقاعد التي سيحصل عليها كل منها، بل ستتجه أولا إلى نسبة المشاركة، بوصفها أحد المؤشرات الرئيسية لقياس حجم إقبال المغاربة على صناديق الاقتراع، قبل أن تبدأ مرحلة ثانية من المشاورات السياسية لتشكيل أغلبية وحكومة جديدتين لولاية تمتد خمس سنوات.
المصدر:
لكم